الحوار كما (التدين) قضية عقل ولكن!..حسن ادروب

هناك ضرورة ملحة للمضي مع الحوار اقتضتها الظروف التي تحيط بالوطن لذلك ندعو كل الأحزاب والتنظيمات السياسية التي قبلت واستجابت لدعوة الحوار ألا تنظر إلى الخلف حيث مرارات الماضي وسلبياته الكثيرة بل ينبغي أن تتجاوز القوى السياسية تلك السلبيات وتقفز من فوقها لالتقاط الفرصة الأخيرة والتي بدت من خلال دعوة السيِّد رئيس الجمهورية لكل الأحزاب والتنظيمات السياسية وحتى حاملي السلاح والذين تعهّد الرئيس بتوفير ضمانات دستورية لهم تتيح لهم الحضور والمشاركة في حوار الفرصة الأخيرة، نعم إنه حوار الفرصة الأخيرة لأني لا أميل إلى التشكيك في مصداقية القادة الذين قبلوا دعوة السيد الرئيس وأعني بذلك تلك التلميحات التي تقول إن «المؤتمر الشعبي» قد قبل دعوة الحوار من أجل تفجير «الوطني» من الداخل وذلك بالانخراط في مسار الحوار ثم التغلغل في أوصال المنظومة الحاكمة لتكرار نفس التجربة التي انتهجتها (جبهة الميثاق الإسلامي) بقيادة الدكتور/ حسن الترابي مع الرئيس الأسبق/ جعفر محمد نميري حيث قبلت (جبهة الميثاق الإسلامي) بالمصالحة الوطنية التي دعا لها الرئيس نميري ثم انخرطت الحركة الإسلامية بكامل عضويتها في الحزب الحاكم وقتئذ (الاتحاد الاشتراكي) ثم دفعوا النميري دفعاً لاتخاذ العديد من القرارات التي أدت إلى خروجه من سدة الحكم ثم خرجوا في صبيحة السادس من أبريل لعام 1985م مع جموع الشعب السوداني وهم يهتفون (بلا وانجلى)، المهم دعونا نتجاوز هذا التحليل فقد أضحى الآن أعداء الأمس أصدقاء اليوم وعلى مائدة الحوار جلس الرئيس/ عمر البشير وكان هناك الصادق المهدي وحسن الترابي وعبد الرحمن سعيد ممثلاً لمولانا محمد عثمان الميرغني وهذه لحظة ينبغي ألا تغفل (الكاميرا) عن توثيقها مهما كانت النوايا فقد دغدغت هذه الصورة مشاعر كل وطني غيور بغض النظر عن انتسابه لأي من الأحزاب التي يمثلها هؤلاء القادة وذلك لأننا نؤمن جميعاً بأن هذه الأمة لديها مقدرات وإمكانات هائلة وثروات في شتى المجالات ولو بذل قادتنا (وكل بمقدار) شيء من الجهد لتوحيد الكلمة سوف يخرج الوطن (المارد) من (قمقمه) الذي أدخلته فيه ألاعيب السياسة ومكر السياسيين حتى أضحت المصلحة الحزبية والشخصية عندهم أكبر من مصلحة الوطن وسلامة العباد والبلاد وكم من مكايدات ومؤامرات خطط لها ورعاها الكبار في إطار الخصومة السياسية الفاجرة ثم كانت النتيجة مصائب تقع على رؤوس المواطنين البسطاء ممن ينتظرون الآن على أحر من الجمر أن ترسو سفينة الحوار على جودي الاستقرار والتنمية والسلام.
ومن يتمعن في دعوة السيد الرئيس للحوار في سياقها الزمني يلحظ أن هناك ضرورة ملحة للحوار بالنظر إلى محيطنا الإقليمي (مصر وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان) كل هذه الدول تجابه الآن واقعاً شديد التعقيد وليست هناك بارقة أمل في أن تستعيد هذه الدول استقرارها أو إتزانها المنشود لاستدامة الأمن الإقليمي لكل دول هذه المنظمومة، أما القول إن للحوار ضرورة في سياق الراهن الاقتصادي فهذه والله العظيم هي النقطة التي أردت أن ينظر إليها قادتنا الكبار بشيء من الأهمية والاعتبار لأن الحالة الاقتصادية أضحت معلومة لدى الجميع (حكام ومحكومين) فقد تدهورت القوة الشرائية للجنيه السوداني بصورة مخيفة وتراجع الأداء في القطاعات الإنتاجية الحقيقية مما جعل غالبية سكان السودان يرزحون تحت خط الفقر ولن تجدي المعالجات التي تنوي وزارات التنمية الاجتماعية من إنفاذها لامتصاص الآثار السالبة للفقر وتداعياته الخطيرة مثل التفكك الأسري والانحلال والجنوح للجريمة وإتساع دائرة الفساد والغبن الطبقي وهذا يضع قادة الأحزاب والتنظيمات السياسية أمام مسؤولية تاريخية ذات اتجاه واحد وهي أن ينتهزوا فرصة الحوار من أجل توحيد الصف والعمل من أجل هذا الوطن لا من أجل مصلحة حزبية أو شخصية لأن السواد الأعظم من هذا الشعب الأبي لا يكترث للمغانم التي يلهث ورائها قادتنا الكبار ممن أعمتهم الذات الفانية من النظر إلى أعلى حيث ينظر محمد أحمد «المسكين» إلى لقمة العيش «الحلال» وحق المواصلات وحق العلاج و(سترة الحال)، وهذا باختصار ما نرجوه من الحوار وهو أن يكون كما (التدين) قضية عقل والعاقل من اتعظ بغيره واستفاد من سلبيات وأخطاء الماضي (وما أكثرها)!.