في انتفاضة أكتوبر 1964م شهدت ثلاث مظاهرات للأخوان والأنصار والشيوعيين لو تصادمت لسال دم كثير الطيب شبشة

يوم 24/أكتوبر 1964م كنت في سراي المهدي بالخرطوم  للمشاركة في تهيئة مظاهرة الحزب التي ستتجه إلى  جامع الخليفة بأمدرمان، ومن الأحداث القدرية أن مظاهرة حزب الأمة جناح الإمام خرجت من السراي من باب خلفي جانبي متجهة إلى شارع الجامعة، لكي تنتظم مسيرتها شمالاً إلى أمدرمان، ولو كانت هذه المظاهرة خرجت من السراي إلى شارع الجمهورية واتجهت شمالاً لوصلت إلى نقطة تقاطع شارع الجمهورية مع شارع القصر الجمهوري وفي نفس اللحظة التي كانت «مظاهرة الرفاق» ستصل إليها، ولسال دم كثير لو تصادمت المظاهرتان عند تلك النقطة تحديداً، ولكن مظاهرة الأنصار واصلت سيرها في شارع الجامعة حتى التحقت بمظاهرة الأخوان المسلمين  القادمة من أمدرمان متجهة جنوباً إلى جامعة الخرطوم عند نقطة تقاطع شارع الجامعة مع شارع القصر، وهكذا كانت المظاهرات الثلاث لا يفصل بينها إلا المسافة الممتدة  بشارع القصر من تقاطعه مع شارع الجامعة إلى تقاطعه مع شارع الجمهورية، وهي مسافة لا تزيد على (500) متر  بين النقطتين على أكثر تقدير، وكان متظاهرو الأخوان والأنصار من جهة والرفاق من جهة أخرى يرون بعضهم رأي العين، وكان الأخوان يحملون الدكتور الترابي على أعناقهم، وكان الرفاق يحملون عبد الخالق محجوب على أعناقهم أيضاً.
كانت لحظة من لحظات التاريخ الحاسمة التي تحدث ولا تتكرر إلا بعد حين من الدهر، لحظة من التاريخ التي تختبر معادن الرجال، ففي تلك اللحظة كان الرفاق وهم يرددون هتافات صاخبة ومستفزة لمظاهرة الإخوان الأنصار، وكانت مظاهرة الأخوان بقادة أخي الأستاذ/ عبد الرحيم حمدي متحفزة للصدام مهما كانت عواقبه دامية، وكانت مظاهرة الأنصار يقودها من يصيح (جاهزين للدواس) في هذه اللحظة التي خلت أن الزمن توقف عندها، وكانت لحظة تحتاج لحكمة رجل ثابت الجنان، وجدير بأن يحمله أنصاره على أعناقهم، ـ وشهادة للتاريخ ـ أجزم بأن عبد الخالق محجوب أمر قادة مظاهرتهم بعدم التوجه نحو مظاهرة الأخوان والأنصار، وأن تواصل سيرها في شارع الجمهورية جنوباً حتى شارع «الطابية» ثم الاتجاه شرقاً نحو الجامعة.
بعض الحمقى يفسرون تصرف مظاهرة الرفاق بأن دافعه «الخوف» ويعدون نصراً لمظاهرتي الأخوان والأنصار، بينما الحقيقة التي يؤيدها المنطق والوعي والحكمة هي أن عبد الخالق أبدى حكمة تليق بثقافته وذكائه، ومسؤوليته القيادية، بغض النظر عن عقيدته الفكرية، وقيمه السياسية، ولولا هذه الحكمة التي تجلت في عدم سماحه بالمصادمة مع مظاهرتي الأخوان والأنصار لسال دم كثير، ولأقيمت في معظم البيوت في العاصمة المثلثة المآتم.
يعرف الكثيرون من القراء والساسة والصحفيين، أنني عدو للشيوعية والشيوعيين الذين يسعون لفرض الفك والثقافة الشيوعية على الشعب السوداني، كما يعرف شباب الأخوان المسلمين من جيل الصحوة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي أمثال الأخوة الشيخ علي عبد الله يعقوب، وعبد الرحيم حمدي، وعبد الرحمن محمد قسم السيد، أنني كنت معهم في نفس «خندق الدفاع عن الدين» وشاركتهم في إنشاء «نادي أمدرمان الثقافي» في شارع السيد على بحي المال بأمدرمان (حي موسكو) كما أطلق عليه الرفاق هذا الاسم لأن عبد الخالق محجوب يسكن فيه، ولعل هجرتي من الوطن إلى السعودية بسبب ضغوط تجاوزت كل حد معي من شيوعيي ويساريي الاتحاد الاشتراكي، ولكن عداوتي للشيوعية والشيوعيين لاتمنعني من أن ِأشهد لزعيم الحزب الشيوعي بالحكمة التي أسعفته في تلك اللحظة الحرجة ليجنب البلاد مذبحة شبابية الخاسر أكبر من الحزب الشيوعي ومن الأخوان المسلمين، فأنا لست «يمينياً» أكثر من سكرتير عام حزب الأمة الأمير عبد الله عبد الرحمن نقد الله الذي رأيته يخرج من البرلمان ويده في يد عبد الخالق محجوب ويركب معه في سيارته (الفولكس واجن) البيج.
أما شهادتي لشجاعة والأخوان وبسالتهم، واستعدادهم  الذي كنت معهم فيه لصد أي محاولة اعتداء عليهم من جانب مظاهرة الرفاق، فهي شهادة مجروحة، لأنها تبدو كما لو كنت أشهد لنفسي.
لقد كان الشيوعيون ينازعون الإخوان المسلمين في انتماء الشهيد القرشي الفكري بالرغم من أنه مسلم ملتزم ولكن الرفاق لم يكن من السهل عليهم أن يدعو «كعكة» الانتفاضة التي سيكون لها ما بعدها للإخوان وحدهم، فكان عليهم منازعتهم عليها، وأثمر التنازع حكومة مدنية لا إخوانية ولا شيوعية، برئاسة الأستاذ سر الختم الخليفة.