الاتجار بالبشر ومداخلات اللواء عمر المختار!! د. حسن التجاني

>   كتبت في عمود سابق حول هذا الأمر الذي صار مزعجاً وحقيقة.. وقلت حينها إن الأمر الذي يزعج سيادة وزير الداخلية شخصياً فهذا أمر معناه يحتاج لوقفة قوية وثائرة.. عندما صرح بأن السودان يعاني من هذه القضية.
>   لم يتوقف السيد الوزير عند هذا الحد.. بل ذهب لعقد مؤتمر دولي بدار الشرطة ببري حضره عدد كبير من الدول المعنية بالأمر، واستمر ربما بمؤتمره الصحفي قرابة الأسبوع حتى غادر الوفد البلاد.. وهذا الذي قلناه في عمود ذلك اليوم بأن الموضوع يحتاج لإقامة مؤتمر وورش عمل مصاحبة لدراسة هذه الظاهرة دراسة علمية والوقوف على إحصائيتها الحقيقية لاتخاذ تدابير الحلول لها.
>   حقيقة لا علم لي بما توصل إليه المؤتمر من توصيات، لأني أصلاً لم أكن ضمن من تمت دعوتهم لحضور المؤتمر ولا حتى جلسته الأخيرة، لكن بوصفي مهتماً بالأمر علمت أن المؤتمر كان ناجحاً وربما تؤتي نتائجه قريباً.
>   لكن الذي دعاني للكتابة عن هذا الموضوع مرة أخرى.. إعجابي بالحوار الإذاعي الذي أجرته إذاعة «ساهرون» مع سعادة اللواء عمر المختار مدير شرطة ولاية كسلا، وهي ولاية كما ذكرنا حساسة جداً وإستراتيجية لأنها حدودية.. الأستاذ مصعب محمود مقدم البرنامج كان على قدر قامة الأسئلة التي وجهها للسيد اللواء عمر... لذا كانت الحلقة مميزة واستطاع السيد اللواء وضع النقاط على الحروف، فأصبحت «التختة» واضحة وسهل الإطلاع عليها.
>   اللواء عمر مختار يمكن أن نطلق عليه صفة خبير في هذا المجال، فالرجل كان مديراً للإدارة العامة للحدود، وذهب لكسلا مديراً، وهذا قطعاً جعل منه رجلاً خبيراً بين النظرية والتطبيق، لذا تحدث يومها حديث العارفين، وكان حديثاً يطرب الأذن العلمية التي تسمع وتقنع كل مستمع.
>   السيد اللواء عمر مختار اشتهر في تناوله للمواضيع أن يكون دقيقاً جداً وهو كثير الصمت، وهذه طبيعة جعلت منه شخصية محل احترام وتقدير حين ينطق حديثاً.. ودائماً يقولون: «يا ما.. في الصمت كلام».
>   حقيقة ما قدمه السيد عمر كان حديثاً يصلح لأن يدرس لكل ضباط الشرطة والقائمين على أمر مكافحة هذه الآفة التي حلت بنا حديثاً كافحها الله.. آمين.
>   لكن في محادثة هاتفية بيني وبين سعادة الأخ اللواء عمر، تحدث معي حول ما كتبت عن هذا الموضوع عندما قلت إن التركيز يجب أن يكون على المستشفيات والمراكز الصحية التي يمكن أن تتم فيها مثل هذه العمليات.. ذكر السيد اللواء أن السودان لا تتم فيه مثل هذه العمليات، فقلت له ومن قال ذلك يا سعادتك؟ قال: علمت ذلك من خلال حديثك حول التركيز على المستشفيات.
 قلت له: طبعاً يا سعادتك أنا قلت قبل أن أذكر التركيز على المستشفيات ومراقبتها، إن السودان يعتبر منطقة عبور لهذه التجارة، قال لي: نعم قلت ذلك.. قلت له: أما بالنسبة لعبارة مراقبة المستشفيات فهذه رؤية إستراتيجية استباقية كوسيلة من وسائل منع الجريمة حتى لا يجدها المتربصون فرصة فتصبح واقعاً.. واتفق معي السيد اللواء بعد أن أجبت على نقاطه التي أثارها المقال.. وافترقنا هاتفياً.
>   قلت إذاً ما ذهبت إليه صحيح بأن السيد اللواء عمر مختار يقرأ بدقة وحين يضل الطريق بين الأسطر يسأل حتى يطمئن... وهذا دليل على ما قلناه عن الرجل أنه «دقيق» في تناوله للأشياء.
>   لن تنتهي هذه التجارة قريباً ولن تقف يوماً ما.. طالما أسبابها ودوافعها مازالت قائمة وهي الحروب القبلية والضغوط السياسية في دول الجوار وصعوبة الحياة وضنك المعيشة وحاجة المتيسرين من الناس لهذه الأعضاء.. التي تباع بأبخس الأثمان.
>   قانون منعها ومكافحتها يجب أن يخرج من ضمير أصحاب المهن الطبية أياً كانوا، وأن ينصلح حال أصحاب الشركات التي تعمل في هذا المجال ويعودوا لصوابهم.. وما على السلطات الأمنية إلا مراقبة الأمر عن كثب فقط لمنعه بعد محاصرته.. وهذا والله أمر شائك وصعب.
>   هذا الأمر إذا لم يتم تداوله باستمرار وبصورة مستمرة سيصبح وباءً منتشراً لا يمكن حصره أبداً يوماً ما.. فالسكوت عليه سيوسع رقعته وبعدها يصعب حصاره ومحاصرته.
>   بداية يجب تنزيل توصيات مؤتمر الخرطوم إلى أرض الواقع تنفيذاً.. والكتابة عنه عبر الوسائط الإعلامية على الدوام، وتوعية الناس من خطورته وعكس حالات كأنموذج من الذين وقعوا ضحية لشبكاته المجرمة.. وإلا سيصبح الأمر كله تحصيل حاصل.
>   «إن قدر لنا سنعود».