صلاحية الأدوية.. طبول الإعلام وحقائق العلم..محمد الهادي الطيب

ما ذكره الأستاذ الطاهر ساتي في عموده بصحيفة «السوداني» يؤكد ما ذهبنا إليه في مقالين سابقين أن التناول الإعلامي لقضايا الدواء مازال بعيداً عن قواعد العلم والمهنية. أريد هنا أن أثير نقاشاً حول مدى صلاحية الدواء انطلاقاً مما أثاره الأستاذ الطاهر في عموده بصحيفة «السوداني» لنستبين بعض الحقائق المتعلقة بالأمر. إن تاريخ الصلاحية المثبت في عبوة دواء واحد يمكن أن يختلف من بلد لآخر، وهو أمر عادي جداً ووارد «جداً»، والسبب في ذلك أن المصنِّع «بتشديد وكسر النون» حينما يتقدم لتسجيل دواء من منتجاته، فإن من مطلوبات التسجيل لهذا الدواء توضيح مدة الصلاحية. ويقدم المصنع مستنداته المعملية «دراسات الثبات» التي أجراها على هذا الدواء، وأثبتت أن صلاحيته تمتد للفترة التي حددها في مستندات التسجيل. السلطات الرقابية (DRA) في أية دولة قد تقبل بهذه الفترة التي حددها المصنع وقد لا تقبل، وبالتالي تخطر المصنع بكتابة فترة صلاحية أقل على عبوة الدواء كشرط من شروط التسجيل. ولما كانت كل سلطة رقابية على الدواء في أية دولة تعمل بطريقة مستقلة غالباً، فإنها قد تطلب فترات صلاحية مختلفة.. إذن أين المشكلة.
أما بالنسبة للأدوية «مثار النفع» التي عرضها الأستاذ الطاهر في مقاله، فإننا نجد أنفسنا أمام احتمالين اثنين يؤديان لنتيجتين اثنتين ومختلفتين:
أولاً: إما أن السلطات السودانية قبلت بفترة صلاحية خمس سنوات عند تسجيل هذه الأدوية عند تسجيل هذا المنتج، وحينها يعتبر تداولها صحيحاً وقانونياً.. أو أنها تم تسجيلها بفترة صلاحية أقل وتم تمديدها إلى خمس سنوات بناءً على نتائج دراسات الثبات المستمرة التي قام بها المصنع. وهو أمر طبيعي وقانوني ويحدث باستمرار، وهنا يصبح تداولها أيضاً قانونياً.
ثانياً: إذا كان تسجيل الأدوية تمّ بفترة صلاحية ثلاث سنوات مثلاً، ولم يتم تمديدها، بينما العبوة تحمل فترة صلاحية أطول «خمس سنوات»... هنا فقط يصبح الأمر غير قانوني، بل وغير أخلاقي وربما استوجب شطب الدواء نفسه.
وفي كل الأحوال لا اعتبار ولا أهمية لفترة صلاحية هذا الدواء المقبولة من دول أخرى. ويلاحظ القارئ الكريم هنا أننا نتحدث عن فترتي صلاحية: إحداهما صلاحية «ملزمة» قانوناً وهذا ما نتحدث عنه وتتعامل به الجهات الرسمية.. وهناك فترة صلاحية حقيقية تهم المصنع ولا تعني السلطات الوطنية في شيء.. من هنا يأتي التفاوت في تاريخ الصلاحية من بلد لآخر!! وهذا يقودنا لنطرح سؤالاً: هل كل دواء تبقت من فترة صلاحيته سنة أو سنتان هو دواء مطابق للمواصفات من حيث السلامة والفعالية؟ وهل كل دواء انتهت فترة صلاحيته «الملزمة» هو دواء فقد مواصفات السلامة والفعالية؟ الاجابة في كلا الحالتين «لا». ومع ذلك تظل العبرة بتاريخ الصلاحية الملزمة قانوناً منعاً للفوضى والاستغلال.. وفي كل الأحوال تظل فترة الصلاحية «عمر الرف» هي فترة «تقريبية» حتى وإن كانت منضبطة بقواعد علمية ومعملية وإحصائية صارمة، ولا ترقي إلى درجة الكمال و «اليقين». وأزيدك ــ أخي الطاهر ــ من القصيد بيتاً: هل يمكن صناعة دواء بفترة صلاحية ثلاث سنوات من مادة فعالة «خام» تبقت من فترة صلاحيتها سنتان؟ نعم ممكن متى ما ثبت للمصنع أن هذه المادة تمتلك «95» في المائة فما فوق من فعاليتها الابتدائية. ومعظم مصنعي الأدوية الجنسية يفعلون ذلك وفي اطار من العلنية والمشروعية!!
أسوق كل هذا القول محاولاً التعريف بفترة الصلاحية حتى أنزع الفزع الذي بثته بعض وسائل الإعلام والأقلام في نفوس المواطن العادي، وبات الأمر وكأنه قتل متعمد وإضرار بصحة المواطن وغش له، وكل ذلك يتم دون مرجعية علمية ومهنية تستوفي الموضوع حقه من البحث، وأصبح مجرد وجود ورقتين «وثيقتين»، لا تقولان شيئاً، ولا تتم قراءتهما بطريقة مهنية صحيحة، هو الدليل الساطع على إهمال وتلاعب بأرواح المواطنين.
ثم أين هو قانون منظمة الصحة العالمية وأية مادة من مواده تلك التي تمنع كتابة أكثر من تاريخ صلاحية للدواء الواحد إذا كان سيوزع في دول مختلفة.. ما أعلمه أن منظمة الصحة العالمية تقدم مساعدات فنية في شكل توصيات ومقترحات وموجهات لمختلف الدول، لكنها لا تصيغ قوانين ملزمة، ولعلم الجميع إن أكثر منتقدي توصيات ومقترحات هيئة الصحة العالمية هم كبار صانعي الأدوية في العالم ولهم دفوعاتهم العلمية القوية.. منظمة الصحة العالمية لا تملك من الخبرات العلمية ما تمتلكه هذه الشركات. ثم ما هي المادة من قانون الصيدلة والسموم التي تحتم كتابة فترة صلاحية موحدة للدواء في كل الدول؟ هذه فكرة غير متعقلة حتى إن أوردها القانون السوداني وهو لا يستطيع ذلك؟ عموماً فوق كل ذي علم عليم.
الجيش الأمريكي كان حتى العام 1980 يشتري أدوية بمليار دولار وكثيراً ما تكون لديه أدوية انتهى تاريخ صلاحيتها (الملزمة)، فقرر أن يجري دراسة على فعالية هذه الأدوية التي انتهت فترة صلاحيتها واستمرت الدراسة لمدة «51» عاماً حتى العام 1995، النتائج كانت مذهلة، فمن بين 100 دواء ظل 90 دواء محافظاً على فعاليته أي حافظت هذه الأدوية على صلاحيتها (الحقيقية) لمدة 51 عاماً بعد التاريخ  المثبت على العبوة!! وفي العام التالي اشترى الجيش الأمريكي أدوية بـ 278 مليون دولار فقط مستفيداً من الأدوية منتهية الصلاحية (الملزمة).. هذه دراسة صادرة عن وكالة الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) وهي الجهة الرقابية على الأدوية في الولايات المتحدة. سننشر صورة لهذه الدراسة متى ما طلب منا ذلك. كم أتمنى أن ينضم قلم الأستاذ الطاهر لمعالجة إعلامية ناجعة للقضايا الكلية لقطاع الصيدلة والدواء وعلى رأسها قضية الرقابة الدوائية لأنها قضية مزمنة وشائكة ومتعددة الجوانب في مستوياتها الأربعة، لأن التناول الإعلامي الحالي يتعرض لمجرد (حادثات) حدثت في الماضي وتحدث الآن وربما يزداد معدل حدوثها مع كل طلعة شمس ونحن نجلس كسالى على مكاتبنا نكتب: أضبط دواء (فاسد)، اضبط تاريخ صلاحية مضروب.. دواء مغشوش وهكذا إلى ما لا نهاية وهذا نهج لا يفيد في علاج قضية كلية ضخمة كقضية الرقابة الدوائية. ما نكتبه هو مجرد (ظواهر) للقضية وليست أصلها .. هذه هي حقائق العلم.