الاقتصاد السوداني.. رؤية جديدة للإنقاذ عبد العليم شداد

لم يخطر ببال السياسيين والاقتصاديين السودانيين منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن العادات الغذائية والاستهلاكية للشعب يمكن التحكم فيها وتوجيهها بما فيه مصلحة الاقتصاد ومنفعة الشعب والدولة، ولذلك لم ولن ينجح أي مشروع للإصلاح الاقتصادي منذ الاستقلال وحتى الآن، فلغة الأرقام دائماً ما تهزمها العادات الاستهلاكية المتغيرة على الدوام، فيبوء المسؤولون بالفشل الذريع، فتأتي الحكومات ببدلاء لهم يواصلون نفس سياسة اللعب على الأرقام، فهم لا يعرفون غيرها فقد كانوا بارعين فيها أيام دراستهم الجامعية وعند إدارتهم للمصارف والمؤسسات التجارية، ولكن عندما أتوا لإدارة اقتصاد الشعب لم يحصدوا إلا الفشل الذريع، وعندما يتكرر الفشل يضيق الشعب ويبحث عن تغيير الحكومة بما فيها من وزراء. فتأتي حكومة أخرى ويتكرر نفس الفشل.
عندما يظهر إعلان تجاري على التلفزيون يروج لمنتج ما, وتظهر فيه أسرة جميلة تعيش في منزل جميل وتبدو على وجوه أفرادها سيماء النعيم والدعة والراحة والبشر والسعادة وهم يجلسون على مائدة أنيقة بها ما لذ وطاب من أصناف الطعام والخبز بين أيديهم وهم يتبادلون الضحكات والابتسامات، ماذا تتوقع أن تكون الرسالة؟ الرسالة هي يا أيها المواطن هكذا هي السعادة وهذا هو نمط الحياة السعيدة الذي يجب أن تعيش عليه، هذا هو المنزل الضروري لراحتك وسعادتك، هذا هو الغذاء الذي يمنحك الصحة والنضارة والبهاء. وتتعمق الفكرة ايضاً عندما يجلس أفراد الأسرة لمشاهدة حلقة اليوم من المسلسل اليومي الذي بالتأكيد لن يكون من بين أجندته الترويج للكسرة والعصيدة اللتين تمناهما ذلك المسؤول السابق الذي أصابه ما أصاب من كان قبله من فشل، وايضاً عندما يخرج المواطن من بيته يبحث عن مكان نظيف ليرفه عن نفسه ويأكل شيئا مع أسرته او أصدقائه، فيجد ان جميع المحلات النظيفة الراقية الجميلة تبيع البيتزا وأخواتها من المأكولات الأجنبية المعتمدة على دقيق القمح أو الخبز في تناولها، أضف لكل ذلك سهولة الحصول على الخبز من أقرب دكان او مخبز. وفي المقابل أين الكسرة والعصيدة اللتين ان تمت الإشارة اليهما في الإعلام، فبحسابات انها أطعمة تراثية قديمة، أما المحلات التي تبيعها في الغالب هي محلات متسخة قبيحة منفرة لكثير من الناس، كما ان جودة الأطباق في كثير من الأحيان تكون دون المستوى، أضف الى ذلك ان الإعداد المنزلي للكسرة والعصيدة قد يكون مرهقاً وصعباً بالنسبة للكثير من الأسر مع إيقاع الحياة الحديثة، كل هذا وغيره رسخ في الأذهان ان الخبز هو الغذاء الرئيس والأفضل الذي يجب أن يعيش عليه الناس، أضف اليه تصريح ذلك المسؤول الذي طالب الناس بالعودة للكسرة والعصيدة بطريقة رسخت في الأذهان اكثر بأنهما أدنى واسوأ من الخبز، وأن اللجوء اليهما يكون في حالة الفقر والعوز.
يشكل استيراد القمح اليوم ضغطا رهيبا على ميزان المدفوعات في السودان مسبباً استنزافاً هائلاًَ للعملات الأجنبية، كل هذا مع تعريض افراد الشعب لأضرار صحية بالغة، فمن المعروف ان الدقيق الأبيض المكرر المستخدم في صناعة الخبز هو سبب للكثير من الأمراض الشائعة اليوم، حيث يزال جزءين من أصل ثلاثة أجزاء رئيسة مكونة لحبة القمح فيتم فقدان معظم الفايتمينات والمعادن والبروتينات والألياف، ويتعرض الدقيق لمواد كيميائية عند عمليات التبييض وتحسين الخواص فيتحول دقيق القمح لمجرد مادة طاقة قليلة العناصر الغذائية، وقد ظهر اثر ذلك في كثرة الأمراض التي أصبحت تصيب الناس اليوم، الأمر الذي ينعكس ايضاً على الاقتصاد، فمعظم الادوية تستجلب من الخارج اي ان الدقيق الأبيض قد سبب الضرر مرتين للاقتصاد. ولذلك تهدف هذه المقالة لبناء مفهوم جديد للتنمية الاقتصادية عن طريق التحكم في العادات والمفاهيم بما فيه مصلحة الناس والاقتصاد. فلو أردنا إعادة الناس للنظام الغذائي القديم فإن ذلك يمكن ان يتم بنفس الطريقة السابقة التي حدث بها الترويج للخبز مع رفع جودة مطاعم الوجبات السودانية بحيث لا تقل عن تلك التي تقدم الوجبات الأجنبية، مع جعل هذه الوجبات هي الوجبات المعتمدة في المدارس والجامعات والإدارات الحكومية، ولسهولة الإعداد ومواكبة الحداثة فإنه يمكن الاتفاق مع شركات صينية أو يابانية لإنتاج آلات صغيرة وكبيرة لتناسب الاستخدام المنزلي والتجاري، ويمكن ان تكون آلات آلية بالكامل او نصف آلية «وكل بسعره» تضع فيها ربة المنزل الدقيق ثم تشغل الماكينة وبعد دقائق تخرج لها عصيدة ساخنة وجاهزة وبالصلابة التي تريدها لتناسب الأكل بالملاعق أو بالأيدي «أنا مهندس وأؤكد سهولة ذلك»، وليس الأمر صعباً، فبيوتنا اليوم تحتوي على آلات لعمل كل شيء ابتداء من الخلاطات وسخانات الشاى والأفران والغسالات والمكاوي والتلفزيونات والثلاجات والمكيفات واخيرا آلات التحمير بدون زيت وغيرها، ولو كانوا يأكلون العصيدة لصنعوا لها آلات انيقة تصبح جزءاً من ديكور المطبخ تسهل إعدادها في دقائق. وهذا سينقل وجباتنا الى مستوى الحداثة المطلوبة ويمكن ان ينقلها الى العالمية. هذا مع انتاج أنواع مختلفة من الدقيق الطبيعي في عبوات فخمة، واؤكد على الطبيعى لأن الإنتاج التجاري يجعل المطاحن التجارية تزيل أجزاء مهمة من الحبوب كى تطيل من عمر الطحين، ويمكن إنتاج خلطات مختلفة تناسب جميع المهن. فالأشخاص أصحاب المهن الشاقة وأصحاب النشاط الكثير يناسبهم النوع الذي يحتوي على نسبة أكبر من الفتريتة التي تحتوي على كمية هائلة من الطاقة، وهكذا يمكن تلبية جميع الحاجات بما يحقق الصحة الجيدة للجميع.
في بعض الأحيان تكون التغييرات في حياة الناس أسبابها قسرية فمثلاً نظام المواصلات في السودان ربما يكون من ضمن الأسواء في العالم فلا يزال التاكسي عندنا يعمل بنظام التفاوض بين الراكب وصاحب التاكسي مع ان العداد مستخدم في بعض الدول منذ اكثر من خمسين عاما ولذلك فالتاكسي عندنا يعتبر مكلفاً جداً مقارنة بدخل المواطن مع ان الحاجة له تكون ملحة في بعض المشاوير، وهذا يجعل متوسطي الدخل مجبرين على اقتناء السيارات، أما محدودي الدخل فيصبحون يتمنون اقتناء السيارات نتيجة للارهاق والمعاناة التي يجدونها خاصة عندما يكونون بصحبة أسرهم، فيصبح امتلاك السيارات ضرورة ولأنها ستكون غالية الثمن فسيتبع ذلك أن يتشكل مفهوم جديد يجعل امتلاك السيارة سبباً للاحترام والمظهر الاجتماعي، فتزداد السيارات وتصبح اولوية عند شعب فقير وينتج عن ذلك الزيادة في استهلاك الوقود وقطع الغيار وغيرها ولا يخفى اثر ذلك على الاقتصاد المنهك أصلا من كثرة الاستيراد، ويمكن المساهمة في علاج ذلك بتغيير المفاهيم فيما يتعلق بركوب العجلات «الدراجات الهوائية» فبالرغم من أن العجلات تعتبر وسيلة حركة مهمة ورخيصة وأصبح لها الكثير من الأشكال والإضافات كوجود مقاعد للأطفال وإضافة محرك كهربائي وبالرغم من أنها وسيلة حركة أساسية في كثير من دول العالم المتقدم ويستغلها حتى كبار المسؤولين السياسيين في الذهاب الى أعمالهم، اي أنها عندهم لا علاقة لها بمستوى الفرد الاقتصادي او الاجتماعي، أما عندنا اليوم فراكب الدراجة هو انسان بائس فقير وهذا ايضا من المفاهيم التي تحتاج الى تغيير لأجل خدمة الاقتصاد وراحة الناس. وايضاً من العادات التي يمكن إعادتها والتي كانت شائعة قبل ثورة السيراميك في السودان ان معظم الاسر السودانية كانت  أسراً منتجة مستفيدة من السكن الأفقي، حيث كانت تربية الدجاج والحمام في معظم البيوت السودانية، فهو عائد شبه مجاني من البيض واللحوم البيضاء، ولإعادة هذه العادة يمكن مقارنة الأمر بالمساكن الاوروبية القديمة حيث كانوا يحتاجون للنار في التدفئة فعملوا المداخن بشكل هندسي جميل يزيد من أناقة المنزل، وهنا يمكن عمل بيوت الدجاج والحمام في شكل هندسي رائع وفي مكان محدد من المنزل تحدده السلطات الهندسية ليعطي الأحياء منظراً جذاباً ويغير المفهوم الذي ساد مؤخراً بأن تربية الدواجن وسخ وتخلف، وبسبب ذلك ترك تربيتها حتى سكان القرى، ويمكن بكل سهولة إدخال عادات جديدة كزراعة الأشجار المثمرة في الشارع بدلاً من أشجار الظل وهذه أيضاً يمكن ان تصبح ميزة للبلاد.
خلاصة القول إن بلادنا كي تنهض تحتاج لاقتصاديين مفكرين وليس اقتصاديين رقميين وأن الحزب الحاكم مطالب بأن يعيد تشكيل لجنته الاقتصادية لتضم خبراء اجتماع وصحة وإعلام، يؤمنون بأنه يمكن التحكم في عادات الناس بما يخدم الاقتصاد، أما ترك الأمر للاقتصاديين الرقميين فإن أرقامهم دائماً خاسرة، فحجم الاستيراد عند بداية الخطة الاقتصادية يختلف تماماً عنه عند نهايتها، فعدم وضع خطة للتحكم في عادات الناس معناه ترك الأمر للدعاية التجارية والبرامج التلفزيونية السلبية لتقود المجتمع والدولة نحو العوز المستمر، ولا يعتمد تقدم البلد وتطور الاقتصاد على إنتاج المزيد من المعادن والبترول فقط، فلا يزال الملايين يعيشون بالطريقة القديمة ولا يأكلون الخبز ولا  يمتلكون سيارات أو مكيفات او أدوات كهربائية وهم فقط ينتظرون التمديدات الكهربائية لتغير السينما والدعاية التلفزيونية عاداتهم الغذائية والاستهلاكية ونظرتهم للحياة في غياب مشروع قائد للمجتمع، فيبتلع استهلاكهم الجديد اية زيادة في أي صادر وتستمر المعاناة ويستمر اختلال الميزان التجاري. فأمر الاقتصاد عندنا يحتاج للنظر إليه من زاوية جديدة وأرجو أن تكون هذه المقالة نواة لفرع جديد من علم الاقتصاد يعنى بالتحكم في العادات الغذائية والاستهلاكية للشعب لصالح بناء اقتصاد حقيقي بدلاً عن اقتصاد المنح والمساعدات.