اليوناميد لحفظ «السلام» أم «التمرد»؟ خالد حسن كسلا

في سياق تعليق رئيس عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة «هيرفيه لادسو» على الموقف الرسمي السوداني من استمرار وجود ما تسمى قوات حفظ السلام «اليوناميد» في دارفور، والموقف هو استعجال تنفيذ استراتيجية الخروج لهذه القوات، وفي سياق تعليق لادسو جاءت إشارة «تبريرية» اطلقت على ما يبدو لتبرير استمرار القوات هناك إلى أجل غير مسمى، وربما اختمرت فكرة تحويلها إلى قاعدة مستدامة إلى أن تعود أمجاد المسلمين وترتهب منها دول الاستكبار، وذاك منا بعيد.
والإشارة التبريرية هي: «إن الخرطوم على علم بأن البعثة لن تغادر قريباً، ونحن مازلنا نرى الكثير من المعاناة: هذا العام وحده شهدنا أكثر من «430» الف نازح آخرين، وهو مؤشر واضح على ان الوضع في دارفور ليس جيداً» انتهى.
طيب.. ما هي بالضبط مهمة «اليوناميد» حتى تستمر مثل هذه الأوضاع «غير الجيدة» لسنوات؟! واذا كان اسمها «قوات حفظ السلام» .. فأين السلام الذي تريد أو تكلّف بالحفاظ عليه، طالما نفته وتحدثت عن موجات نزوح جديدة؟! هل مهمتها اذن لم تبدأ بعد باعتبار انها تقصد حفظ السلام الذي لم يتحقق بعد؟! هل جاءت في مرحلة سابقة للمرحلة المفترض أن تأتي فيها وهي مرحلة تحقيق وتعميم السلام في دارفور؟!. أم أن هناك خدعة تحاك ضد البلاد، فحينما يتحقق السلام بالفعل أو بالأحرى يُستكمل تقول الأمم المتحدة إن مهمة قوات حفظ «السلام» تبدأ من هذا الوقت؟! إن هذا الوقت حسب مخطط تنفيذ الأجندة الاجنبية التي تطلي بمشروع التمرد سيسبقه وقت طويل إذا لم تواجه المنظمة الدولية بالمنطق الحاسم. ويبدو الآن أن القوى الأجنبية تتكئ على ما تعتبره غباء الإنسان في العالم الثالث، بغض النظر عن موقعه أو مستواه الاكاديمي أو ذخيرته الثقافية أو خبراته المهنية. فهو في نهاية المطاف ترسل له قوات تحمل اسم «حفظ السلام» وليس «إعادة الأمن» بالضغط على المتمردين. لأن من أرسل الدعم والتمويل والأجندة للتمرد، هو نفسه الذي أرسل ما تسمى قوات حفظ السلام. وتبقى «استراتيجية الخروج» عنده ليست رهينة بحسم المشكلة الأمنية، وإنما بالتراجع عن قرار «دعم وتمويل وأجندة» المشكلة الأمنية. والسؤال هنا.. هل تراجعت واشنطن عن فكرة استبقاء إقليم دارفور بمشكلته الأمنية؟! الاجابة عليه تحدد مستقبل الأمن والاستقرار في الاقليم. أما رئيس العمليات بالأمم المتحدة «لادسو» أو قادة كل الحركات المتمردة فهم اذا اطلقوا تصريحات أو أتوا بقرارات أو مواقف تخص «الحرب».. فهم ليسوا مجرد مناديب. هم فقط موظفون في دوائر المشروع التآمري على أمن واستقرار البلاد. وحتى قادة التمرد لو عادوا جميعهم اليوم دون أن يكون ذلك بإشارة من واشنطن صاحبة السلاح الجوي المشيّد بموارد الشرق الاوسط والشرق الأدنى، وعقول الشرق الأقصى، فإن البدائل ليست قاسية على من يدعم ويموّل ويملك القرار الدولي لصالح الحرب أو السلم. ويبقى فقط كيف يمكن أن يكون التعامل مع واشنطن في هذه المرحلة وبعدها من مراحل حتى تعود للمسلمين أمجادهم التي طالما حمتهم من اليهود والصليبيين ردحاً من الزمن. المرحلة يستدعى فيها «فقه الاستضعاف». والذين يشغلون الناس بإنكار المعلوم من الدين مثل نزول المسيح وعذاب القبر وشهادة المرأة، عليهم أن يؤجلوا هذا «الإنكار» حتى تمر مراحل الاستضعاف. ومن يردون على هذا الإنكار بأحكام قضائية عشوائية خارج قاعات المحاكم.. عليهم أن ينأوا بأنفسهم من مهمة تغيير المنكر بهذه الطريقة لأنها شأن دولة وليست شأن أفراد.. فهؤلاء لم يُكلّفوا أنفسهم حتى بإقامة «محكمة ظل» بأربع درجات تقاضي على الأقل.. وإن كان هذا يبقى ضرباً من ضروب الخروج على سلطان الدولة إلى حد ما.
المهم في الأمر هو أن تبرير «لادسو» لصالح استمرار اليوناميد في دارفور يبقى إدانة للأمم المتحدة.
فهي هل مهمتها «الفرجة» على الأوضاع غير الجيدة في دارفور؟!.. وإلى متى ستكون هذه «الفرجة»؟!
إن السلام في دارفور «غير محفوظ».. وموجات النزوح تستمر، إذا افترضنا أن هذا الذي تحدّثت عنه الأمم المتحدة ممثلة في «لادوس» صحيحاً.. فكم عام قضته يوناميد هناك حتى الآن؟! وهل أصلاً جذور المشكلة في دارفور غير واضحة ومعلومة؟! أليست هي حركات التمرد؟! أليس أجدر بالأمم المتحدة أن تقنع «واشنطن» بأن جذور المشكلة هي التمرد والمدعوم من القوى الأجنبية؟! وما هي قيمة التمرد اذا تخلت عنه واشنطن وأوروبا وإسرائيل؟! لو كان الأمر على موسيفيني وسلفا كير يبقى هيناً ومقدوراً عليه.. لكن واشنطن؟! التعامل يختلف.. إذن هي قوات حفظ التمرد واستبقائه وليس حفظ السلام.