«الحوار» قبل «التفاوض» كيف يستقيم؟! خالد حسن كسلا

كلام غريب جداً.. تقول الأخبار إن آلية الحوار الوطني طلبت من رئيس الوساطة الإفريقية ثامبو أمبيكي مساعدته في إقناع الحركات المسلحة بالانخراط في الحوار الوطني الشامل الجاري بالبلاد.
طبعاً الحركات المسلحة التي كانت قد وقعت مع الحكومة على اتفاقيات سلام سواء في أبوجا أو أديس أبابا يمكن ان يُطلب من أمبيكي بشأنهم عودتهم الى تطبيق ما اتفقت عليه مع الحكومة، ومع ذلك الانخراط في الحوار الوطني، فهو حوار أحزاب سياسية، يختلف مع التفاوض طبعاً. فالحركات المسلحة قبل مرحلة الحوار الوطني بعد تحويلها الى أحزاب سياسية مسجلة لا بد أن تجتاز مرحلة  التفاوض مع الحكومة، وعلى ألا يكون هذا التفاوض من جانبها بوفد يمثل تحالف الجبهة الثورية.. حتى لا تختلط الأوراق، فقطاع الشمال مثلاً موضوع على مسرح قضية المنطقتين ولو حاول أن يضيف إليها قضايا أخرى لتناقش في منبر اديس ابابا المخصص لقضية المنطقتين، يكون قد خرج من تبنيه لهذه القضية، وجعلها واحدة من كل قضايا السودان وهذا يعني ضرورة أن يظهر على المسرح نفر من أبناء المنطقتين ويتبنوا هذه القضية باعتبار أن قطاع الشمال لم ينشغل بها وحدها.. فكل هذا إذن خلط للأوراق.. وفي ظله تضيع قضية أبناء المنطقتين الذين ينتظرون ان تصل الحكومة مع المتمردين الى صيغة سلام تحقن دماءهم، وتهيئ استئناف الخدمات الصحية والتعليمية حتى لا تستمر حياتهم بخلاف حياة بقية المواطنين في الأقاليم الأخرى. وبعد التوقيع على اتفاقية نيفاشا عام 2005م ظن أهل المنطقتين أن معاناتهم قد وضع لها حد. لكن من أثار انفصال الجنوب طبعاً استئناف التمرد في المنطقتين.
إذن آلية الحوار الوطني اذا كانت قد طلبت من أمبيكي التوسط لانخراط حركات مسلحة تحمل السلاح في عملية حوار وطني سياسي فهذا يبقى اعتسافاً للطريق ـ فوق المراحل.  إن المرحلة الآن أمام الحكومة هي ان تستكمل إنجازاتها في الميدان لتأتي مرحلة إجبار الحركات على الجلوس ثم الوصول معها إلى اتفاق ثم تحويلها الى أحزاب سياسية او حزب سياسي اذا كان بالإمكان توحدها على صعيد السياسة بعد ان تعذر التوحد على صعيد العمل العسكري.
لا بد إذن من التفريق بين المصطلحين الذين تلوكهما الألسن الآن «المفاوضات» و«الحوار الوطني». ولن تتأهل الحركات المسلحة للحوار الوطني «النهائي السياسي» إذا جاز التعبير قبل المرور بمرحلة التفاوض. وهذا يعني بالضرورة ان الحوار الوطني لا يصلح إلا ان يكون بالداخل وليس با لخارج. ولا يصلح سياسياً ان يجلس حزب حاكم مثل المؤتمر الوطني أو معارض مثل حزب الأمة القومي مع حركة متمردة او حلفا لحركات متمردة للوصول الى تفاهم لكي يصب في اتجاه تحقيق تسوية سياسية لمعالجة مشكلات البلاد المختلفة. وهذا يعكس لا بطلان إعلان باريس لأنه بين حزب سياسي معارض وحلف حركات متمردة.
أما التفاوض فليكن في الخارج، فهذا يبرره سبب موضوعي متمثل في أنه بين طرفين متحاربين كل منهما يحمل سلاحاً، فالمتمردون استأنفوا التمرد بالسلاح والحكومة اضطرت للدفاع بالسلاح، فما علاقة الحركات المسلحة إذن بالحوار الوطني قبل مرحلة التفاوض؟!
وآلية 7+7 من حقها بل من صميم واجبها الوطني أن تسعى لتجلس كل الأطراف السودانية للتسوية السياسية، لكن بترتيب الأمور. والخطوة التي أمام آلية 7+7 للحوار الوطني باتجاه موضوع الحركات المسلحة هو تشجيعها على التفاوض والإسراع في ذلك لكي تتأهل للنهائي السياسي الذي هو الحوار الوطني. وإلاّ .. فإن كل المياه ستستمر جارية في مجاريها الطبيعية. فرئاسة الجمهورية تهتم بمسألة التفاوض مع المتمردين والحكومة تمضي في رعاية الحوار الوطني والقوات المسلحة وروافدها التي يقودها ضباط القوات المسلحة أنفسهم تستمر في القيام بواجباتها المعروفة، والدستور يأخذ مجراه بشأن المرحلة القادمة مرحلة دورة جديدة للانتخابات، وهكذا كل شيء يبقى مرتباً.. ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون.