فشل التجربة السودانية.. وردة الفعل السياسية.. وكل شيء عندنا بالمقلوب

«1»
دائماً نجد الممارسة السياسية لدينا عبارة رد فعل لاحداث سواء أكانت محلية أواقليمية او دولية، الاسبوع الماضي وقّعت أحزاب الوحدة الوطنية وهي الاحزاب التي يراهن عليها الوطني، مع احزاب اخرى لخوض الانتخابات المقبلة، وقعت أحزاب الوحدة الوطنية وثيقة أسمتها نداء الوطن رداً على وثيقة نداء السودان التي وقعها المهدي وقوى الاجماع الوطني مع الجبهة الثورية باديس ابابا. فمعظم قادتنا السياسيين أوالاقتصاديين يعلمون برزق اليوم باليوم، يقفون متفرجين الى أن تلج الكرة مرماهم، ثم بعد ذلك يحتجون، ويشككون في صحة دخول الهدف باعتباره جاء من حالة تسلل، ويكررون ذات السيناريو مرات ومرات.
أحزاب حكومة الوحدة الوطنية ظلت طيلة السنوات الماضية ظلاً للمؤتمر الوطني، المبادرة التي يتبناها الوطني يؤيدونها ويدفعونها، رغم انهم أحزاب اغلبية، فليست لهم المبادرة في كثير من القضايا. وتوقيع نداء السودان الذي وقعوه مؤخراً فيه كثير من القضايا والاهداف الجيدة التي لم تكن يوماً تنتظر ان يتم توقيع اتفاق من المعارضة.
يجب على القوى السياسية التي تفصل في القضايا الصغيرة والكبيرة، ان تطرد الروح الانهزامية التي تعيش فيها مع قواعدها، وتمسك بزمام المبادرة، والا سنظل كذلك لا احزاب فاعلة يمكنها اخراج البلاد مما هي فيه، ولا معارضة لديها طموحات واجندة وطنية تمكنها من حكم السودان.
«2»
الوثيقة المسربة التي خرجت في وسائل الاعلام ويظهر فيها فاروق ابوعيسى وقادة الجبهة الثورية يوقعون على اتفاق ثنائي بعيداً عن الصادق المهدي وبعد يوم واحد من توقيع ما اسمي بنداء السودان، يشير الى ما ظللنا نتحدث عنه ان الصادق المهدي ظل في الفترة الاخيرة في مواقف رمادية بالنسبة للمؤتمر الوطني من جانب والمعارضة والحركات المسلحة من جانب آخر.
ومعروف ان الصادق المهدي سبق وان نفض يده من قوى الاجماع الوطني التي كان يتزعمها ابوعيسى بسبب تقاربه مع المؤتمر الوطني والحوار الذي كان دائراً بينهما، ولم يلتفت المهدي الى قوى الاجماع الوطني بل وكال لهم مجموعة الاوصاف التي تقلل من شأنهم كمقولته بان الاجماع الوطني اضحك الشعب في ما يقوم به، وانه ليست هناك معارضة، ما جعل ابوعيسى ينتقد المهدي، وطالبه اكثر من مرة بأن يقف في حدوده.
صحيح ان السياسة ليس بها خصومة دائمة او صداقة دائمة، لكن هناك تحالفات تكتيكية مرحلية، وهناك تحالفات استراتيجية، واعتقد ان ما في النفوس بين المهدي وابوعيسى جرح غائر، لن يندمل، بتوقيع اتفاق نداء السودان، لان الرجلين يختلفان في كل شيء، وليس هناك قاسم مشترك بينهما، وحتى إسقاط النظام يختلفان في كيفية آلياته. فتجاوز المهدي في الوثيقة الاولى مرده فيما اعتقد عدم الثقة في المهدي الذي ظل يغير مواقفه في كثير من القضايا التي كان تحالف المعارضة يريد فيها اصطفافاً واسعاً.
«3»
رئيس مجلس الولايات الفريق آدم حامد قال جملة الاسبوع الماضي جسد من خلالها الواقع السوداني، حيث قال رداً على المطالبين بحل مجلس الولايات وانتهاء فترته قال «كلو شيء عندنا بالمقلوب»، واكد ان مجلس الولايات جاء بناءً على نظام الحكم اللامركزي.
سعادة الفريق يتحدث وكأن نيفاشا تلك الموقعة في 2005 جاءت مع تطبيق نظام الحكم اللامركزي، والذي عكفت جهات مختصة لسد الثغرات والتشوهات التي حدثت به والتي من بينها تعيين الولاة. واعتقد ان من بين التشوهات أيضاً في تجربة الحكم اللامركزي هو مجلس الولايات القائم حالياً، لان عدداً من الولايات تعيش ازمات ومشاكل قبلية، لم نسمع بان مجلس الولايات قاد مبادرة قوية واتت اكلها لحل تلك المشاكل. ان مجلس الولايات يمثل عبئاً إضافياً لخزينة الدولة يجب حله، وكفى الشعب هم البرلمان الكبير، وفعلاً كل شيء عندنا بالمقلوب.
«4»
أكد المجلس الاسلامي الاوروبي ان التجربة السودانية فشلت بسبب المصالح الشخصية. وهي للاسف ربما تكون الحقيقة بنسبة كبيرة، لان كثيراً من الاسلاميين انشغلوا بالمناصب والاستوزار، وابتعدوا عن رسالة الحركة الاسلامية والتي هي الدعوة وتقويم المجتمعات، ومعلوم ان الانقاذ في سنيها الاولى كان منهجها رسالياً، فكان هناك صيام الاثنين والخميس الجماعي والمشروعات الخلوية، كل تلك الصفات انتفت اليوم، وما يتم ليس بصورة ممنهجة بل بصورة شخصية.
اليوم يمكن أن نقول إن العقد انفرط وانقسم الناس الى مجموعات، يقدمون شخصاً ويؤخرون آخر وفقاً للمصلحة الشخصية، بل وانضم الى ركب الحركة الاسلامية كثير من الانتهازيين وطالبي الوظائف وللاسف فتحت لهم الابواب وفسدوا وافسدوا وشوهوا الصورة تماماً كما قال المجلس الاسلامي الاوروبي.
«5»
الحديث الذي كشفت عنه لجنة التشريع والحكم بتشريعي الخرطوم، عن قرار صادر من وزارة التربية والتعليم بمنع تدريس بعض المواد بها إساءة للصحابة رضوان الله عليهم، هذا الحديث يؤكد بلا شك ان ادارة المناهج كانت مخترقة من بعض الجهات التي استطاعت ان تدس بعض تلك الفقرات، كيف يمكن لعاقل ان يصدق ان السودان الذي يرفع راية الشريعة وينتهج السنة النبوية ان تدرس فيه بعض الفقرات التي تسيئ الى الصحابة، إن كان هذا هو المنهج القديم الذي وضع من قبل لما سألنا ولكن ان يضعه علماء اليوم فهذه كارثة، ويجب محاسبة كل الذين كانوا ضالعين في الامر والتحقيق معهم.