kasala rabih1 motayab hashim mohamed-rayah 5  3 kamal hamed  saad 2

 

أكتوبر «21»

«أحكموا علينا بأعمالنا» شعار أطلقه الفريق إبراهيم عبود الذي استولى على السلطة في الخرطوم في 17 نوفمبر 1985م، وما يقصده هو تقييم أعمالهم التنموية والخدمية. فقد اهتم النظام العسكري الجديد بإنشاء عدد من المشروعات التنموية مثل إنشاء مصانع للسكر والأسمنت وشرع في تشييد طريق الخرطوم ود مدني، بيد أن الجماهير في الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 أجابت عملياً على هذا الشعار الذي ظل يرفعه النظام طوال سنوات حكمه، عندما ثارت ضده في ثورة جماهيرية عارمة، حيث أبانت أن مطلوبات الحرية وتحقيق كرامة المواطن تعلو على حوافز التنمية والخدمات الميسرة. ففي تلك الحقبة لم تعانِ الجماهير من شظف العيش، وكانت خدمات التعليم والصحة مجانية والجامعة الحكومية الوحيدة جامعة الخرطوم يرفل طلابها في ترف من الخدمات السخية، لكن النظام واجه احتجاجات من أهل حلفا عندما وقع النظام مع الحكومة المصرية اتفاقاً قضى بترحيل سكان المنطقة التي ستغمرها مياه «السد العالي» الذي شيدته الحكومة المصرية لاحقاً، وكان النظام قد وقّع أيضاً مع مصر اتفاقية مياه النيل التي منحت مصر «55» مليار متر مكعب، واكتفت بمنح السودان «18» فقط رغم أراضيه الشاسعة والصالحة للزراعة، ولهذا أثارت علاقة النظام مع مصر وكرمه الفياض تجاهها اتهامات حول دور مصر في انقلاب نوفمبر، سيما فقد عرف الفريق عبود بارتباطه الوجداني مع مصر حتى أنه يتكلم اللهجة المصرية. لكن المؤشرات تشير إلى أن عبد الله خليل الذي تتهمه العديد من المصادر بتسليم السلطة إلى عبود كان وطنياً حتى النخاع، بل كاد يتسبب في تفجير هذه العلاقات حين كان رئيساً للوزراء عندما أمر القوات المسلحة بالاستعداد لإخلاء منطقة حلايب من القوات المصرية التي دخلتها، لكن الرئيس عبد الناصر الذي كان يرفع شعار القومية والتضامن العربي أمر قواته بالانسحاب، ومن ثم انطوى الملف بسلام، لكن هذا لا ينفي خصوصية العلاقة بين نظام عبود ومصر حتى وإن لم يكن لمصر دور في الانقلاب، فقد حرص عبود في بيان انقلابه الأول أن يبشر بأنهم عازمون على إزالة ما وصفه بالأزمة المفتعلة مع مصر.
كما وعد النظام الجديد آنذاك بإجراء انتخابات حرة في خلال عام، لكنه لم يف بوعده، حتى أن عبد الله خليل المتهم بتسليم السلطة لنظام عبود حرض على انتزاع السلطة منه واضطر النظام إلى اعتقاله لاحقاً في عام 1962م.
وتعرض نظام عبود إلى عدة محاولات انقلابية كان أولها للأميرلاي عبد الرحيم شنان الذي قام بمحاولتين حكم عليه بالإعدام في الثانية التي قام بها في الرابع من مارس عام 1959 لكن تم تعديل حكم الإعدام إلى المؤبد، لكن يبدو أن صبر النظام قد نفد حينما أصدر حكماً بالإعدام على مدبري محاولة انقلابية بعد حوالي خمسة أشهر فقط من محاولة شنان وتم تنفيذ الحكم على قائدها البكباشي علي حامد وآخرين.
وحاول النظام إيجاد حل عسكري لمواجهة التمرد الذي كان ذا صبغة انفصالية صريحة في ذلك الوقت، وربما كان لعلاقة النظام الطيبة مع مصر دور في ذلك الخيار باعتبار أن القاهرة ترى أن انفصال الجنوب يهدد مصالحها في مياه النيل، ويفتح باب النفوذ الإسرائيلي والغربي في المنطقة.
لا شك أن عدة أسباب وراء الانتفاضة الجماهيرية العارمة في أكتوبر «21» ضد النظام، منها حرب الجنوب وإغراق وادي حلفا، لكن لعل السبب الرئيس ربما كان هو غياب الحريات. فالنظام ضيّق على الصحافة وجمد النشاط الحزبي تماماً وتوسع في الاعتقالات السياسية، لكنه نجح في تحقيق الخدمات المهمة للجماهير مما يعني أن أسباب الانتفاضة ضده كانت سياسية بحتة، ولعل اشتعال شرارتها التلقائي في كل الولايات ينفي تهمة صناعتها بواسطة أياد أجنبية، كذلك تصدي النظام الفظ للتظاهرات الشعبية في أكتوبر 1964 هو الذي عجّل بنهاية النظام سريعاً.
 وإذا كانت ثمة دروس مستفادة من هذه الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر الشعبية، فلعلها تؤكد على أهمية التفريق بين العلاقات الحميمة مع الدول والحفاظ في ذات الوقت على المصالح الوطنية دون تفريط، كما يستفاد أيضاً من دروسها أن الخبز والتنمية والخدمات السخية لا يمكن أن تكون قرباناً لغياب الحريات والدوس على الكرامة أو الانقلاب على المرجعيات والثوابت.