kasala rabih1 motayab hashim mohamed-rayah 5  3 kamal hamed  saad 2

 

عصام صديق.. بين سدي مروي والنهضة

في بداية التسعينيات نشر د. عصام صديق إعلاناً صحفياً بشكل مفاجئ عن فكرة مشروع تمويل سد مروي عن طريق شركة مساهمة عامة تطرح للجمهور السوداني وأدرج أسماءً مقترحة لمجلس الإدارة شملت مدير الكهرباء الراحل الشهيد محمود شريف، الذي سارع في اليوم التالي بإصدار بيان ساخن نفى فيه أن يكون له علاقة بالمشروع المقترح بل عدم علمه بالمشروع وقال في البيان إن مشروع كهذا لا يمكن أن ينفذ بتلك الكيفية، كما صدر قرار رسمي بعد ذلك بإلغاء المشروع الحلم.
ولا شك أن د. محمود شريف يعتبر من الكوادر المتجردة والمخلصة ويحمد له حتى الشيوعيين إنه اعتمد على سياسة الكفاءة في العمل وليس الانتماء السياسي، وقد وقف وقفة صلبة في هذا الأمر ودخل مع وزير الطاقة آنذاك في خلاف وصل إلى مضابط الصحف، ومن هنا فليس من المتوقع بالطبع أن تكون لوقفة الراحل ضد المشروع المقترح بواسطة شركة مساهمة أي ظلال تتعلق بالمصالح الذاتية أواللوبيات السياسية، فهو بطبعه الجاد والمتكئ على منهجية التنفيذ العملي المباشر عبر الأسس المتعارف عليها، لا يجد في مخيلته مكاناً لمثل تلك المشاريع التي تعتمد على العزائم والخيال الشعبي.
ولعل من المفارقات أن نفس الفكرة بعد مرورأكثر من عقدين من الزمان بدت وكأنها توارد خواطر لدى الأثيوبيين حيث عزموا على تنفيذ سد النهضة الكهرمائي العملاق بواسطة الجهد الشعبي بنسبة تزيد عن «90%» تقريباً، عن طريق طرح سندات اسمية القيمة تشارك فيها الجماهير الأثيوبية رغم أن التكلفة تزيد عن أربعة مليارات دولار، بينما يكون تمويل التوربينات فقط بتمويل أجنبي، وشرعت أثيوبيا بالفعل في بداية العمل دون تردد وأتمت عملية تحويل مجرى النيل الأزرق في العام 2013 والبدء في عدد من الخطوات المهمة في التشييد ، ومن المنتظر ان يتم إنجاز المشروع في العام 2017 حيث سينتج كهرباء تفيض عن حاجة أثيوبيا وسيتم تصديرها لدول الجوار من بينها السودان.
وبعد حوالي عقد من فكرة الحلم للدكتور عصام صديق، أنشأت الحكومة وحدة السدود برئاسة المهندس أسامة عبد الله حيث شرعت في تشييد سد مروي عبر تكلفة إجمالية بلغت «2,945» مليار دولار أمريكي ساهمت الصناديق العربية  بتمو يل «1,223» مليون دولار، في حين مولت الحكومة السودانية المشروع بمبلغ «1,114» مليار دولار فيما قدمت الحكومة الصينية تمويلاً للمشروع بقيمة «608» مليون دولار، إذن سيتطلب الوفاء بكل هذه الديون الباهظة عدة سنوات من قبل الحكومة، في حين حتى الآن لم يستطع المشروع كهربة العديد من المشروعات الزراعية فضلاً عن ري حوالي «300,000» هكتار من المشاريع الزراعية في تلك الولاية، وعانت الخرطوم من انقطاعات متكررة في الإمداد الكهربائي في الصيف الماضي أي قبل حوالي شهر تقريباً الأمر الذي أثار عدة تساؤلات حول فعالية السد بالنظر إلى ما صرف فيه من مال في التشييد وفي الترويج، بيد أن وزير الكهرباء قال إن السد يسهم بـ «70%» من الطاقة الكهربائية في البلاد.
وأحسب أنه لو ترك مشروع الحلم للدكتور عصام صديق بواسطة شركة مساهمة وبيوت خبرة أجنبية ربما نفذ في ذلك الوقت بقيمة أقل بكثير من التكلفة الحالية للمشروع،  الذي تتصاعد فيه تكلفة مواد التشييد وانكمشت قيمة الجنيه في مقابل الدولار، كما أن وجود شركة قابضة يترأسها رجل نافذ مؤثر مثل أسامة عبد الله من شأنه أن يؤثر في جماعية القرار، ولعل هذا اتضح من خلال الصراعات العديدة التي دخلت فيها إدارة السدود مع المواطنين فيما يختص بالتعويض وفق نهج لم يلاق القبول بل النقد من قبل العديد من الوسائط الإعلامية والسياسية، كما ظهر النهج الكاريزمي لمدير السدود في التضخيم الإعلامي الكبير الذي اعتمد على تفويج زيارات للعديد من الفعاليات الاجتماعية للسد وهو أمر كان مكلفاً بلا شك، حتى إن الكاتب والصحفي الراحل رئيس تحرير صحيفة «الوطن» الأستاذ سيد أحمد خليفة كتب آنذاك العنوان التالي «صباح الخير يا ناس السد .. السد ليس متحفاً» في إشارة لتلك الأفواج التي زارت السد مراراً.
أخيراً يحق للدكتور عصام صديق أن يقول لناس الحكومة شوفوا فكرتي عند الأثيوبيين  وصلت وين وربما لسان حاله يقول «هسه ما كان حليناك من القروض المتلتلة والقضايا الكتيرة دي مع أهالي المنطقة» .