kasala rabih1 motayab hashim mohamed-rayah 5  3 kamal hamed  saad 2

 

كلاب أكول هل هي الجانية؟

قبل حوالي أربع سنوات تقريباً كتبت عن الطفل أكول الذي جرته الكلاب من عشة صغيرة وهو يرقد في حضن أمه، ولأن الأزمة ليست في الكلاب وحدها لكنها أزمة مركبة وبها تقاطعات كثيرة وهو ما ألمحت له في ذلك المقال. فالكلاب هي الفاعلة فعلاً بمنطق الفعل المادي لكن المجتمع وآلية الدولة بكل مؤساستها ضالعة بشكل أو بآخر، في أزمات قد تقترب من مشكلة أكول وقد تبتعد عنها في التفاصيل والجزئيات وقلت وقتها ما يلي:
تسللت كلاب ضالة  في جنح الظلام إلى راكوبة في إحدى مناطق الحتانة ودلفت في هدوء ومكر لتختار ضحيتها الطفل أكول البالغ من العمر سنتين وتجره إلى الخارج لتبدأ في نهشه بقسوة، الوالدان كانا مستغرقين في النوم ربما بسبب الانهاك وكفاح العيش القاسي أو ربما الطفل ألجمه الخوف والمفاجأة فكف عن الصراخ بعد أن شلت حبال صوته، «انما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، حكمة بالطبع ليست معنية بها الأغنام وحدها , فالكلاب المعتدية لن تستطيع أن تقتحم المنازل المسورة العالية أو الفلل المحصنة،   لكنها تختار معركتها في المتاح وأكول وأسرته  كانا متاحين ليس لغضب الطبيعة وجنونها وقسوتها أحياناً، لكن لهجمة الكلاب وازعاج القطط الجائعة، حتى الكلاب تختار الضعفاء ميداناً للعدوان كما يفعل البشر الأقوياء، لكن الفرق أن الظلم في الأولى تستبطنه الفطرة بينما في الثانية يكرسه صراع النفس الآثم، أسرة أكول لعلها عانت من صراع القبائل الدامي في الجنوب وجشع  مافيا الأسواق وتجار الحرب وهجمات البعوض وقلة الحيلة هناك، لكن الخرطوم بصخبها وبقالاتها الكبيرة ومصانعها وشركاتها وسيارتها الفارهة وشوارعها المسفلتة وليلها الصاخب والهادئ والرمادي، لم يتسع لجدران تأوي أسرة أكول تماماً كما لم تتسع لأصحاب الدرداقات في الأسواق الشعبية وهم يبيعون عرقهم للمحليات قسراً وصاحبات العنقاريب والسراير التي تؤخذ رهينة للإيجار في بعض الأسواق رغم أنف دموعهم , ولبائعات الشاي اللائي يعانين من نذالة البعض وغيرة الأهل ونيران الشك وقسوة الحياة ,   كذلك فالخرطوم لم تتسع بصخبها وثرائها الظاهر والمستبطن لمن يرقدون على أسرتهم المتواضعة يغلبهم المرض وتحاصرهم فواتير العلاج المستعصية  فيداهمهم الموت ليرحلوا في هدوء عبر عزاء يمتنع عنه أصحاب الأوداج المنتفخة والانتهازييون الذين لم يفتهم مواراة ثرى أو نافذ , وحتماً رحل أكول ليس على فراشه في راكوبته المتواضعة ولم يهزمه مرض عضال أو سيارة منفلتة لكنها أنياب كلب اقتحم أمان أسرته قهراً من حيث الأمان غائب , لكن هذه المرة فمأساة أكول اقتحمت أبواب الاعلام على مصراعيه لهذا فإن جنازته قد يتسابق عليها السياسيون لمرافقتها تتابعهم الكاميرات والأقلام مع انهم لم يزوروا يوماً راكوبة أكول وملوال وحمد وأدروب، رغم ان كلاباً عديدة من صنف آخر تهاجمهم في كل صباح جديد , أليس الفقر كلب آخر له أنياب أخرى أليس المرض والحرمان وقتل الأحلام كلب أيضاً والعجز عن دفع الرسوم الدراسية كلب , ومحتكرو السكر أو الدقيق «كلب» والمتجارة بالمعاناة «كلب»  كلها تعض لكن أين المصل وأين الساتر؟
الكلاب هاجمت أكول ونهشت جسده الضعيف قبل أن يعرف الأحلام ورسم المستقبل على صخور المعاناة داخل راكوبته , فليس للأحلام سقف وليس للأمل كابح أو سعر يتربص فلحسن الحظ انه كالهواء غير خاضع للمضاربة وقسوة الجباة , أنه يتمرد على رواكيب القش وعنقريب الحبل والشِعبة التي تسد الطريق وفتات الخبز الجاف وسانتدوتش الملوخية في الصباح , لكن الكلاب القاسية لم تدعه يكمل الحلم عندما يكبر ,بيد أن الأهالي أصحاب النفرة أخذوا له بثاره وهو حي يرزق عندما انقضوا على الكلب المعتدي وقتلوه , لكنهم هل يستطيعون أن يصدوا قسوة الحياة المتربصة في كل شبر يواجه أسرة أكول وآخرين في كل بقاع السودان الشاسع، إنها كلاب أنيابها تعض ولا تدمي ولا تفر كما فرت كلاب أكول لكنها تحاصر ولا تُحاصر , ومع ذلك يبقى الأمل في غلبتها واندياحها , لكن الأمر يحتاج الى ثمة شفافية ومراجعات هنا وهناك ووازع ديني ينمو يبسط العقيدة غير الملوثة بالابتداع أو غلبة اللسان على القلب.
رحل أكول و شهادة وفاته تقول «التسمم الدموي بسبب مضاعفات جروح الكلب الوحشي» , لكن الشهادة الأخرى غير المكتوبة تقول إن الكلاب ليست وحدها يا أكول.