وثيقة الحوار ..تحت صرير الأقلام حديث....علم الدين عمر

تقييم المستخدم:  / 0
على الرغم من نظرة النخب السياسية والاجتماعية المعارضة والمتحفظة للحوار الوطني كمحاولة إعلامية موجهة للخارج لإعادة إنتاج النظام القائم وتسويقه كنظام وطني حريص على التوافق الشعبي على وثيقة وطنية حقيقية, إلا أن ذات النخب ربما لم يفت عليها عملياً أن مبدأ الحوار نفسه فرض واقعاً جديداً في ظاهره (الملاواة) السياسية وفي باطنه الأمل الشعبي والحلم الجمعي لعامة أهل السودان في أي تغيير قادم على أي مستوى وفق أي نظرية ..وهو حلم مشروع لا شك أن أولى بشرياته هي حركة الإحلال والإبدال في الجهاز التنفيذي للدولة ..وهي نقطة تداعب تلك الأحلام مباشرة وإن حاول الأكاديميون السياسيون تجاوزها والنفاذ للهدف العميق في صناعة ثورة التغيير الناعم المفضي للتراضي الجمعي الذي تصنعه كل القوى الوطنية لإعادة بناء الأمة السودانية وتعريفها .. يقال ..والعهدة على الراوي .إن السلطات المختصة بالخرطوم ابتعثت مهندسا لشيخ العرب ود أب سن في رفاعة ليقوم بتخطيط المدينة ..ووصلت برقية بهذا الخصوص للشيخ فأحسن وفادة الشاب واستقبله استقبالاً طيباً ...واجلسه في مجلسه ..و يا لمجلس شيخ العرب في ذاك الزمان ..في السهلة المكشوفة ..حيث البراحات والفسحات ..وفسحة الزمن .. فجلس المهندس الغرير ..المخدوع بمكانه من السلطة وحظوة الشيخ ..المتقوي بالسلطة ..يوما كاملا ..يحظى بدلال المجلس وطيب المعاملة ..ولترتيب الأقدار (دقش) الخلا في ذلك النهار ..كعادة القوم ...ليتطهر للصلاة غير بعيد من المجلس .. وواجه الريح متخذًا موقفه عكس اتجاهها .. وشيخ العرب يرمقه بعين البصيرة ..وبصارة الحكمة ..عاد الفتى لمجلسه منتفشاً ليسأل عن موعد تمكينه من القيام بعمله العظيم في تخطيط مدينة رفاعة .. حاضرة البادية ومعقل النظارة ..وقبل أن ينبس ببنت شفة ..بادره ود أب سن بلهجة مختلفة :أنت يا ولد قلت جيت هنا لي شنو؟.. وسط دهشته أجاب :لتخطيط مدينة رفاعة كما تعلم!.. فصاح فيه الشيخ بهيبته المعلومة :يا ولد هوى اخدت ضيافتك قوم اتطلب الله .. رفاعة خلها ..خطط طهارتك أول شئ... .. ومضت مقولة ود أب سن..تتجدد في كل زمان لحال كهذا ..بين يدي كل تجديد في المناصب والرتب ..يسعى له مهتبلو المنابر ..بالقليل من الإمكانيات والكثير من الوقاحة ..وهي حالة تعتري الساحة كلما لاح في الأفق تشكيل وزاري جديد أو ومضة تغيير قائم في الشراكات أو محاصصة في المناصب ..إذ تبدأ المناورات وتشتعل حرب الشائعات ويتخلي الوقار عن الكثيرين مفسحاً المجال لحظ النفس في تعظيم الذات والاستقواء بالأحلاف.. والتقاطعات الوظيفية والقبلية والجهوية ..وتسقط قيم الأخلاق والالتزام التنظيمي كأول ..وآخر أوراق التوت .. ولعل الحالة التي تعتري الساحة اليوم بين يدي التغيير المتوقع عقب استيفاء الاستحقاق الأخلاقي للحوار توحي بذلك .. حيث اشتعلت الأوساط بالتوقعات والأماني دون التحليل والتشريح والمنطق ..وبدأت نذر الحرب الباردة بين مختلف التيارات داخل الحكومة وخارجها ..وتمددت آليات جس النبض ..الانفعالي على حساب الجس الحقيقي المتمثل في لجان التقييم والتقويم التي تم تشكيلها قبل فترة لتحدد اتجاه الريح وتعرف من الذي واجهها بالطريقة الصحيحة ومن الذي اتخذ مهندس رفاعة ذاك قدوة له ... نظن وليس إثماً كله ظننا ..أن معايير اختيار الداخلين الجدد لمقاعد مجلس الوزراء والولايات تحتاج لمنطق مهني على مستوى التنظير ..إذ لابد من نزع ديباجة الحالات الخاصة والموازنات القبلية والجهوية خاصة فيما يلي ملف الولايات وولاتها ..تحقيقًا لغاية البقاء للأصلح..عبر آلية التقييم المتجرد..التي يعقبها التقويم المنطقي لعثرات الطريق ... حيث تختلف الاستحقاقات الوطنية هذه المرة عن كل مرة إذ المصداقية والعزم على المحك.. في الشكل والمضمون .. تحتاج ماكينة الدولة للكثير من التكنوقراط في مفاصل التنفيذ المباشر مقابل صبغة سياسية معقولة تعزز الحوار الوطني .. عبر قيادات وسطية مقبولة ومنفتحة على الآخر ..واعية بكم وكيف التقاطعات الدولية والإقليمية ..الدبلوماسية والشعبية .. والقانونية .. عموما تبقى الأبواب مشرعة على كل الاحتمالات حتى ينصرف القوم عن منصة العاشر من أكتوبر لتقطع جهيزة قول كل خطيب ..وحتى ذلك الوقت, نتمنى أن يضع الجميع عن حدقاتهم السلاح في مواجهة بعضهم وأولهم القلم الصحفي والمداد الموجه لضرب فلان أو علان لصالح هذا أو ذاك ..ولننتظر ما تسفر عنه الأيام .. ارتفاع مشجون للحاجب أخيرًا وبعد ثلث قرن من العزيمة والإصرار والتحدي ..وبعد أن صنع لنفسه مدرسة متفردة في عالم الصحافة والإعلام .. وقاد سفينة الحق والخير والجمال في بحر متلاطم من التحديات ..يغادر أستاذنا حسين خوجلي منصة التحرير بألوان ...متفرغاً لإدارة نجاحه غير المسبوق بقناة أم درمان الفضائية التي شمخت لتحكي للناس قصة هذا الرجل العظيم .. وهو في قمة عطائه ونضجه الفكري والاجتماعي والمهني ..يستحق حسين خوجلي أن يفتح له كتاب التاريخ أنصع صفحاته ..وتستحق ألوان أن تزف عروسًا للصحافة السودانية بلا من ولا أذى.