سياسة إصلاح الدولة.. (جنوب كردفان نموذجا) ..

تقييم المستخدم:  / 0
سنتناول- بإذن الله تعالى – في هذه السلسلة من المقالات حزمة من البرامج العامة التي اتخذتها الدولة بما اصطلح عليه برنامج إصلاح الدولة الذي يشمل الإصلاح الإداري والسياسي والمالي والاقتصادي والمحاسبي، فضلا عن الإصلاح الحزبي والتنظيمي والأخلاقي والتربوي، ومرامي هذا الإصلاح وأهدافه الكلية تتوجه نحو محاربة الفساد الإداري والمالي والاستبداد السياسي والدستوري والقانوني، وبناء دولة المؤسسات والقانون والعدالة وتنمية قدرات الفرد والجماعة لمحاربة ظواهر القصور في التفكير والإبداع الفردي والمؤسسي . سنقتصر الحديث في هذه السلسلة بالمرحلة الأولى على برنامج الإصلاح في ولاية جنوب كردفان، وهي ولاية ذات طبيعة خاصة بالنظر إلى وضع الأحوال المتقلبة فيها وتصدرها في وسائل الإعلام المحلية والعالمية في كثير من الأحداث والوقائع اليومية، نسبة لعوامل الصراع والحرب الدائرة فيها، هي وأختها ولاية النيل الأزرق. حيث يُصطلح عليهما ( المنطقتين ) في قاموس التفاوض الجاري حولهما بين الحكومة ومجموعة قطاع الشمال إحدى الجماعات الإرهابية في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ولهذه الاعتبارات سالفة الذكر وغيرها يأتي الحديث عن إصلاح الدولة بتلك الدولة في سياق مهم جداً يكشف عن حالات هذه الجهود سواء أكانت حكومية أو شعبية أو جهود مجتمع مدني ومنظمات أو جهود منظومات حزبية. إن جنوب كردفان تعد اليوم مكاناً لتداخل وتلاقح جهود كثيرة كبيرة، وأضحت قبلة لعوامل العصف الذهني والتشريح الإداري والسياسي والفني طلباً لسبر غور هذه التحديات والمشكلات المتداخلة فيها، والتي باتت هما يومياً يؤرق أجهزة الدولة والحكومة والشعب ودعاة الإصلاح السياسي والإداري من تشريعيين وقانونيين وتنفيذيين وإداريين على مستوى السودان عامة، وولاية جنوب كردفان خاصة، ولذلك تتزاحم منذ فترة المؤتمرات واللقاءات والاجتماعات والورش وزيارات الوفود الرسمية والشعبية بغية تحقيق الأهداف العليا لهذا الحراك الموّار المتتابع، وفي مقدمة تلك الأهداف إطفاء نيران الحرب وتحقيق المصالحة العامة وإعادة بناء فتقات النسيج الاجتماعي وتحقيق التعايش السلمي والأمن والاستقرار والسلام الشامل الدائم. نحاول عبر هذه القراءة الاستقصائية عن قرب وعبر التحليل الصحفي والسياسي معاً استدعاء العوامل المؤثرة في حركة وبناء الإصلاح وننظر إلى أي مدى هي قادرة على قيادة هذه القاطرة نحو سبيل آمن، تقهر التحديات وتمضي بعزيمة ماضية.. وعند استدعائنا لهذه العوامل نقتصر على الأهم منها لأنها متعددة ومتجددة ومتداخلة كنماذج حية للقراءة والتحليل والدراسة والتفسير. من العوامل التي نستدعيها لتكون محل تحليل وتقص الخطاب السياسي الراهن في الولاية، ننظر في إخفاقاته وسداده إلى أي مدى هو قادر أو عاجز عن المساهمة في عملية البناء والإصلاح، وننظر في غموضه من وضوحه، وفي ضعفه من قوته، وتماسكه من تفككه وشموليته من تجزئه، وهل هو خطاب متطور مواكب مبدع أم تقليدي عاجز .؟ ونستدعي جهود المؤسسة التشريعية ( مجلس تشريعي الولاية ) لنرى تجربة هذا المجلس إلى أي مدى هو قادر على القيام بواجبه التشريعي والرقابي، وتقديم مبادرات سياسية وتعبوية واجتماعية فاعلة، وما هي السمات التي تميزه عن سابقيه من مجالس في دورات خلت، وما هي أوجه القصور والسلب فيه، وإن وجدت كيف السبيل إلى علاجها وهل من نجاحات تشريعية ورقابية تتحقق في عهده في أجواء هذه التحديات.؟ ونستدعي مشروع مبادرة الإدارة الأهلية، وكيف نبعث هذه المبادرة وقد توجت بمؤتمر للإدارة الأهلية شهدت فعالياتها مدينة كادوقلي حاضرة الولاية في منتصف فبراير 2016م شارك فيه ما يقارب ثلاثمائة من رجال الإدارة الأهلية وزعماء القبائل والعشائر ومهتمين بملف الإدارة الأهلية. وقد أصدر في بيانه الختامي نحو أربعين توصية وقرار أهمها إحياء التحالفات وترميم المواثيق القديمة الداعية إلى إحكام الرباط الاجتماعي، وإعادة قيم التسامح والتصالح والتواصل الموروثة من قبل، وكذلك نبذ الجهوية والعنف والدعوة والتعاون لبناء سلام شامل ودائم لإنسان الولاية يحقن الدماء، وتحالفوا أيضا على تحريك الدبلوماسية الشعبية لإيصال صوت السلام والتعايش باسم أهل الولاية وتحالفوا أي رجال الإدارة الأهلية على رتق النسيج الاجتماعي. نعم نستدعي هذا الجهد لنرى إلى أي مدى تستطيع الإدارة الأهلية تحقيق هذه الأحلام الجميلة لمجتمع تنافر وتناثر وتحارب وهجر النفير والفزع والقدح والضرا، وهل عناصر هذا الإدارة من الأمراء والنظار والسلاطين والعمد والمكوك والشيوخ يملكون التجربة والخبرة والحنكة والحكمة والمؤهلات والكفاءات الكافية في فن التفاوض وفض النزاعات وإجادة لغة الحوار والتواصل، وفقه الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي، وهل يملكون طاقة عقلية وبدنية وحيوية للسعي الجاد والمصابرة نحو تحقيق الأهداف الغايات.؟ ونستدعي مؤسسات المجتمع المدني وفي مقدمتها المنظمات التي يبلغ عددها أكثر من مائة وخمسين منظمة، منها حوالي إحدى عشر منظمة أجنبية، ننظر كيف تعمل هذه المنظمات ونقيس حجم دورها الإنساني في التنمية والخدمات وأثرها في الاستقرار.؟وهل هي لأجل الإصلاح والدعم، أم بعضها نقمة على مشروع الإصلاح والمصالحة.. ونستدعي إلى هذا التحليل الجمعي المؤسسات الحزبية العامة في الولاية والتي أصدرت بياناً مشتركاً ووثيقة واجتمعت في آلية سميت بمنسقية الأحزاب السياسية بجنوب كردفان، ومن أهم ما جاء في بيانها الوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات السياسية في الولاية، وتوحيد الجبهة الداخلية، والوقوف ضد الحرب. نستدعي هذه المنسقية إلى ساحة التحليل لنرى أي مدى يمكن أن تصمد بنود هذه الوثيقة، وكيف تعالج هذه الأحزاب التقاطعات بينها ومراكزها في الخرطوم؟. ونرى وزن بعضها الجماهيري، خاصة أن بعضها ولائي محض، وما علاقة هذا التداعي التلقائي بآمال وطموح المشاركة في الحكم والسلطة.؟ ونستدعي أخيراً النفائر والتجمعات واللقاءات والملتقيات التي تتم باسم أبناء الولاية في الخرطوم بقاعة الصداقة من وقت لآخر في إطار التشاور والتفاكر، ونبحث الأسباب من ورائها، هل هي حقاً من أجل السلام والاستقرار والتنمية والتشاور ومن أجل هموم وقضايا الولاية.. أم هي مجرد شعارات وجراحات تجميلية للأجهزة والمؤسسات.؟ يتبع..