الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

الدولار.. في محكمة السياسة والاقتصاد

ندى محمد أحمد
(24) جنيهاً سوادنياً ونيفاً هو سعر صرف الدولار الامريكي الواحد في السوق الموزاي حتى يوم امس الاحد، وارتفاع سعر الدولار مرشح للصعود طالما عجز البنك المركزي عن ضخ العملة الصعبة التي تحتاجها البنوك، وبالتالي الشركات والمؤسسات والافراد الذين يطلبون الدولار لاغراض مختلفة،

بينما تقف الحكومة موقف المتفرج دون أن تحرك ساكناً لوقف تدهور العملة الوطنية الذي يمضى باطراد منذ انفصال الجنوب يوليو 2011م، واخذ معه النفط الذي كان المورد الاساس للعملة الصعبة عبر تصديره للخارج. فماهو الحل؟ صحف اول امس السبت حملت خبراً مفاده ان النائب البرلماني علي إبراهيم كشف عن اجتماع تعقده لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالبرلمان مع مسؤولي القطاع الاقتصادي لمناقشة ارتفاع سعر صرف الدولار في الاسبوع الجاري، وإبراهيم وفقاً للخبر فسر ارتفاع سعر صرف الدولار بما وصفه بالعجز شبه المستديم في الميزان التجاري، ووضع شرط توازن الصادرات مع الواردات لحل إشكالية توالي ارتفاع سعر الصرف. ويعتبر تفوق الورادات على الصادرات احد الاسباب الرئيسة لارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، ولوقف تدهور قيمة العملة السودانية لا بد من الإنتاج الذي يتفوق على الصادرات او على الاقل مساواتها. وفي هذا السياق دوماً يبرز السؤال عن اسباب إضاعة الحكومة عائدات النفط التي تقدر بـ (85) مليار دولار ــ وفق تقارير صحفية ــ قبل انفصال الجنوب، لم لم تستثمرها في الزراعة والصناعة وتطوير البنية التحتية. اما الاستثمار في بلادنا فهو خجول والاسباب تعود لعوامل سياسية واقتصادية، ففترة ما قبل الانفصال امتازت باستقرار سعر صرف الدولار، ولكن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية افرزت العديد من الصعوبات الاقتصادية من قبيل مقاطعة البنوك والمؤسسات العالمية للبلاد، فهي تتعرض للعقوبة الامريكية فور تعاملها مع السودان، كما ان شراء الآليات التي تخص اي استثمار لا يمكن الحصول عليها إلا عبر وسطاء مما يضاعف تكلفتها، فضلاً عن ضعف البنية التحتية اللازمة للاستثمار من طرق وكهرباء. وفي السادس من اكتوبر الماضي رفعت امريكا جزءاً من العقوبات عن البلاد وابقت على اخرى، بالإضافة لمشكلة ارتفاع سعر صرف الدولار المتوالي بجانب مشكلة البنية التحتية. وعلى مستوى الافراد يشكو المواطنون الامرين من ارتفاع سعر الدولار الذي يحتاجونه للعلاج والتعليم ولاية اسباب تستدعي السفر للخارج، فالدولار غير متوفر في المصارف ولا يوجد الإ في السوق الاسود باسعاره الفلكية، احدى قريباتنا زوجها بحاجة للسفر طلباً للعلاج، ورتبوا جميع اوراقهم حتى الحجز اكملوا إجراءته مبدئياً، ولا يعطلهم عن السفر سوى توفر الدولار.
ولما كان لتحويل قطاع المغتربين اثر إيجابي مقدر في توفر الدولار وبالتالي خفض صرف سعره في حال تم ضخ عملاتهم عبر البنوك، أعلن جهاز شؤون المغتربين عن سياسة لتحفيز المغتربين لتحويل مدخراتهم عبر البنوك الرسمية برفع سعر صرف الدولار من ستة جنيهات إلى (15) جنيهاً، ولكن ارتفاع سعر الصرف بالسوق الاسود او الموازي يدفعهم لدفع ما يمتلكون من عملات عبر تلك السوق، مما يفيد بفشل سياسة جهاز المغتربين.
وفي الآونة الاخيرة كثر الحديث عن سماسرة الدولار وضرورة حسم هذه الظاهرة، ولكن النائب الاول للرئيس ورئيس مجلس الوزراء بكري حسن صالح قال في مؤتمره الصحفي الاخير ان مشكلة الدولار لا تحل بالمشكلات الامنية.
الخبير الاقتصادي حسين القوني فسر اسباب ارتفاع الدولار بالقول ليس لدينا إنتاج للصادر، فضلاً عن عدم قدرتنا على المنافسة عالمياً جراء ارتفاع تكاليف الصادر والتهريب، بجانب قلة الإنتاج وعدم وجود استراتيجية من قبل الدولة للصادر، والاستيراد غير المرشد الذي يشمل استيراد الكماليات، مما ادى إلى ارتفاع الطلب على الدولار عن العرض، وثمة إشكالية اخرى وضحها القوني في حديثه لـ (الإنتباهة) تمثلت في ان الممارسة الآنية حورت وظيفة الدولار من وسيلة دفع نقدي إلى سلعة تباع وتشترى، بمعنى أن تدفع فلوساً وتأخذ مقابلها دولاراً، مما أدى لخلق سوق موزاٍ وتجار للدولار، ونظراً لشح الدولار زاد الطلب على العرض، لذا ظهر سماسرة للدولار بل ومضاربون ايضاً، وبسبب ارتفاع الطلب على الدولار اصبح هناك نقص مستمر في مقابلة الدولة لاحتياجاتها من النقد الاجنبي، لسداد احتياجاتها من الواردات وسداد التزاماتها بالنقد الاجنبي للقطاعين العام والخاص، ونوه القوني بتحويلات الأجانب للخارج فضلاً عن التجارة غير المرشدة (تجارة الشنطة)، كل تلك العوامل تستنزف موارد السودان من النقد الأجنبي، ويستمر هذا الاستنزاف في ظل غياب عرض الدولار الذي يتوفر من موارد الصادر والقروض والتسهيلات التي تمر بحالة ضعف كبيرة. ويكمن الحل في تقدير القوني في الإنتاج وتحسين الإنتاجية، الشيء الذي يحقق لنا صادراً جيداً لتوفير النقد الاجنبي، بالإضافة لتحسين مناخ الاستثمار بتقديم التسهيلات المطلوبة للمستثمرين، وتجويد اداء الخدمة المدنية التي تعطل الاعمال بوضعها الحالي، بجانب العمل على تخفيض الطلب على الدولار بترشيد الاستيراد وتقليل الصرف الحكومي، وتشجيع المغتربين وتحفيزهم لتحويل مدخراتهم عبر الجهاز المصرفي عوضاً عن تحويلها عبر السماسرة.
ومن جهته قال الخبير الاقتصادي عثمان الفاتح ان الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، فالسودان مازال تحت طائلة العقوبات الامريكية مثل وجوده في قائمة الإرهاب، وعليه ديون عاجز عن سدادها، ولا يمكنه الاستفادة من اتفاقية (الهيبك) لإعفاء الديون بسبب العقوبات الأمريكية، فرفع العقوبات وإعفاء الديون يمكنه من الاندماج في السوق المالي العالمي مما يسمح له بالاقتراض الميسر لتمويل احتياجاته التنموية، واكد عثمان ان السياسات الحكومية الخاطئة تؤدي لرفع الدولار، فهي تسمح بالاستيراد بغير حدود دون وجود مقابل من العملة الصعبة، مما يتسبب في العجز التجاري الضخم الماثل الآن، بجانب السياسات الحكومية لتعويق الإنتاج. ويشير عثمان في حديثه لـ (الإنتباهة) إلى ان الواردات وفقاً للقائمة الفعلية لعام 2011 بلغت (11) مليار دولار، وفي الوقت الراهن اصبح الاستيراد عبر السوق الموازي، وصارت المعلومات في هذا الصدد ضبابية، بمعنى ان بنك السودان نفسه لا يستطيع ان يحدد حجم الواردات والقيمة الفعلية لها، لأن الاثنين يتمان عبر مقاصة السوق الموازي وليس المركزي، ولفت إلى تقدير للواردات ما بين (8 ــ 9) مليارات دولار، ولكنه وصفه بغير الحقيقي.
وبشأن حقبة النفط قبل ذهابه مع الانفصال، قال عثمان إن الحكومة اعتمدت على النفط اعتماداً كاملاً، وتناست القطاعات الإنتاجية تماماً، وبعد الانفصال رجعت الحكومة للبحث عن القطاعات الإنتاجية على نحو غير جاد، بل اتخذت سياسات تدمر القطاعات الإنتاجية وتدعم الاستيراد، لأنه يحقق لها اكبر قدر من الجبايات التي تمكنها من الصرف على هيكل الحكومة المتضخم في الخدمة القطاعات العسكرية والمدنية والدستورية، ونوه بأن ثلث العاملين في هذه القطاعات لا يوجد احتياج حقيقي لهم.
وعندما اتصلت بوزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي قال إنه قرر ألا يتحدث عن الدولار، وأنهى حديثه بعبارة (مسكين الدولار الذي دخل السودان)، وفي الأمثال (المسكين سكين)، وسكين الدولار تكاد تذبح شعباً بأكمله، بينما تقف الحكومة موقف المتفرج او تردد ترهات لا تسمن ولا تغني من جوع.