الأربعاء، 13 كانون1/ديسمبر 2017

board

(توليفة) خاصة!! تيسير حسين النور

سألته يوماً هل أنت جاز أم (تركيبة خاصة)؟! أجابني قائلاً:
 (أنا فنان جاز لكني توليفة خاصة!) .. واستطرد قائلاً: إن فن الجاز مطروح عندي جرعات صغيرة أدخلها في أغانيّ كتجربة مثال:(خطوة خطوة) (يا تايه في الحب) (اللابس البمبي)،

وهناك شكل راقص (قلبي دق) (حرام يا قلبي) ريقي يشبه السيرة أشياء بوب جاز وهي تركيبة خاصة بي!!
هذا هو الفنان الرائع شرحبيل أحمد التقيته قبل أربع سنوات بدار اتحاد الفنانين بأم درمان.
ومما قال لي وهو يحكي عن دخوله في الفن والتشكيل إنها قصة طويلة وأسباب وصدف لا تؤدي إلا إلى طريق الفن والرسم، شكلت كلها مخزوناً خرج تدريجياً وشكله لاحقاً، بداية من الوالد وهو رجل أنصاري متدين يحب المدائح وأغاني الحقيبة والأسطوانات موجودة في بيتهم منذ النشأة، ووالدته التي تغني بشكل جيد، وكذلك خالته وحبوباته اللائي يحجّن ويغنن في الحجي.. ده كله مخزون بداخلي خرج تدريجياً وشكلني لاحقاً..
واعترف لي بأنه برز مغنياً أكثر من رسام رغم أنه يعتبر نفسه يقود الاثنين معًا في ذات الوقت ولا خيار بينهما، وقال: ما أنصفني في الرسم كان (عمك تنقو)! وصرح بالفكرة التي تراوده أن ينفذ( تنقو) رسوم متحركة وهو مشروع قادم.
  وكان الأستاذ (سر الختم عبد الكريم) أول من بدأ العمل على شخصية تنقو، وبالتدريج تداول رسم الشخصية عدد من الرسامين وبشخصية ملامحها العامة (رجل بدقن وصلعة وكرش)!؛ وحتى الأستاذ الصلحي رسمها مرة واحدة في عدد واحد. ورسمها أحمد العربي وإبراهيم الدسوقي، وأُعجبوا بخطوطه وكلف به، ثم كان التكليف بشكل متواصل، ويبدو أن محبته القديمة للمجلة جعلته يبدع في الشخصية، إضافة إلى خلفيته فقد كان على دراية بـ (والت ديزني) و(ميكى ماوس) ومطلع على الكاريكاتير في الصحف والمجلات العربية.. ووجد أن الأسلوب المتبع في صفحة (تنقو) غير مقنع له كرسام! وابتدع البالون الطائر الذي يحوي الحوار وبالتدريج من أربعة كوادر في صفحة واحدة إلى ثمانية في صفحتين، وكان أحياناً يتم التعاون في الشعر للشخصية، ثم طور ملامح (تنقو) بملامح بارزة وكوميدية، وأصبح تنقو بالشكل الذي عرف به ورسخ في الأذهان. وأي قارئ لمجلة الصبيان من (1959م) قرأ (عمك تنقو) نسخة شرحبيل.
ولديه فكرة لتطوير عمك تنقو الى رسوم متحركة، خاصة مع وجود التقنية الحديثة.. وبدأ شرحبيل الغناء بشكل رسمي عام 1960م، في افتتاح المسرح القومي وبشكل مصغر بالجيتار، وقبل نهاية العام كان قد أكمل مجموعته، وحكى انه قل الظهور، وعندما كان في الأُبيض كان يشاهد النقارة والطمبور ويحب السينما الاستعراضية، وكان يحفظ أغاني محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، وفي المدرسة كانوا يختارونه لأداء الأناشيد وللغناء ايضاً، وفي كلية الفنون غنى كثيراً بمرافقة آلة الهارمونيكا التي كان يعزف عليها زميله فى الغرفة، واعجب اساتذته بموهبته، فأستاذ الصلحي كان يحب الجاز وكذلك بسطاوي بغدادي وعثمان وقيع أستاذ الخط الذي كان يحب الجاز ايضاً، وكانوا يسمعونه ذلك الجاز.. وكان قد تعلم العود من الحلة من (أحمد موسى) أخ عائشة الفلاتية ـ حينما كانوا جيرانهم في العباسية.
  وصمم شرحبيل عوداً لنفسه، واشترى كمنجة، وقدم عروضاً في (جي. ام . اتش) ـ أحد نوادي الخرطوم آنذاك ـ كعازف درم ومغنٍ، وكان وقتها في مكتب النشر، وكان معه أستاذ (رضا محمد عثمان) في دار النشر، وهو أول من دفعه للغناء وهو شاعر وأديب.
 ثم كان اختبار الاحتراف والاعتراف، وبعد جهد وقف امام لجنة (خطيرة جداً) رئيسها محمد صالح فهمي وفيها عمالقة من النقاد والموسيقيين والصحافيين، وقف أمامها طوال عام كامل كل (15) يوماً يرجع ويصلح ويشطب وأحياناً يمل ولا يذهب، واللجنة تراقب اللحن والصوت والكلمات ومخارجها وبدقة شديدة.. حتى أجيز صوته وابداعه.
شرحبيل أحمد رقم ابداعي لا يمكن تجاوزه.. وعطاء أصيل متفرد باقٍ بيننا.. أمنياتنا له بالصحة والعافية.
لكم التحية.