الخميس، 29 حزيران/يونيو 2017

board

أبو حبل.. د. متوكل عبدالحكم

في تلك القرية الوادعة حيث تتقاصر الهموم ويصفو التفكير، ويهدأ البال مقارنة مع حياة المدن الصاخبة سريعة الإيقاع. هي قرية تتوفر فيها الحياة والسعادة، وبالرغم من البساطة فقد كان أهل القرية يتنعمون بالدفء الاجتماعي والتواصل فيما بينهم،

لا ينقصهم من سعادة الدنيا إلا شيء واحد وهو النوم في الحوش، وهي عادة في كل السودان تتوارثها الأجيال.
وتتميز منازل القرية بالحيشان الواسعة، فكانوا يتجمعون ويتسامرون، وتحلو السهرات والونسة والنوم بالذات في الليالي المقمرة.
كان (أبو حبل) أحد سكان هذه القرية وهو ليس من أهل المنطقة، لكنه جاءها صغيراً وتربى فيها وأصبح معروفاً بهذا الاسم لأنه كان يربط حبلاً في يده اليسرى لا يفارقه أبداً منذ إصابته بأزمة نفسية جعلته مشكلة لأهل القرية.
عاش (أبو حبل) بين أهل القرية لم يحس يوماً بأنه غريب، فقد كان رجلاً طيباً ودوداً، ولكن إذا جاء الليل ونامت كل القرية يتحول لشخص آخر.. كان يتخير الأشخاص الذين (يتونس) معهم بالنهار أو يسامرهم بالليل، فإذا اختلفت معه في وجهات النظر أو إذا نظرت له نظرة لم تعجبه فأنت أحد المستهدفين.
كان يعرف كل أهل القرية فرداً فرداً، وعند حلول الظلام وتنام القرية كان يدخل بيت من يستهدفه ويقوم بخنقه حتى يبدأ المخنوق في الصراخ الذي تستيقظ عليه كل القرية، فقد كان يستهدف الرجال ولا يقرب النساء، ويتكرر الموقف بصورة شبه يومية.
وأهل القرية عندما عجزوا عن حل هذه المعضلة لجأوا للنوم داخل الغرف حتى في ليالي الصيف الحارة اتقاءً للخنق، فقد تركت الفئة المستهدفة وهي الرجال نوم الحيشان الممتع الجميل، والنساء أيضاً تركنه خوفاً من أن يتحول الاستهداف للنساء.
وبدأت نهاية (أبو حبل) عندما قام عمدة القرية بتوبيخه في إحدى المناسبات، وكالعادة كل من يدخل معه في أية مشادة كلامية أو نظرة لا تعجبه يكون مصيره (خنقة ليلية)، فقد ترقب أهل القرية ذلك اليوم هجوم (أبو حبل) على بيت العمدة، ولم يخب ظنهم عندما سمع القاصي والداني صراخ العمدة المخنوق.
وعندما أصبح الصباح كان يركب بوكس العمدة متوجهاً للمصحة التي أتى منها بعد أن تم توصيل رأسه بالكهرباء، ولما أفاق من غيبوبته عاد شخصاً مختلفاً كلياً، وصار يطارد السيارات في شارع الأسفلت ولكنه لم يترك عادته القديمة، حتى جاء اليوم الذي وجدوه فيه مضرجاً بدمائه عندما دهسته شاحنة ولاذت بالفرار.
خرجت القرية عن بكرة أبيها مشيعةً (أبو حبل)، وعندما عادوا من (الدافنة) عصر ذلك اليوم كانوا يتسابقون للبيوت لإخراج (السراير والعناقريب) في الحيشان التي افتقدوا النوم فيها والونسة والليالي القمرية.. رحم الله (أبو حبل) فقد كان حديث القرية حياً وميتاً.