الثلاثاء، 22 آب/أغسطس 2017

board

البيئة السودانية في شعر المجذوب (1 ــ 2)

سعد عبد القادر العاقب سعد
هذه دراسة موجزة عن بعض مظاهر البيئة السودانية وصورها في شعر محمد المهدي المجذوب، وقد تتبعت الدراسة تأثير المجتمع السوداني في نفس الشاعر، حيث ركزت على الصور التى اعتادها الناس في السودان في بيئاتهم الفلكلورية والاجتماعية والدينية والأدبية.

وقد استخدم المجذوب هذا الأثر البيئي مصوراً إياه تارة تصويراً مجرداً، وتارة رمزاً وطنياً، وتارة نقداً اجتماعياً وسياسياً، حيث لم يكن راضياً عن كثير من مظاهر مجتمعه، واعتمدت الدراسة على أربعة دواوين للمجذوب هي: (الشرافة والهجرة) و (منابر) و (نار المجاذيب) و (تلك الأشياء)، حيث تكررت هذه الصور في الدواوين الأربعة وتشابهت أوجهُ توظيفها تشابهاً كبيراً.
الصور الفلكلورية:
من صور المجذوب الفلكلورية العصيدة، حيث صور ضعف الشعر متخذاً صورة العصيدة والشرموط مادة للتشبيه، وهنا يريد أن البعض يسلك أيسر المسالك لقول الشعر، فلا تجد في فنه جهداً ولا إبداعاً، فهو كسهولة صنع العصيدة، يقول في قصيدة (الكباب):
وحدة الشعرِ قصيده قـلبوها كالعصيده
حينَ كبُّوا حولها الشرموطَ ماعت كالمديده
فاتركِ النقادَ واسمعْ صولةَ النفسِ الشريده
وجاء بصورة أخرى مشابهة لصورة العصيدة، لكنها لم تكن في مجال الذم او النقد، بل كانت وصفاً مجرداً للطعام، يرمي من ورائه إلى انصراف الناس عن قضايا العالم المزعجة، ولجوئهم إلى بيئتهم، إذ إنه قال هذه القصيدة على لسان صديق له، أيام الحرب العالمية الثانية، 1944م، وقد اختار لها اسماً سودانياً خالصاً (دمعة وكُشْنَة):
ودمعةٍ في بياضِ الصــحنِ فاقعةٍ يجري لها الريقُ أو تندى لها الحدَقُ
لم يكتشفْ صاغةُ الخرطومِ زُخْرُفَها من أي بــوتقةٍ يجـري ويتســقُ
أهــلةٌ بين أقــمارٍ يُشَكّــــِلُها سمنٌ زكـيٌّ شهيُّ النفـحِ يأتلِقُ
وهناك صورة فلكلورية تتعلق بالنساء، وهي صورة تمشيط شعر الرأس (المُشاط) وقد اختارها المجذوب لوصف نخلة، فجعل جريد سعف النخلة كشعر المرأة، على الرغم من أن موضوع القصيدة (الهجرة النبوية)، ولا صلة له بوصف النساء، لكن الوصف هنا جاء عارضاً، وجاءت الاستعارة لتأثير صورة المشاط في نفس الشاعر:
هل يسمعُ النيلُ شدوي فوقَ شاطئهِ حتى يمشِّطَ رأسَ النخلةِ السَّحَرُ
ومن الصور الفلكلورية في قصيدة (كلب وقرية) جرة الماء، وقد اسودت بفعل الزمن، فشبهها بالأمة التي تعمل في الحانة، وهي صورة اجتماعية معروفة في السودان عند الأجيال السابقة، كذلك ثوب الزَّراق الذي تلبسه هذه الأَمَة:
وجرةُ الماء مالت تغفو بركنٍ ظليلِ
كـأنها أَمـَةُ الـحانةِ في زَرَاقٍ ثقيلِ
وقد برز وصف الحانة في قصيدة (راية الحانة)، فهي تجسيد لشخصية الفرد السوداني، في عهد انتشار الحانات، وقد وصف الشاعر هنا مجموعة من أصحابه وندمائه، ثم شبه ضحكهم بفرقعة كرات شجر العشر، وقد استخدم لذلك الغرض لفظة (طرقع) العامية
طليقٌ ولا خيرَ في معشرٍ صحبتُهُمُ فصحبتُ الضجَرْ
عجلتُ إلى ودِّهِم جـــاهلا وماليَ في جهلتي مُعتَذَرْ
لهم ضَحِكٌ خـلتُهُ صادقاً وطَرْقَعَ مثلَ كُـراتِ العُشَرْ
وتظهر بيئة الحانة أيضاً في تشبيه المطر بلا سحاب في قصيدة (كركاب) حيث جعله كالمريسة الصافية :
اسمع إلى ضوضاءِ كركابِ يسُلُّ سيفا غيرَ ضرَّابِ
بلا سحابٍ غيثُه ممطرٌ مريسةً من غيرِ مُشْكابِ
واستخدم في قصيدة (عصابات) صورة ربات الحوانيت (الأنادي) في نقده لاختلاف الساسة وتصارعهم، وهي صورة معروفة في البيئة السودانية القديمة، حيث تتشاجر صاحبات الأنادي، جاء في كتاب الإنداية للطيب محمد الطيب: (فقد يكون الشجار بسبب استمالة شيخة فريقاً من السُكُرجية لإندايتها بغير سبب وجيه، وقد يكون بسبب استمالة شيخة لخليل زميلتها، فالشجار بينهن يبدأ لغطاً، ثم مطاعنة .....)، وأراد المجذوب أن يحط من قدر الصراعات السياسية والمتصارعين، فلجأ إلى هذه الصورة المنكرة من قبل المجتمع السوداني على الرغم من انتشارها :
فابكِ واضحكْ من بني قومِك أشباهِ الجرادِ
أين من مؤتمرِ الســودانِ أبطالُ النوادي
شتموا بعضُـهمُ بعضاً كَسِتَّاتِ الأنادي
جمع الشاعر في قصيدة (الشرير المتعلم) أكثر من صورة للبيئة السودانية، منها صور فلكلورية تتعلق بالمناسبات الاجتماعية، وهنا نقل صورة الطقوس التي قبل الزواج، ولم يكن يعني الزواج لذاته، بل استخدم هذه الصورة في هجاء أحد خصومه، فقد أراد ان يصفه بالزنيم، فكنى عن ذلك بنقل هذه الصورة الفلكلورية، ولم تخلُ القصيدة من نقد اجتماعي لبعض العادات الضارة التي تنتشر في المجتمع السوداني، مثل خفاض الإناث ودق الشفاه الذي لا يقل سوءاً عن الخفاض إذ إن المراد به قتل إحساس الشفاه، ولا شك أن المجذوب قد ربط هذه العادات السيئة بهجائه لذلك الرجل، ليشير إلى أن سوء هذا الرجل لا ينفصل عن الجوانب السيئة في المجتمع، فضرر هذا المهجو، كضرر تلك العادات:
ماضيكَ حاضرُك الذي لا يُحْسبُ وأبوكَ من هـو إنني أتعجَّبُ
لم يشهدِ المأذون ليلَةَ عُرْسهِ كـــــالطيِّبين ولم يُدَقَّ المَحْلَبُ
فبعد أن هجا خصمه مال إلى نقده اللاذع لمجتمعه السوادني فقال:
دقوا شفاهَ بناتِهِم لم يشْفِهِمْ وسمُ الشلوخِ ولا الخِفاضُ المُرْعِبُ
ويظهر الجانب الوطني وروح الانتماء في قصيدة (طبول واحتلال)، حيث يرجع بذاكرته إلى حروب الشرق التي ظهر فيها البطل عثمان دقنة، ولكنه يظهر جانباً سودانياً، يرمز به إلى استعداد السودانيين لقتال الأعداء، وهو قرع النحاس، ذلك الطبل الضخم الذي تقرعه القبائل في الحرب وفي كثير من المناسبات، ورمزية النحاس هنا رمزية وطنية تعني تمسك المجتمع السوداني بهذا التراث والتقاليد:
والأناشيدُ في تَمـايَ وفي التِّيبِ تُغَنِّي لدِقنةَ العبقريِّ
واستدروا النُّحاسَ عند أذان الفجرِ درّتْ أعماقُهُ بالدوِيِّ
وكرر المجذوب ذكر النحاس في قصيدة (شهيد توتي(
سلامٌ عليكم هاجت الغابُ شعلةً فماج به الأظـفارُ وانهمرَ الزَّأْرُ
نحــاسُ أبي البشرى لدينا وصيةٌ تفجَّرَ من آفاقِ إرزامِها الفجرُ
وجمعت قصيدة (سِيرة) ــ بالإمالة ــ صوراً شتى من سير العريس إلى عروسه، وهي من مطولات المجذوب، والمشاهد فيها كانت دقيقة للغاية حتى أنه صور الكحل في عيون الفتيات وتجالد الشبان بالسياط، واستخدم فيها ألفاظاً وتعابير سودانية خالصة، مثل الدلاليك ــ جمع دَلُّوكة ــ والزين والعديل:
البُنَيَّاتُ في ضـرامِ الدلاليك تَسَتَّرْن فـتنةً وانبهـارا
في عيونٍ تلفَّتَ الكحلُ فيهِنَّ وأصغى هنيهةً ثم طارا
نحن جئنا إليكِ يا أمَّها الليلةَ بالزينِ والعــديلِ المنقَّى
نحن جئناك حاملين جريدَ النخلِ فألاً على اخضرارٍ ورزقا
وهوى عاشقٌ وطار وأهوى السوطُ على منكبيه رعدا وبرقا
ما سقَتْني على الظما شفةٌ خضراءُ أحلى من الزُّلالِ وأنقى
ولم تكن قصيدة السيرة وصفاً مجرداً، بل هروباً من بيئة الخرطوم التي كرهها الشاعر خاصة الوظيفة التي كان يشغلها، ولا تخلو القصيدة من رمزية وطنية، فهو يرى السيرة تقليداً اجتماعياً لم يتركه أهل السودان على الرغم من سطوة المستعمر، وهنا توظيف للصورة الفلكلورية لغرض وطني، فقد أُعجِب الشاعر في هذه القصيدة بعادة كان قد أنكرها في موضع آخر، وهي دق الشفاه وتخضيرها، الأمر الذي يدل على أنه يريد المحافظة على مجتمعة بخيره وشرِّه، خوفاً من تبدله على يد المستعمر والثقافة الدخيلة، وقد تجلى فراره من هذه البيئة ووطنيته في أبيات أخرى من القصيدة كقوله:
أناْ أهـواكِ يا بلاديَ ما واليتُ غرباً ولا تبدلتُ شرقا
آهِ من قريتي البريئةِ لا تعلمُ كم في مدينةِ التُّرْكِ أشقى
فندقٌ لا جِوارَ فيه ولا أرحامَ تنهَى ولا مــعارفَ تبقى
وتكررت صورة العرس وطقوسه عند المجذوب، ففي قصيدة (العروس) ينقل صوراً أخرى، تسبق العرس، وهي صور تحدث في بيت العروس، مثل إعداد العطور البلدية، وتجمع النسوة لهذا الأمر، لكن الأمر لا يخلو من نقد أيضاً، فهو يرى العروس مرغمة على هذا الزواج ولا تملك أمرها لتتزوج ممن تحب:
شروا صندلاً حراً وظِفراً وصيغةً وعاجاً وحِجلاً سوف نملؤه سعدا
تسمـعتُ غـربالاً ودقاً ونسوةً يزغرِدن يحمَدن العروسَ وما أهدى
يُسَتِّرْن بغـضاءً ويُبدِين أوجهاً تُسَرُّ فما أجـفى النساءَ وما أندى
زواجُك رغمٌ جـازرٌ لا محبةٌ وهيهاتَ في السودانِ من نسجَ القدَّا
ومن الصور الفلكورية التي استهوت المجذوب صورة متعلقة بزينة النساء، وهي الدخان، فقد كررها في شعره غير مرةٍ، لكنه في قصيدة (غمائم الطلح) فصل الوصف تفصيلاً دقيقاً حيث ذكر تأثير الدخان على جسد المرأة، ووصف الحفرة التي تجلس فوقها هذه المرأة، وربط هذا الوصف بحلم المرأة بالرجل وحلمه بها، فلا يخلو الوصف من حسية وجنسية:
وحفرةٍ بدُخـــانِ الطلحِ فاغمةٍ تُنْدِي الرَّوادفَ تلــويناً وتعـطيرا
لمحتُ فيها ــ وما أمعنتُ ــ عاريةً تُخْفي وتُظهِرُ مثل النّجمِ مـذعورا
أرخى الدخـانُ لها سِتْرا فَبَعَّدها كدرةٍ في ضميرِ البحــرِ مسجورا
وشملةٍ غمرتْ ســاقينِ وابتدرتْ كالموجِ تلمسُ جيدا رفَّ مشهورا
تُكَتِّمُ العـطرَ حتى يرتوي عَرَقا منها الجمالُ كروضٍ بات مطمورا
ترى الدخــانَ على أثنائها زبداً كالريشِ في نسماتِ الصبحِ مبهورا
حتى إذا ما اكتفت قامــت وزايَلَها نَجْدٌ تساقطَ مثلَ الـدرِّ مــنثورا
تخــيَّلتْ وأمانيها منَضّـَرةٌ خلفَ الدُّخانِ حبيباً بات مـهجورا
وقد كرر الصورة في قصيدته (طفرة):
يا خُمارَ الطــلحِ والصندلِ يا ذنبَ التقاةِ
ما الذي يشردُ في عينيكِ يا ستَّ البناتِ؟
وكذلك في قصيدة (أرق)
الطلحُ ينفحُ غيمُه متسلقا يهوي يُكَشِّفُ عن قبابِ العاجِ
في قصيدة (ذهب الصبا) يلتفت المجذوب إلى بيئة الريف ويرمز بنضارة الريف إلى نضارة أيامه في الصبا قبل أن يؤثر فيه الكبر، وقبل أن تسري في نفسه المدنية وروح الخرطوم، وكانت هذه الرمزية متسقة مع مناسبة القصيدة، فهو يخاطب عبد الله الطيب، فيذكر أيام الصبا في الدامر التي نشأ فيها الرجلان، فتقترن عنده الذكرى بشجر السدر وقد أثمر نبقاً، ثم يقرن منظر النبق بصورة فلكلورية، فيشبه بالنبق زمام المرأة البدوية:
أذكرتَ أني قد شرِقْتُ بأدمعٍ كُدْرٌ وهُنَّ من الندى اللمَّاحِ
أتأملُ النبقَ المنضّرَ صيغةً منها زمامُ حبيبيَ المِسْماحِ
البيئة الاجتماعية :
تتضح بيئة القرية في قصيدة (في الخرطوم)، وفي نفس الشاعر نفور من بيئة المدينة، فقد غلب عليه طبع القروي، فعرَّض بعيش أهل الخرطوم من خلال وصف سعة العيش في الريف، والصورة السودانية هنا، صورة الحوش والمطمورة، حيث يظهر تأثر الشاعر بالبيئة الزراعية، التي تسود قرى السودان في جميع أقاليمه:
ما ضاق حَوشٌ ولا نفسٌ بها سَعَةٌ والعَينُ تسرحُ في استبشارِ ليمـونِ
وفي المطـاميرِ وديانٌ وساقيةٌ خضراءُ دارتْ بعيشٍ غيرِ ممنونِ
وفي قصيدة (في بحر الغزال) يظهر أثر بيئي ثقافي يعاني منه الشاعر، فهو متنازع الهوى بين الزنج والعرب، وهذه سمة ثقافية غلبت على أهل السودان كلهم، حيث إن السودان عربي إفريقي، فقد أقرَّ الشاعر بهذا الصراع بين الثقافتين، ولا شك أن تعبير (ضاع أمرك) قصد به الشاعر هذا الصراع بكل مآلاته السياسية والاجتماعية والثقافية:
ما في الِّشمالِ ولا في الغربِ من وطرٍ وضاعَ أمرُكَ بين الزَّنجِ والعرَبِ
وتعتبر قصيدة (أعداء وصديق) ثرثرة من حلاق ثم صاغها الشاعر شعراً، حيث صور البيئة فيها، والغرض من التصوير نقد اجتماعي أيضاً للمكاسب الخبيثة التي تُظْهِرُ النعمة على أصحابها، وقد أشار إلى خبث المكسب بذكر أم ذلك الرجل ومهنتها، ثم خلط المجذوب هذا النقد الاجتماعي:
ألم ترَى يا ــ أستاذُ ــ قصراً أقامه فلانٌ وكانت أمُّهُ ذاتُ مورِدِ
فمن الصور الاجتماعية المنكرة صورة نساء المواخير، استخدمها الشاعر على لسان الحلاق لإنكار ما آل إليه ذلك المهجو، ثم استخدم المجذوب الصورة نفسها في هجاء أحد أعدائه في قصيدة (مجرم في جريدة) فجعله زنيماً وشبهه بالواقفات على الأبواب، أي ربات المواخير :
أأنت مثلُكَ للسودان منتسِــبٌ ولستَ في حـسَبٍ منه ولا دينِ
خلِّ الجرائدَ وامـلأ غيرَها خبثا والحقْ بأمِّك لم تسمعْ بمأذونِ
وأطعمتْكَ فصرتَ اليومَ ذا قلمٍ كالواقفاتِ على الأبوابِ مأبونِ