الخميس، 19 تشرين1/أكتوير 2017

board

آثار الشرق من العصر الحجري وحتى الآن (2)

أركويت:أحمد بامنت
هي محاولة للهروب من رهق كتابة التقارير الأخبارية والسياسية التي تصيب بالغثيان .فكل تقرير يصدر تخرج معه آلاف الهزائم وكميات من الإحباط والقلق لمآلات لا تخفى على أحد,,,

فجاءت فكرة التنوع وطرق ضرب آخر لم التفت له من ذي قبل وساقني في ذلك حديث دار بالقرب مني عن منطقة مامان بشرق السودان وتقارب المفردة مع لفظ هامان ومن هنا بدأت الرحلة التي ساقتني الى عوالم أخرى لم تكن في الحسبان ,طوفنا من خلالها في أرجاء الشرق بولايتي كسلا والبحر الأحمر وذلك قبل زيارة الشيخة موزة للبلاد لنفتح صفحات من كتاب حضارة وآثار السودان.  في طريق عودتنا من منطقة سلالاسير منطقة الكتابة الصخرية في فترة العصر الحجري وبكل دهشتنا بما رأينا وانفعالنا بحجم كل تلك الآثار المنسية والمهملة والتي لم يسلط عليها الضوء وسط تلك الحالة والحماسة التي سرت بينا (فريق العمل) لسبر أغوار تلك المناطق وتحريك المياه الساكنة حول آثار وحضارة شرق السودان . يقذف الأستاذ عبد الله أوبشار بمفاجأة أخرى غدا نذهب لمنطقة أركويت « « أركويت قالها الاخ عبد الرحيم المصور باستغراب فأركويت ارتبطت في مخيلة الجميع على أنها منطقة سياحية من الدرجة الأولى وذلك لما تمتاز به من مناخ معتدل طول أيام السنة فهي مصيف أهالي مدينة بورتسودان والمنتجع الأشهر لقضاء شهر العسل...  أم ان تكون وجهتنا في رحلة الكشف عن آثار وحضارة شرق السودان هو ما جعلنا نستفهم اكثر وهل توجد بأركويت آثار وما نوع تلك الآثار ولاية حقبة ترجع تلك الآثار،،، جملة من الأسئلة المتلاحقة كنا نرمي بها في وجه الأستاذ اوبشار الذي أجاب بابتسامة تخفي وراءها الكثير.
الطريق إلى أركويت
أشرقت شمس اليوم الثاني علينا في مدينة بورتسودان وحزمنا امتعتنا وشددنا الرحال صوب مدينة الضباب مدينة أركويت, فقد كان الجو صحوا, فالشروق من سواحل البحر الأحمر يمنح الشخص حيوية ويجعله مفعما بالحماسة والنشاط . فالطريق الى أركويت سالكة وممهدة عكس طريق  سلالاسيروعلى طول الطريق الأسفلت بدأت تلوح لنا اكوام الحجارة والصخور الممتدة على طول الطريق وهي ما تعرف بـ(الاكراتيل) وعلى كثرتها إلا انها ليس لها ارتفاع كبير عن سطح الأرض. وبدأ يشرح لنا محدثنا الأستاذ اوبشار سر انتشار تلك الاكراتيل ونمط وطريقة البناء حتى توقفنا عند نقطة بعينها , وبدا لنا الدليل واثقاً من أن هذه هي المنطقة المعنية  حيث توجد مقبرة أركويت.
المقبرة
مقبرة أركويت أو جبانة اركويت الشهيرة النظر اليها من الوهلة الأولى يعتقد انها بناء لمنزل  لم يكتمل بعد،، فأكوام الحجارة والصخور المتراصة بشكل هندسي دقيق يعكس انها تمت وفق رؤية ودراية وبحنكة متناهية, حيث تتكون من ثلاث غرف مترابطة في شكل هلالي وبممرات وإن كانت هنالك بعض الجوانب من هذا البناء متهالكة ، بناء للحجارة وصخور تقوم فوق بعضها البعض وبدون مواد بناء(مونة) على شكل ترابط (التشبيك) مع متانة واضحة لذلك البناء الذي يرتفع عن سطح الأرض بصورة لافتة شمال الطريق المؤدي لمدينة اركويت . اشار  الباحث الأستاذ عبد الله اوبشار مدير مركز ثقافة وحضارة البجا الى أن هذه المنطقة تنتشر فيها مثل هذه المدافن . وقال ان السكان المحليين يتعاملون معها بشيء من الحيطة والحذر فهم لا يعرفون عنها الكثير هو ما أسهم في المحافظة على الكثير منها على حالها  فلم يتعرض لها احد بشيء سوى عوامل التعرية والمتغيرات الخارجية . وقال ان مقبرة أركويت تختلف عن تلك المدافن الكثيرة المنتشرة في المنطقة وذلك لارتفاعها الكبير . فهي تقوم بارتفاع (14)مترا وبطول يتجاوز(13) مترا مما يجعلها الأكبر والأضخم . واردف قائلا ان هذه المقبرة قد تماثل الى حد كبير المقابر والمدافن القديمة الموجودة بمنطقة الكرو. وناشد الجهات المختصة لاجراء الحفريات الأثرية للكشف عن تاريخ هذه المقبرة . وابتدر خبير الآثار الاستاذ ابوعبيدة الماحي خليفة افاداته حول المنطقة بالحديث عن فكرة الموت عند القدماء وفي التاريخ القديم عموماً. وقال ان الموت عندهم يرتبط بمفهوم الخلود والحياة الابدية, ولهذا كان القدماء يتخيرون أفضل المواقع لإقامة المدافن وهو ما نجده ماثلا في مقبرة أركويت فهي تقع على الناحية الغربية لخور بدهمي وهي منطقة مرتفعة وبعيدة عن مجرى الماء ،، وأضاف خبير الآثار اننا نلاحظ ان أغلب المدافن القديمة مرت بمراحل تمثل مراحل تطور فكر القدماء فكانت المرحلة الأولى الحفر ـــ الركام ـــ أكوام ركامية بحواجز على شكل حدوة حصان الى ان وصلت مرحلة البناء الهرمي المعروف. وقال اللافت أن جبانة اركويت تتوافر فيها أغلب تلك المراحل وتلاحظ من خلال المسح الأولي الذي أجريناه على جبانة اركويت ان هذه المقبرة بها القاعدة الهرمية وحدوة الحصان بجانب المقصورة الجنائزية فهي بالتالي تضاهي  أنماط المدافن القديمة ، واضاف خبير الآثار الاستاذ الماحي ان المدافن تقوم على طريقتين هما بناء فوقي ويكون على شكل هرمي أو اكوام ترابية او صخرية. وبناء سفلي يكون في باطن الأرض وهو الجزء الذي يوضع فيه الميت بكل مقتنايه ومتعلقاته التي ترافقه في الحياة الأبدية وفقا لمعتقداتهم آنذاك .
غرف جنائزية
وأوضح الاستاذ الماحي ان جبانة أركويت تقوم على ارتفاع تجاوز (170)سنتمترا وبطول(24)مترا في (13)مترا بها (3) ثلاث غرف جنائزية كما نلاحظ من وجود(2)حدوة الحصان والذي يمتد بطول (7)أمتار ونصف المتر بارتفاع متر ونصف عن سطح الأرض فضلا عن المقصورة الدائرية التي تقع في الجزء الشمالي الشرقي من المدفن. وقال لا استبعد ان يكون هو المدخل للهرم فهنالك ترابط للبناء بين تلك الغرف الجنائزية الثلاث .وكل تلك الشواهد تؤكد ان هذه الجبانة تخفي الكثير من الغموض. واردف قائلا انه ومن خلال استطلاعاته الاولية مع السكان المحليين لمعرفة تاريخ تلك الجبانة أفادوا أنها ترجع الى عهد الرومان إلا انهم لم يجزموا بذلك. واكد الباحث ابوعبيدة الماحي الى ان المدافن تمثل شواهد كورنلوجية لتحديد الفترات والحقب التاريخية فضلا عن انها تعكس المكانة الاجتماعية للميت, بجانب الموجودات والمقتنيات المحفوظة داخل المقبرة وعلى ضوء ذلك يمكن ان نحدد بصورة قاطعة تاريخ تلك المقبرة ولكنها من خلال تلك الشواهد والمسح الأولى نستطيع ان نؤكد ان هذه المقبرة قد تكون سابقة لحضارة مملكة نبتة أو ربما موازية لها.
مناطق غنية
 وأكد رئيس قسم الآثار بجامعة الخرطوم الدكتور احمد حسين عبد الرحمن ان مناطق شرق السودان من المناطق الغنية جدا بالآثار الشاخصة والمنتشرة على امتداد المنطقة من ولايتي كسلا والبحر الاحمر. وقال ان جامعة الخرطوم لديها مشروع باسم الدراسات الآثارية والثقافية والبيئية لمناطق شرق السودان. واكد ان المشروع بدأ أعماله من العام الماضي وقمنا من خلاله بتسجيل العديد من المناطق الأثرية بشرق السودان. واضاف اننا الآن جئنا على رأس وفد كبير للوقوف على تلك الآثار. وقد زرنا كذلك منطقة خور نوبت والتي تعود الى فترات اسلامية مبكرة .مبينا ان هنالك مناطق  أثرية تعود الى فترات مختلفة ولها اهميتها في تاريخ وحضارة السودان. واردف الدكتور عبد الرحمن انه تم اكتشاف الكثير من المواقع الأثرية ,وحول مقبرة أركوريت أكد الدكتور ان هذه المقبرة تعد من أجمل المواقع الاثرية وقلما تجد مثلها. وقال إنهم بصدد اجراء الحفريات الأثرية عليها لاكتشاف أسرارها وتحديد انها تعود الى أي الحقب.
آثار مهملة
فيما أفادات مدير ادارة البحث العلمي بجامعة الخرطوم البروفيسور انتصار صغيرون اكدت ان آثار شرق السودان من الآثار المهملة والتي لم تسلط عليها الأضواء. وقالت ان هنالك دراسة اولية تمت على مقبرة اركويت وقد أجراها الراحل البروفيسور انور عبدالماجد واستخدم خلالها كربون (14) المشع وأثبتت الدراسة ان هذه المقبرة قد تعود الى القرن الثاني عشر أو الربع عشر الميلاد. واكدت صغيرون انهم بصدد اجراء دراسات مفصلة وعمل حفريات وتحديد من المدفون فيها. وناشدت السلطات بالاهتمام بتلك المواقع وحمايتها والمحافظة عليها من التعدي والسطو خاصة مع ارتفاع حمى التنقيب الاهلي عن الذهب الأمر الذي يتطلب الإسراع في حماية تلك الآثار. واضافت انهم سيعملون على تسوير تلك المقبرة ووضع لافتات تعرف المواطنين بها . ستظل التحديات ماثلة أمام السلطات والجهات المعنية للإسراع في المحافظة على ذلك الإرث الاثري الذي يؤكد عمق وتجذر حضارة شرق السودان كجزء من المكونات الفاعلة في تاريخ وحضارة السودان .