>   من الأشياء التي تُعْجِب حقيقة.. إن التيار الكهربائي مُستمر بانسياب يؤكد أن هناك مجهود يُبذل من الإخوة في وزارة الكهرباء والسدود.
>   وهذه واحدة من المشاريع المهمة التي أُنجزت بصورة علمية مؤسَّسة، بُذلت فيها أموالاً لا توصف. في وقت سابق كنا نعيش الظلام حقيقة وواقعاً شهوراً طويلة على مدار العام، ولكنا لا نعشم في تيار حتى لساعات ولو قليلة نبرِّد فيها ماءً نشربه علَّه يُطفئ حرارة الجوف المحروق، أو حتى ساعات يستذكر فيها أبناءنا درساً علَّه ينفعهم. فقد تعوَّدنا الاستذكار ليلاً وما أدراك ما الليل وهدوء الليل.
>   الآن الكهرباء تحديداً في الخرطوم تعمل على مدار ساعات اليوم، نسأل الله ألا يريها مكروهاً في أسلاكها ومصادرها.
>   وهنا لا بد من الإشارة لأخونا المهندس عوض مكاوي الذي كان وزيراً لهذا المرفق الحيوي، وبذل فيه هو الآخر مجهوداً كبيراً. ولا بد أن نتذكر في هذه السطور الأستاذ أسامة عبدالله الذي كان مجتهداً في إنشاء هذه السدود حتى سُمِّيَ بأسامة سدود، جزاه الله خيراً فقد أنتج لنا (كهربة) نحصدها اليوم.. لكن المهندس مكاوي هو صانع هذه الإنجازات الكهربائية، فقد تدرَّج الرجل في الوظائف بالكهرباء حتى وصل سقفها وزيراً، وهو من الذين يُصنَّفوا من المميزين بعد الشهيد محمود شريف في فنيات كيف ننتج كهرباء، وضمان تيار كهربائي مستمر.
>   المحافظة على كهربتنا أمر وطني مهم جداً، ويُحمد لأمر الترشيد أنه أصبح أمراً محسوباً بالدفع المقدم.. يلعب هو الآخر دور بارع في عملية الحفاظ عليها.
لكن تجدونا غير راضين على سعرها المرتفع رغم دعمها الشهري، خاصة في قيمة إيجار العداد الشهري الذي نحسب أنه جاء كفرض عين دون رحمة ولا شفقة على المواطن المسكين.. وأعتقد أن العاملين في وزارة الكهرباء لديهم حافزاً بإعفائهم لكمية كهرباء معينة شهرياً، هذا الإعفاء هو الذي يجعلهم لا يحرِّكون ساكناً في إلغائه من الفاتورة الشهرية، فوقع أثره غليظاً علي ناس «محمد أحمد».
>   إذا أفلحت إدارة الكهرباء في إلغاء هذه الفاتورة الخاصة بالإيجار الشهري للعداد، أمراً طيباً يجعلنا على الدوام مُخلصين لهذه الوزارة التي تضم صراحة شخصيات ذات خُلق وأخلاق وسماحة روح. نحن نشكو لهذه الشخصيات «حرقة» هذه الجنيهات التي تؤخذ منا دون وجه حق شهرياً.. تخيلوا عائدها الشهري من كل المواطنين كم يكون؟ مبالغ ضخمة.. بمعنى نكون بذلك اشترينا العداد لأكثر من ثلاثمائة مرة..أو قل أكثر. إذن.. ما السبب الذي يجعل هذا الإيجار سارياً بعد أن تم تسديد كل مبلغ شرائه تماماً؟.
>   الآن تذكرني وزارة الكهرباء بالسيارة التي كانت تُعاني مشكلة «البلقات الطافية»، وفجأة استبدلت بلقاتها الطافية فارتاحت وهدَّأت هذه البلقات ماكينتها القديمة وأجهزتها البالية التي استُبدلت بالحديث الجديد الذي جعلها ارتاحت في عمليتها الإنتاجية بصورة مُرضية جداً وطيبة.
>   والشيء الذي يجب ذكره أننا أصبحنا من الدول المصدِّرة للكهرباء. ورغم أني كنت أتمنى أن تصل الكهرباء عندنا كل قرية وكل فريق وكل غرفة استناداً للمقولة الشهيرة (الزيت كان ما كفى أهل البيت حرام على الجيران).
>   لكنا لا نخاف على مستقبل الكهرباء في السودان طالما عليها رجال بمواصفات عالية الجودة كشأن كهربتهم التي تصنع من السدود.
>   في لقاء عابر جمعني مع رجل فاضل يجبرك أن تحترمه وللأسف لم أكن أن أتلمَّح ملامحه، لكن يُعطيك إحساساً طيباً عنه في مظهره العام، فسألت عنه الأخ المهندس مبارك الخليفة وهو الآخر من الذين يُؤتمن فيهم وفي ما يصدرون من معلومات فأعطاني خلفية طيبة عنه إنه المهندس موسى عمر أبو القاسم وكيل وزارة الكهرباء والسدود فتيقنت من سر نجاح عمل هذه الوزارة طالما وزيرها مهندس معتز موسى وهذا وكيلها.. أكيد إيجار العداد الشهري زائل زائل، ولو بعد حين من فاتورة الكهرباء.
>   وفي دردشة جانبية قلت للسيد المهندس موسى أظنكم يا سعادتكم حينما كنتم تشغلون منصب معتمد بحري كانت بحري على عهدكم «نظيفة» ومشرِّفة.. وقطعاً سيشهد عهدكم في وزارة الكهرباء والسدود ذات «النظافة» والاهتمام بها لضمان جودة «كيبلاتها» في استمرار تيارها على مدار الساعة كما هو الآن.. ضحك الرجل بتهذيب شديد وانصرفنا.. وخرجت بانطباع جيِّد أن الإصحاح في مؤسساتنا قد بدأ باستبدال الجيِّد بما هو أكثر جودة.. سألني أحد القراء هل ستكتب عن القطوعات هذه الأيام؟ بناء على ما أشرت إليه في عمود الأمس عن نيتنا في الكتابة حول كهربتنا.. أقول إنها قطوعات مبرمجة لأجل الصيانة حتماً ستحسم خلال يومين.
«إن قُدِّر لنا نعود»..

>   لا أعرف حتى اللحظة، ما هو سر القلق الذي ينتاب الناس هذه الأيام من العملية الانتخابية القادمة؟. وفي واقع الأمر، هي صورة من صور الديمقراطية التي تنشُدها الأمة جمعاء، بل كل العالم يؤمن بفكرتها ونجاحها في إرساء مفاهيم ضد الديكتاتورية والتعسُّف الذي يظنون أنَّه سائد بالبلاد.
>   ستمر الانتخابات بهدوء حسب توقُّعاتنا، وحسب المؤشرات التي تردنا من هنا وهناك، وأنها عملية في منتهى البساطة (عاوز فلان ولاَّااا ما عاوزه)؟.. كل القصة عاوزه ومقتنع بيه أشِّر ليه بالمرور، ما عاوزه (كرِّص) ليه بالإبعاد، وانتهى الموضوع. وين المشكلة؟.
>   المشكلة الوحيدة، إنك ما تمشي تصوِّت لأنه بكده بتكون عرقلت العملية برُمتها وعقَّدتها وخسَّرت البلاد أموالاً لا حصر لها، وربما تسببت في كثير من المشاكل التي لا يمكن أن تتوقعها لا قدَّر الله.
>   هناك بعض الناس يريدون -حسب هواهم ونفسياتهم ومصالحهم الشخصية- يريدون (البلبلة) والمشاكل حول أشياء وقضايا يزيدونها تعقيداً.. دعوا الشعب يختار من يحكمه ومن يأتي لكراسي الحكم دون تدخُّل من هنا وهناك.. فقط عليكم باحترام الدولة وقوانينها ودساتيرها التي أيَّدها الشعب في تمثيله البرلماني بعضوية الدوائر الجغرافية وغيرها في المجالس المنتخبة.
>   لماذا هذه الضوضاء وهذا القلق والتشاؤم الذي لا مبرر له؟!.
>   أغرب ما تواردته بعض الصحف اليومية والأجهزة الإعلامية، هو فكرة بعض الأحزاب في وضع صناديق لها بمراكز أحزابها تأتي عضويتها وتقوم بوضع أوراقاً مكتوب عليها نقاطع الانتخابات.. هذا المستوى من التفكير، يدعو للقلق على هذا الحال الذي توصَّلت إليه هذه الأحزاب من تدنٍ فكري وسياسي، كان عليها أن تقول لعضويتها اذهبوا لصناديق الاقتراع وقولوا (لا) لمن لا تريدونه، وإن كان لكم من الذين ترغبون في وصولهم للسلطة، قولوا لهم (نعم) بكل بساطة ودون تكلفة لا مالية ولا ذهنية ولا زمنية.
>   لكن يبدو أن الهدف من ذلك يوضحه هذا الفكر الغريب في أطواره، إنها نِكاية في المؤتمر الوطني باعتباره حزباً كبيراً منظماً جاهزاً عدة وعتاداً وعضوية.. وتعني أيضاً إفشال العملية الانتخابية في ذاتها بخلق صناديق اقتراع أخرى تكون شبيهة بالسلاح (الفشنك) الذي يُحدث صوتاً ولا يأتي فعلاً نافعاً، حسب ما هو مصوَّب تجاهه.
>   صدقوني لو كان لهذه الأحزاب في بعضها (بالتأكيد) برنامجاً قوياً سليماً وعضوية (فالحة) مقنعة، لما كانت مثل هذه الفكرة الخائبة من المطروحات البدائل لمحاربة العملية الانتخابية في جميعها.
>   لكنها حيلة المُفلس! تذكرني بفتُوات الألعاب الشبابية حينها حينما يقولون (يا فيها يا أخفيها). ويقصدون الكرة التي كنا نلعب بها. قلنا حرصاً على الكرة نقبلهم يلعبون معنا رغم عدم (كياشتهم) وقلة حيلتهم سوى (العضلات) والفكر (المفتل).
>   بكل ما هو حادث لا أعتقد أن الذي يحدث من مثل هذه التصريحات يقود لشيء يشكرون عليه هؤلاء الناس، وأنهم يضيِّعون وقتهم فيما لا ينفع ولا يفيد البلاد والعباد.
>   قطعاً ستقوم الانتخابات كما هو مُخطط لها في مواعيدها المضروبة مع الشعب السوداني، والمفوضية أعدت العُدة لهذه المناسبة السياسية المهمة في المفاصل التاريخية للبلاد.
>   نتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يهدي الجميع لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يتبارك لنا في كل خطواتنا نحو الفلاح والنجاح والسداد، لأجل هذا الوطن الذي يستحق كل عناية ومحافظة ورعاية، لما فيه من الخيرات المتدفِّقة في كل ما يطمع فيه العالم من الدول التي تربت وعاشت على استعمار البلاد وقهر شعوبها وذلتهم.. اللهم أكفنا شرهم إن لم نتحد ونتوحَّد، سنكون لقمة سائغة لهم كما هم يفعلون الآن في اليمن والعراق وليبيا ومصر ودولة الجنوب (دي جديدة كمان)، دخلت التصنيف لمواردها الغنية، وسوريا للأسف نحن لا ندرك بأننا من الدول المستهدفة لدمارنا وخرابنا حتى لا نفلح في التنمية والتطور والنماء ليجعلونا في حروب دائمة ومستمرة منشغلين ليضمنوا أن ما في باطن الأرض لهم يأتونه يوماً لينهبوه ويسرقوه هكذا يخططون.. (انتو فاهمين حاجة؟! طيب المشاكل دي شنو)؟!.
>   انظروا للسودان الوطن قبل مكايدة الحكومات ومعاندتها، فأخيراً الضحية المواطن والوطن.
>   باكر أحدثكم بإذن الله عن كهربتنا!!.
(إن قُدِّر لنا نعود)..

>   كل من فقد أحد أبويه فهو يتيم.. ما أجمل الأسرة حين تكون مُكتملة الأركان، أمَّاً وأباً.. فلكلٍ منهما دورٌ كبير وعظيم لا يُدركه البعض.
>   انظر لحال اليتيم الذي فقد أحد والديه، لا يمكن أن تجده في حالة مستقيمة مهما كان دور «الواحد» من الوالدين فعَّال.. فتجده ناقصاً التكوين في الفكرة والمضمون.
>   ألم يكن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ووصيته في حق اليتيم غير هادفٍ حين قال «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى.
>   كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يرى برؤية إستراتيجية عميقة بعيدة المدى، إن ركناً في أركان البناية قد انهد.. من الذي يستطيع أن يُقيمه حتى لا يضيع الدور وتنتهي الفكرة؟.
>   تبقى المأساة أكبر لو ماتت الأم، سرٌ عجيب ينكسر، وخاطر الطفل أكثر انكساراً، وتجثُم عليه الحسرة من هول المستقبل المجهول.. لا حول ولا قوة إلا بالله!.. لكن لو مات الأب، يا سبحان الله! تكونُ المأساة كما في حالة موت الأم.
>   لذا كثيراً ما نقول إن الأم مدرسة وما أدراك ما المدرسة، تبني وتُثبِّت وتُلقِّن وتُخرِّج، الرسالة كما ينبغي لها.
>   يفشل الآباء حين تموت نسائهم ويترُكن لهم صبية.. يفشلون في تربيتهم وكل شيء تتخيلونه.. خاصة لو «إدهول» على روحه وتزوَّج بأخرى، وما أسرع الرجال الذين يسرعون الخُطى للزواج حين سماعهم فقط بموت نسائهم! «قاعدين على الحركرك». يعني على «الهبشة».. تأتي المرأة الثانية وتزيد في كثيرها الطين بلة.
>   لا تعرف هذه الجديدة حاجات اليتامى الداخلية التي لا تعرفها ولا تحسها، إلا التي حملتهم وهناً على وهن.. هي الوحيدة التي تفهم كل شيء.. لذا زوجة الأب لا تكون بديلاً إن لم تكن في الأصل «نيلة».. ومهما نجحت وفلحت، لا يمكن أن تسُد حاجة اليتيم. «فتقليد المفتاح لا يكون هو بديل الأصل». لكنه يؤدي المهمة وسرعان، «ما يتلكْلك».
>   أنا يتيم لأني فقدت الأم، ومنذ ذلك الحين فقدت كل شيء تتخيلونه.. أي شيء طعمه حلو لا أتذوَّقه ولا أستلِذ منه.. فطعم كل شيء أصبح بالنسبة لي أداء واجب حتى تستمر الحياة، لأن الحياة لا تتوقف إلا بالموت. ولو كان الناس يموتون بموت الآخرين، لكنتُ أول الناس موتاً مع والدتي رحمها الله. فالدنيا بعدها لا تسُر.. صدقوني الناس تفرح، وتتزوج، وتغترب، وتسافر، وتهاجر، وتفعل«ما بعدها»، إلا أن الواقع مُر، وركن الأم مهم جداً في ركني الأسرة.
>   مهما فعلنا وتحمَّسنا يوماً وأسبوعاً وشهراً وعاماً، سرعان ما نتخلى عن الأيتام إن كانوا لنا قرابة لصيقة وشديدة.. فالأب حين تموت زوجته يتزوج غيرها، وحين يموت الرجل تتزوج المرأة غيره، ويضيع الأبناء مهما كانت طيبة وحنيَّة رجل الأم، أو زوجة الأب.. لكن الوضع يختلف يسعى اليتيم حين يكبر والده لتزويجه من امرأة أخرى لأن الابن نضج وكبر، ولأن الأب يحتاج لمن تعينه في حياته وربما يدخل ذلك عليك سعادة وسروراً.. لكن في القلب حسرة لا تفارقك لأن الأصل مُريح.
>   انظر لليتيم في عينيه، تجدهما ليستا كعيني الأطفال الذين في حِرز والديهما. اختلاف كبير عين اليتيم تملؤها الحسرة والحزن والأسى والأخرى من العيون غير اليتيمة تجدها مُشرقة فرحة، فيها نشوة حتى إن كانوا إخوة غير أشقاء.
>   مسكين اليتيم الذي يفقد والده أو والدته في بدايات الحياة، لن يستقيم عوده وحتى إن استقام يكسوه الحزن على الدوام.
>   الذي تموت والدته يُعرف باليتيم وتُعرف علمياً الأسرة بأنه قد أصابها التصدُّع الفيزيقي أي البنائي فقد انهد أحد أركانها فهل تستقيم العمارة لو انكسر عمودها؟.. بالتأكيد لا، وهكذا لو مات الأب أو مات كل منهما فهذا تصدُّع بنائي مركَّب.
>   الآن غياب الأب في سفره أو هجرته أو طلاقه يُشكِّل هذا النوع من التصدُّع البنائي، إضافة للنوع الآخر. وما يُعرف بالتصدُّع النفسي للأسرة، أي فساد جوها النفسي.. وهكذا يُشكِّله أيضاً الإدمان لأحد الوالدين خمراً أو غيره أو لهواً أو لعباً دون تركيز واهتمام بضرورات وحاجيات الأسرة.. تُعرف الأسرة هنا بأن جوها النفسي سيئ.
>   كثير من الأسر مليئة بالمآسي والآلام والحزن الدفين، ولكن ماذا عساه يفعلون، إلا بقضاء الله هم راضون.
>   إلى الذين ما زال والدِيهم على قيد الحياة اذهبوا سريعاً والحقوا بهم رحمة ومحبة وعطفاً ووداً، وأكرموهم لتنالوا من حنانهم أكثر ما هو مقرر، تفوزوا ديناً وآخرة، أنتم المحظوظون. فاليوم هم معكم ولكن لا تدروا بغدٍ قريب ماذا يحدث ويصير؟.
>   هنيئاً للذي والديه معه على قيد الحياة، ورعاهما وحباهما وأحسن إليهما.. وتعيس من هما معه ولكنه أهملهما وتركهما وأضاعهما.. فقط حين ينجب الطفل يعرف قيمتهما.
>   عليكم بالوالدين أو أحدهما، فحال اليتيم لا يسُر ولا يُفرح، فالحسرة تلازمه حتى يموت. فلا تهملوا في آبائكم فهم الملاذ عند المحن.
«إن قُدِّر لنا نعود»..

>   لو تأملنا حالنا من قبل فترة من الزمن ليست بالطويلة، نجد أننا كنا «ورا» جداً. يعني أكثر بؤساً وتخلُّفاً وفقراً وتعاسة، والله هذه حقيقة وواقع لا يُنكره أحد.
>   بني آدم هذا، بطبعه طموح وكثير الطلب، ولا يملأ عينه إلا التراب أو كما يقولون.. مهما نال، كنار جهنم كلما سألوه هل اكتفيت؟ يقول هل من مزيد!.
>   ولن يتوقف يوماً ما، عن السعي لكسب المزيد، ولكن السؤال، هل يقابل كل ذلك العطاء الرباني بالحمد والشكر له؟.
>   لو حمد الله وشكره زاده الله أكثر، ونزلت في نفسه البركة والرحمة، ولامتلأ قناعةً وطيب خاطر.. لكنا نحلم فلن تحدث قناعة ولن يطيب خاطر، طالما هو لا يحمد الله ولا يشكره. وهذا بالضبط هو الذي يحدث، وحادث مع بني آدم هذا.
>   قبل فترة وجيزة، كان الناس إن لم يكن جميعهم، فالكثير منهم لا يعرفون امتلاك المنازل ولا يحلم أحدهم بأن يمتلك «قطعة قماش» ناهيك أن يكون مالكاً لقطعة أرض مميزة أو قُل بيتاً كما ملَّكت الإنقاذ الكثيرين منهم، بيوتاً مشيَّدة وكهرباء وماء وسائر الخدمات، ولكن أكثر الناس لا يشكرون ولا يحمدون.
>   الآن كل من هبَّ ودبَّ له بدل البيت بيوت، وقطع أراضٍ لا عدد لها، ولكنهم لا يحمدون، بل يريدون المزيد.. والآن تسمع الشباب من صغار السن لهم عمارات في مواقع مميزة، ولم يكن منهم من يحلم بها يوماً. والذي ليس عنده يقول لك عندي شقة بشطِّب فيها، «تشطِّب فيها شنو يا أخي» بالله خلينا؟!. قريباً كان لك سريراً تضع رأسك عليه في بيت الورثة الذي تضيق به الأسرة.
>   الآن يشطِّب في شقة في أحسن المواقع لوحده! وفي السابق لا يملك بيتاً إلا كبار السن الذين شيدوه من عرق جبينهم من«الجالوص» ورمل السفَّاي. الآن الشباب يمتلكون عمارات من الأسمنت والسيخ المُسلَّح، ولكنهم لا يحمدون.. ولم نسمع يومها إن شاباً يملك منزلاً، فكان الناس شركاء في بيوت العائلة، والذي يملك منزلاً إلا يكون وارثاً إرثاً كبيراً فقط. أما ناس «قريعتي راحت ديل» عزابة وإيجار بس!.
>   كنا حين نشاهد شخصاً يحمل مفتاحاً في يده، نباريه حتى بوابة الشارع لنرى ماذا يقود. وإن كان أقصاه «موتراً» ننظر إليه بإعجاب إنه يملك ما يحل له مشكلة المواصلات، وكان بموتره هذا مقبولاً لكثير من الأسر إذا تقدم طالباً (يد ابنتهم)، فالرجل يملك شيئاً.. الآن سيارات فارهة باختلاف ألوانها وأشكالها، فصارت نظرتنا عادية إذا كان يحمل من المفاتيح «ريموت كنترول» كما هو السائد في مفاتيح السيارات الفارهة اليوم، يمتلكها كل من هبَّ ودبَّ إن لم تكن له مِلكاً فقد جعلتها له الإنقاذ يبتختر بها (وكمان معها بنزينها)! ولكنه لا يحمد ولا يشكر، بل تجده متضجراً ساخطاً يطلب المزيد دون وجه حق.. حيث حصيلة ما يقدم مقابل ما ملَّكته له الدولة، صفراً إلا من رحم ربي فيهم. ولكنهم لا يحمدون ولا يشكرون.
>   من عدم الحمد والشكر جاء الضيق وجاء الكرب، واتسعت رقعة الفقر ليس المادي فحسب، بل الفقر الروحي لدرجات الحمد والشكر لله على نعمه وفضله.
>   في السابق كانت السيارات بالعدد، ولمن هم نشأوا في الأسر الكبيرة كأسرة أبو العلاء وآل النفيدي والبرير والشيخ مصطفى الأمين وأسرة عبد الحميد المهدي رحمهم الله جميعاً، هم الذين يمتلكون هذه السيارات المتواضعة حتى حينها.
>  الآن الذي لا يملك سيارة قليل من هذا الشعب.. حتى امتلأت الطرقات بالسيارات الفارهة العالية باهظة الثمن بموديلاتها، تمنح لكل من هبَّ ودبَّ، وكثيرون منهم لا يحسنون  قيادتها ولا اهتمام ولا حتى شكر ولا حمد!.
>   لم تكن لهذه السيارات طُرق معبَّدة تسير عليها، أكثرها وغالبيتها الردميات من التراب والخرصان.. الآن الطرق في جميعها مسفلتة إن كانت (مُش ولابد) ولكنها ماثلة نسير عليها. ولكن لا نشكر ولا نحمد.
>   الذي يملك منزلاً يسعى جاداً ليتملك الثاني والثالث، خصماً على أخيه طمعاً وجشعاً ومحبة للذات.
>   لكن هؤلاء جميعهم غافلون عن شيء مهم جداً وهو نعمة الأمن التي ينعمون بها الآن، لا يعرفون قيمة ذلك إلا حين تزول -لا قدَّر الله- حينها سيدركون إنهم كانوا خاطئون وإنهم مُغفلون.
>   ليتهم ينظرون للدول التي حولنا وما آل إليه حالها من تشتُّت وحروب وموت ودمار وخراب وطحن للأرواح دون مخافة من الله.
>   لكن لأنهم ينعمون بذلك، لا يشعرون ولا يحمدون ولا يشكرون.
>   أكثروا من الحمد لله واشكروه على جزيل نعمه، فأنتم الأوفر حظاً والأكثر نعمة، فأنتم دولة كاملة السيادة تتبجَّون وتتكايدون على نعم الله وخلقه الأغلبون المساكين.
>   عضوا على نعمة الأمن هذه بالحمد والشكر لله عسى أن يلطف عليكم أكثر.. وانظروا أين كنتم وأين أنتم اليوم.
>   لكن لأن سقف طلباتكم كثرت لذا دخلكم الجشع والطمع، فصرتم أكثر الناس ساخطون. عودوا لصوابكم عسى الله أن يرحمكم ويُحسن إليكم أكثر مما أنتم فيه اليوم.
«إن قُدِّر لنا نعود»..

 

>   لم أستغرب أبداً حين تترشح امرأة لأي منصب، طابعه المصمم له لصنف الرجال.. فهي ما عادت تختلف عن الرجل في أي شيء، فهي كما الرجل شكلاً ومضموناً، إما بسباقِها للرجل في أشيائه، أو كما هو حادث اليوم من الشباب في بعضهم «طبعاً» بملاحقتها في حاجاتها.. وربما هذه النقطة الأخيرة، هي التي رفعت من حماس المرأة لمجاراة الرجل في كل شيء. فقد سبقته في زيه وحديثه وعمله، حتى وصل بها الحال أن تقلَّدت مناصبَ صعبة لا تصلح حتى مع طبيعتها كأنثى، عندما علمتْ أن الرجل هو الآخر يسعى نحو ما تسعى إليه في جعل وجه الاختلاف وارداً، ولكنها تفشل في كثير.. فالرجل أصبح أسرع منها في خُطاه تجاه ما هي تسعى إليه.
>   إذن.. هذه الظروف والأحوال جعلتها تكون أكثر طلباً حين جعلت صوتها عالياً في كل المواقف، خاصة السياسية منها، فاعتلت المنابر والتجارة من أوسع «أبوابها»، فحققت من ذلك كثيراً ناطحت الرجل، وربما سبقته في كثير وهي صاحبة القول كذلك في المنزل والشارع والمكتب.
>   حقيقة لم نشهد ذلك في قريب عندنا هنا في السودان، فمجتمعنا حقيقة مجتمع كان منضبطاً لأبعد معاني الانضباط، عَرِف المرأة للمنزل تقوم بأدوار لا يستطيع الرجل يوماً القيام بها، حتى لو «كسر رأسه» وإلا يكون كذاباً منافقاً.. من مهام على شاكلة ترتيب البيت من الداخل. وعندما نقول «ترتيب»، نعني بها تقديم نشئ كامل الدسم، علماً ونظافة وأدباً وأخلاقاً.
>   تسألوني ما الذي يجري الآن على كل الأصعدة من تفلتات شبابية هنا وهناك؟. أقول لكم بكل بساطة، حدث ذلك عندما تركت المرأة مهمتها الأساسية وامتهنت غيرها مهنة خُصِّصت للرجال أصلاً، وهي مهمة العمل خارج الأسوار.. فضلت البنت طريقها وطاش الابن عن هدفه، وانسلخ عن ضوابط الأم داخل الأسرة.. لا ننكر أبداً عظمة ومهمة المرأة في خلق مجتمع معافى سليم حين كانت داخل أسوار المنزل، ولكن بعد خروجها حدث الذي لا يُرضي الله ولا رسوله من تفلُّت هنا وهناك.
>   الآن المشاهد للسيارات الفارهة، كلها نساء هن اللاتي يقُمن بترحيل الأبناء من المدارس وإليها، وهي التي تقوم بالشراء والبيع لمهام المنزل، وصار دور الرجل الذي تنازل عنه رغبة أو دون رغبة هو الماثل أمام المشهد العام.
>   المرأة لا تُحسن التصرُّف السليم في الطريق العام حين تقود سيارة، لأنها صاحبة قلب خفيف لا يجرؤ على مشاهدة «سوء المنقلب وكآبة المنظر»، فسرعان ما تسجل انهزامية عالية حين الحوادث رغم حُسن تصرُّف بعضهن القلائل اللاتي يعدن بالأصابع مقابل ما هن على غير ذلك.
>   هذا الصعود بالزانة للمرأة في كل شيء، نتاج تخلي الرجل عن مهامه الأساسية وانشغاله العام بأمور نحسب أنها توافه أمور مقابل رسالته العظيمة تجاه أسرته من مراقبة ومتابعة وضبط وربط مطلوبين من ضمن أدواره الأخرى الكثيرة والكبيرة.
>   حتى اجتماعات أولياء الأمور بالمدارس مع إدارة المدارس الرجالية، تُشكِّل المرأة حضوراً ضافياً فيها باعتبار أن رجلها مشغول.. مشغول في ماذا دون أهمية متابعة المستوى الأكاديمي لأبنائه الذي جعله هو خارج المنزل كداً وتعباً لتجهيز المال لمقابل ذلك.. لكن نقول له «فالدور ناقص يا سعادتك» طالما أنت بعيد عن النظر فكذلك بعيد عن القلب وهو أخطر القلوب قلب الأبناء فلذات الكبد.
>   انحلال الضوابط الأسرية وتعجرُّف الأبناء وفشلهم في كل دروب الحياة، بسبب غياب الآباء.. وزهدهم في المشاركة الحقيقية في تربية الأبناء.
>   سهل جداً على بعض الناس شراء عربة فارهة لإرضاء الزوجة، لكن صعب جداً تلقي نتائج ذلك حين يترك لها الحبل على الغارب لتفعل ما تشاء في غياب الزوج «المصون».
>   نحن نعلم أن هناك كثير من النساء المنضبطات العفيفات اللاتي يأخذن المسألة، مسألة جد ومفهوم عميق في مشاركة الرجل أدواره الكثيرة المُتعبة الشاقة لكن ليست بالصورة والكيفية السائدة هذه الأيام والمشاهدة علناً.
>   عودة المرأة لبيتها فيه فوائد جمَّة وعظيمة، فالاتزان الاجتماعي والمجتمعي، يكون نتاج العودة والاستقرار النفسي والأكاديمي للأبناء يكون وارداً كله في حالة أن تجد البنت أمها لجانبها في أية لحظة والابن حين يُسأل يجد من يجيبه بحنان وأمومة صادقة لها بال غير مشغول، وعقل يُدبِّر ويُخطط لهذه الفئة داخل المنزل.. لكن من يُرجع للأمهات عقولهن وصوابهن بأن خير مساجد النساء قعر بيوتهن، أو كما قال خير البشرية هكذا.. عليه أفضل الصلاة والتسليم.
>   لا تسألوني عن كل الذي يحدث من جريمة وارتفاع في معدلها طالما المرأة بهذه الكثرة والقذارة في الشارع العام.. هي المظهر السائد فيه، وهي التي نجدها في أي مكان نذهب إليه حتى بيع الشاي كان عبر المقاهي للرجال، فكانت مقاهي الأدباء والشعراء والمفكرين يديرها الرجال هنا عندنا في السودان، لكن تبدَّل الحال وما عاد هو ذاك الحال الذي أضعناه وظللنا نبحث عنه تحت المفهوم الخطأ لمعنى الحديث النبوي الشريف، «ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم»، وهذا معناه واضح احترامها وتقديرها داخل منزلها وما تقوم به من رسالة عظيمة وكبيرة يقدِّرها الإسلام على الدوام.
>   عودي أيتها المرأة لمنزلك، فأركانه تصرخ حين غيابك، عودي فأطفالك في خطر من جرائم خطف ونهب واغتصاب وتحرُّش وضياع وجوع ووهن ومرض.
>   لكني مُقتنع تماماً أن «محمد أحمد» لا يريد ذلك، فهو في حاجة لمالها ليسد به نقص الدخل لمواجهة إيجار المنزل وأقساط السيارة ومصاريف المدارس.. «بالله ده كلام».. كان الله في عونك أخي «محمد أحمد» فقد ضللت الطريق والتصويب نحو الهدف الذي ننشده جميعاً كأُسر... أن التصدع «الفيزيقي» صار بيننا جاثماً وحقيقة لا فكاك منها.
>   كفاية!!.
«إن قُدِّر لنا نعود»..

المتواجدون الآن

1626 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع