الأحد، 18 شباط/فبراير 2018

board

نقاشات حول انقطاع الدين عن حياة الناس  

الذين اعتلوا مِنصة قاعة الشهيد الزبير للمؤتمرات أُمسية الأربعاء غُرة يناير الماضي استندوا على معارفة راسخة ومُستقِلة إلى حدٍ ما، وإن انطلقت من مرجعية طرح الأسئلة وتحدي المُسلمات، ولأن الحديث كان عن تجدِيد الفِكر الإسلامي، وقع التفاعل بين العقل وأحكام الدين الخالدة ،

إذ أن عقل الجيل من المسلمين الذي يطَّلع بالتفكيِر في الإسلام كما يقول الترابي يتكيف بنوع وكمية المعارف العقلية والتجارب التي يُحصِّلها وينفعل بالظروف الراهنة التي تُحيط به وبالحاجيات التي يحسها الناس وبالوسائل التي تتيحها له ظروف الحياة .. الذين اعتلوا المنصة تقاسموا التأسيس لأُطروحة تجديد الفِكر الإسلامي في ندوة هيئة الأعمال الفكرية الكبرى .
لا أدري لماذا اختار الأستاذ المحبوب عبد السلام ـ أو أُختير له ـ أن يكون آخر المتحدثين في الندوة ، ولا أدري لماذا ابتدِرُ به بعض ملامحها .. على كُل حال، حاول المحبوب أن يُعالج إحدى عِلل الفِكر الإسلامي وهي انقطاعه عن حياة الناس ، لافتاً لانتظام موجات الإلحاد في العالم الإسلامي نِتاج المفاهيم المغلوطة .. إذ ارتكز على بيان إشكال العدالة الاجتماعية وضرورة إنتاج نظرية تُضاهي مساهماتها المحدودة بحيث تقرأ الماركسية قراءة جديدة بُغية إنشاء عدل اجتماعي حقيقي (يتمأسس) على الإسلام ويحمي المجتمع من تغول الدولة.
حاكم المحبوب السلفية وقال إنها انتهت في ليلية واحدة وأن الحركات الإسلامية تقترب من ذات المصير لذلك لا بد من التنظير لمُعالجة الخراب الضخم لصورة الإسلام .. وفي رده على المُطالبة بخطاب يناسب القضايا المحلية والمشاكل المُلِحة، أشار لمُحاولات المزاوجة بين تقديم التنظير اللازم والتأسيس لقضايا الواقع عبر مساهمة مفتوحة ..
اشتغل الأستاذ فتح العليم عبد الحي بالانتقال من مقاصد الشريعة إلى مقاصد القرآن التي تتأسس على مُطابقة مُراد المُكلف مع مُراد الله وقطع عبد الحي بأن النسخة السلفية غير مُطابقة للتراث وأن من يهاجمون التراث يستدعونها دون وجه حق .. وعن سؤال المنهج نبَّه بأن كل المادة المقدمة في هذه الندوة هي اشتغال عليه . أما الدكتور محمد المجذوب، فقد حاكم مُحاولات استبعاد العلم عن دائرة الدين ،قاطعاً باستحالة إحلال العلم محل الدين كونه يجيب عن سؤال الكيف وعلى العلاقة بين الأشياء والظواهر الحسية ، في حين أن اشتغالات الدين أوسع كونه يجيب عن سؤال لماذا .. ثم أبان المجذوب أن علم المقاصد لا يفي باحتياجات الإنسان المُعاصر إذ يستخدم في بنيته أدوات غير كاشفة للغطاء كاستخدامه لأداة (المصلحة) ولذلك يجب البحث عن قيمة أعلى من المصلحة تُحقِّق الوصل الذي يبحث في مُرادات الله وهي قيمة الحق الناظمة للمعاني القرآنية.
من جانبه زلزل الدكتور أمين حسن عمر ركيزة مركزية قد تدفع بالذين وقفوا أركونيين ـ نسبة للمفكر الجزائري محمد أركون ـ لإعادة قراءة أركون من جديد خاصة الشباب الذين كانوا عصب هذه الندوة، إذ أسس أمين لجوهر التفكير في القرآن والمُنطلق من كونه ليس نصاً تاريخياً ومن يقول بذلك يفقد الإيمان .. وأبان أن ما يُكتب عن القرآن هو تأويل، والتأويل نص تاريخي يُمكن أن يُعاد فيه النظر .. انطلاقاً من هذا التأسيس كان سيجد أمين العذر لأركون لو أنه قال بأن تفسيرات وتأويلات القرآن هي نصوص تاريخية .. لكن أركون ذهب إلى النص القرآني ودمغه بالتاريخي شاطاً في ذلك أيما شطط .
جاءت الندوة في ظل الاحباط المُعاش ، فأحوالنا غير مُرضية ونريد حلولاً سريعةً لكل مشاكلنا الحياتية .. وربما يُقال في مثل هذا الانتداء، ماذا نُحقِّق منه؟ وقد يسألنا سائل لماذا نُحدث عنه ؟ فنقول إن قضيتنا المركزية هي مُعالجة الخلل، والخلل ليس في العلاقة مع الدين، بل في القُدرة على نفع الناس وإحياء القيم الأخلاقية التي تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم .. وإن أردنا تجدّيد الفكر الإسلامي في حياة الناس لابُد من تقديم منتوجٍ يُرضي الناس بقراءة النص والواقع معاً، فليست القضية قطع يد أو إقامة حد، بل بناء دولة العدالة والمواطنين، فإيجاد الكيان الوطني مُقدم على تطبيق الشريعة.