من أسباب تسلُّل الفكر التكفيري .. دعاة الضلال الذين يبثّون الشبهات.. د. عارف عوض الركابي

تقييم المستخدم:  / 0

أبدى كثيرٌ من الناس استغرابهم ودهشتهم من تأثّر بعض الطلاب والطالبات في عدد من جامعاتنا بفكر جماعات التكفير، والتحاق عدد منهم بجماعة (داعش) في ليبيا والعراق والشام ، وقد كان الأمر مفاجئاً للمجتمع بعد أن كان مفاجئاً لأسر أولئك الطلاب والطالبات.
هذا واقع عشناه ونعيشه ، وقد أبرز هذا السلوك من قبل هؤلاء الشباب والفتيات الذين غُرِّر بهم أبرز ثغرات كبيرة في مجتمعنا لم تُسَد !! بعضها لم يسد بسبب الغفلة عنها، وبعضها بسبب الجهل بالبيئة التي عاش فيها هؤلاء الطلاب والطالبات وعدم الانتباه لها، وبعضها بسبب تركيز دعاة ومروجين لهذا الفكر المنحرف وسط هؤلاء الطلاب والطالبات وانفرادهم بهم وإحاطتهم بالشبهات ، دون أن يتصدى لهم أو يكشف مخططهم قبل وقوع الفأس في الرأس.. وغير ذلك.
والواجب المتحتّم الآن هو سد هذه الثغرات، ومعالجة هذا الداء الفتّاك بالعلاج الناجع ، فالمرض مشاهد والتشخيص واضح ، والعلاج موجود ومتوفّر لكن يجب أن يكون على يد الطبيب (الثقة) (الحاذق) (الأمين).
إن من الثغرات التي نفذ من خلالها الفكر التكفيري إلى بعض جامعاتنا قيام أشخاص لم يدرسوا العلم الشرعي دراسة سليمة صحيحة ووفق الطرق الصحيحة ، ولم يتأهلوا على أيدي العلماء الراسخين ، فتأثّر بعضهم وأشبِع بعضهم بشبهات التكفير، ولم يوفقوا إلى من يزيل عنهم الشبهات التي ينشرها منظرو المنهج التكفيري الغالي ، فاتجهوا بما تحمّلوه من شبهات واجتهدوا لبثّها بين الطلاب والطالبات ، مستغلين العاطفة الدينية لدى الطلاب وعدم المعرفة بأبجديات القضايا الشرعية على وفق ما بينته في مقال عن إهمال بعض الجامعات والكليات لمقررات الدراسات الإسلامية للتخصصات العلمية والأدبية والتقنية.
دخل هؤلاء عبر أنشطة ودروس وحلقات مستغلين عدم التنبه لهم والغفلة عن حالهم، حتى أفهموا بعض الطلاب والطالبات أنهم في ديار (كفر) ووجب عليهم الهجرة إلى ديار الإسلام التي لا توجد إلا لدى تنظيم الدولة الإسلامية فاقتنعوا بذلك !! ولم يصلوا إلى هذه المرحلة إلا بعد أن مروا بمراحل يجمعها جميعاً أنهم يتلقون شبهات وتم تشكيككهم في علماء المسلمين وحكامهم ، وما أكثر من لديه الخلل في هذا الجانب ممن يمارسون أنشطة بين الطلاب والطالبات!!!
هذا السبب من الأسباب المهمة التي تسلّل من خلالها المنهج التكفيري إلى بعض جامعاتنا ، وعلاج هذا الداء يوجب إعادة النظر من الكليات والجامعات بمراجعة هذا الجانب، والتفريق أولاً بين دعاة الحق ودعاة الباطل، وبين من يدعون إلى المنهج السليم ومن يروّجون للفكر التكفيري الضال الغالي، بين من ينشر منهج أهل السنة وبين من يزيّن منهج الخوارج ..بين من يربط الطلاب والطالبات بالعلماء الربانيين وبين من يربطهم برموز التكفير ودعاته .. بين من ينشر الكتب الصافية النقية المؤلفة على منهج أهل السنة والجماعة وبين من ينشر الكتب التي تصف مجتمعات المسلمين بالجاهلية وحكامهم بالكفر وعلماءهم بالمرجئة!!
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من دعاة السوء، جاء في مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ»
في مقدمة الإمام مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ لصحيحه عن التابعي الجليل محمد بن سيرين  ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».
ويقول الإمام الشاطبي المالكي ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه (الموافقات): «فإذا تقرر هذا فلا يؤخذ ـ يعني العلم ـ إلا ممن تحقق به، وهذا أيضاً واضح في نفسه، وهو أيضاً متفق عليه بين العقلاء؛ إذ من شروطهم في العالم بأي علم اتفق أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم، قادراً على التعبير عن مقصوده فيه، عارفاً بما يلزم عنه، قائماً على دفع الشبه الواردة عليه فيه، فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه وعرضنا أئمة السلف الصالح في العلوم الشرعية وجدناهم قد اتصفوا بها على الكمال».
وقد جاء في نفس هذا السياق عن إمام دار الهجرة الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ كلام كثير في هذا الصدد أذكر منه على سبيل المثال؛ ما ذكره القاضي عياض في كتابه (ترتيب المدارك))قال: «قال ابن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَه».
هكذا يوصي الأئمةُ المسلمين عموماً بهذه الوصية العظيمة المهمة في قولهم: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَه» أي: فانظروا إلى من هو أهل لذلك قد تحقق به وأخذ هذا العلم عن الثقات في عقيدتهم ودينهم وسيرتهم فيؤخذ عنه، ثم يقول الإمام مالك بعد هذا: «لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين ـ وأشار إلى المسجد ـ فما أخذت من أحدهم شيئاً، وإن أحدهم لو اُئتمن على بيت مال لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن».
وقال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أيضاً: «لا تحمل العلم عن أهل البدع كلهم، ولا تحمل العلم عن من لم يعرف بالطلب ومجالسة أهل العلم....». 
لقد بيَّن الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ بعض صفات من لا يؤخذ عنهم العلم، فبيَّن أنه لا يؤخذ عن السفيه، ولا يؤخذ عن صاحب الهوى الذي يمشي خلف هواه ويدعو الناس إلى ذلك الهوى والعياذ بالله، ولا عن كذاب، ولا عمن لا يُحسن هذا الأمر ، وإن كان ـ هذا الشخص ـ  من أهل العبادة ومن أهل الصلاح ومن أهل الفضل، كما لا يؤخذ عن أهل البدع والمحدثات، ولا عن الذين لم يجالسوا العلماء وأهل العلم ويأخذوا عنهم، وفي هذا بيان ونصح من هؤلاء الأئمة ـ رحمهم الله ـ  للأمة بضرورة أخذ العلم عن أهله ، والتحذير من أخذه ممن ليسوا من أهله ولم يعرفوا بمجالسة أهل العلم ولم يسلكوا الطريق والسبيل الصحيح لأخذه.
ولا يقتصر دور القائمين على تضليل الطلاب والطالبات داخل الجامعات ، فإن بعضهم يمارس ذلك في بيته ويأتيه الطلاب والطالبات في مكانه فيأخذون الشبهات وينحرفون عن الجادة بسبب هؤلاء المضلين.