تمنّاها هذا العالِم .. ووفق الله لها الرئيس نميــــري.. د. عارف عوض الركابي

تقييم المستخدم:  / 0

في نهاية هذه السلسلة التي أردت بها النصيحة لمن بقي من أتباع الفكر الجمهوري المنقرض ،   فإني أضع بين يدي القراء الكرام جزءاً مما جرى بين محمود محمد طه والدكتور محمد أمان بن علي الجامي «المتوفى 1416هـ». وكان مدرساً بالمسجد النبوي الشريف، وأستاذاً بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية لسنوات طويلة. وقد زار السودان سنة 1383هـ تقريباً 1963م، أي قبل اثنين وعشرين عاماً من الحكم بردة محمود محمد طه، وقد تمنى هذا العالم إقامة حكم الله في محمود محمد طه في ما سطره في كتابه. 
ويحكي لنا قصته مع محمود محمد طه، عبر الرسالة المطبوعة: «المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية».
واقتبس منها هذه الجزئيات: ومما قال في مقدمة الكتاب: «وبعد أن أقمت معهم يوماً واحداً عزمت على السفر إلى الخرطوم لإجراء اللازم في شأن السفر إلى الحبشة بواسطة السفارة الإثيوبية بالخرطوم حيث كنت على عزم لدخول الحبشة لو أراد الله. وجعلت أسأل عن أمهات المدن فيما بين بورتسودان والخرطوم فوصف لي بعض من سألته مدينة عطبرة ورغبتي في النزول بها إذ وصفها بطيب المناخ وجمال المنظر وكثرة الورشات حتى أنهم يسمونها عاصمة الحديد، فقطعت تذكرة السفر إليها في طريق الخرطوم، ونزلت بها فعلاً صباح يوم الجمعة، وفور نزولي توجهت إلى أحد الفنادق. وفي طريقي إلى الفندق أوقفني إعلان جذاب وقد كتب بخط عريض ملون ونصه كالآتي: «دار النشاط الإسلامي» تقدم مساء يوم الجمعة محاضرة للأستاذ محمود محمد طه تحت عنوان: «المستقبل للإسلام» وراعني الإعلان وسررت به كثيراً.
إلى أن قال: «وأخذوا يحدثوني عن المحاضرة التي قرأت عنوانها وطلبوا إلي حضورها وأجبت دعوتهم فحضرتها فإذا بمحاضرة «إلحادية» أكثر ما فيها تمويه وتلبيس ولم أملك نفسي عن المشاركة في مناقشتها على الرغم من أني غريب في الدار بل رأيت أن الذمة لا تبرأ إلا بالمناقشة ومحاولة الدفاع حسب الإمكان وقمت بذلك فعلاً بعد أن أذن لي رئيس النادي ولما طالت المناقشة بيني وبين المحاضر اقترح رئيس النادي إجراء المناظرة إلا أن صاحبنا اعتذر ولم يقبل، وفي آخر المحاضرة أعلنت محاضرة دفاعية للرد والتعقيب على بعض النقاط الحساسة التي جاءت في محاضرته وجعلت أسجل في مذكرتي بعض النصوص التي حرفها للمناقشة حولها وقبل موعد محاضرتي حضرت له محاضرة أخرى وناقشته كما ناقشه غيري. ولكن بدون جدوى لأنه لا يحاول الرجوع عن فكرته مهما كلفته الحال لأنه ليس من طلاب الحق.
ولما أعلنت محاضرتي في الشوارع كالعادة المتبعة بادر بالسفر إلى أم درمان، وعلى الرغم من غيابه قمت بإلقاء المحاضرة وحضرها عدد ضخم ونوقشت كالعادة، وبعد ذلك طلب مني بعض إخواننا المخلصين من شباب السودان وغيرهم طبع هذه العجالة التي لم أقصد بها الدفاع العاجل عن عقيدة الإسلام وتصحيح بعض النصوص التي حرفها المدعو «محمود» ولما أعلمه فيهم من حب الخير والحرص على الدفاع أجبتهم إلى طبعها وتوزيعها في السودان. والله أسأل أن ينفع بها ويجعلها فاتحة خير أن الإنسان عندما يفاجأ اليوم ببعض آراء الملحدين الجريئة التي تهاجم دين الله المنزل من السماء ومنهجه الذي ارتضاه للبشرية، تهاجمه بكل وقاحة وبمنتهى الجرأة والقادرون على قمع هذه الآراء وإيقافها عند حدها ساكتون ولا يثورون غيرة على هذا الدين الذي يدينون به في مثل هذا الموقف يتذكر الإنسان هذه الأخبار الصادقة. فلا يندهش كثيرا، بل يزداد إيمانا على إيمان، ويقينا فوق يقين بهذا الدين وبمن أنزله وبمن أنزل عليه. وقد فوجئنا في مدينتكم هذه «عطبرة» مع الأسف بهجوم عنيف ضد تعاليم الإسلام من المدعو «محمود» تناول فيه العناصر الأولية لهذا الدين في محاضرته التي استطاع فيها أن يخرج كل ما في جعبته بكل صراحة ووقاحة، ولكثرة النقاط الإلحادية التي جاءت في محاضرته سجلت في هذه الوريقات ما استحضرته خشية النسيان ولنناقشها نقطة نقطة ونرد شبهاته شبهة شبهة، مستعينين بالله تعالى».
ثم قال: «ومن أخطر ما جاء في كلامه هداه الله قوله بأن العبد يترقى حتى يسمى بالاسم الفرد «الله» بدعوى أنه يسمو ويعلو روحيا بالرياضيات الروحية وبالخلوة فيترقى إلى درجة الألوهية والربوبية فيسوغ له آنذاك أن يقول هو «الله» «سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ» وهذه النقطة هي حجر الأساس في دعوته، وهى هدفه الأول والآخر، لأنه يستطيع بمقتضاه أن يسقط عن الناس جميع التكاليف ويصبح الإنسان حرًا مطلقا لا يخضع للأوامر والنواهي وهذا ما يريده ويدعو إليه وما عدا ذلك من النقاط الكثيرة التي سوف تسمعونها فكل وسائل غير مقصودة إلا أنه سلك في دعوته إلى هذه النقطة مسلك اللف والدوران والعتمية على الناس، وكان يحلق في أجواء بعيدة لا يدركها عوام الناس وفات المسكين «محمودا» أن الإنسان إذا بلغ تلك المرحلة وسمي «الله» لا يقف عند الحرية المطلقة التي يشهدها «محمود» بسقوط تكاليف الدين فقط، بل يكون معبودا لأن الله هو المألوه المعبود وبذلك يورط نفسه في أوحال الشرك من حيث لا يشع».
إلى أن قال: «النقطة الثانية: هي سقوط الصلاة عن خواص العارفين على حد عبارة الملحدين، من يسميهم «محمود» بالعارفين- وهم في الواقع هم الجاهلون- كانوا يتدرجون في هذه المسألة.. إلا أن محمودا لجرأته ولظنه أن الجو صاف قابل لكل ما يلقى فيه، صرح بالمرحلة النهائية من أول وهلة بدون تدرج فلا يشك طبعاً من في قلبه مسكة من الإيمان ولديه أدنى معرفة أن هذه الطريقة لا صلة لها بهدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم كما يعلم الجميع يصلي بأصحابه في سفره وحضره، صلى بهم بمنى ومزدلفة وعرفة وفيما بين مكة والمدينة ولا يعلم أنه قال ذات يوم لأصحابه. «صلوا أنتم هاهنا. وأنا أصلي بمكة أو المدينة إذا كان خارجهما» وهو سيد ولد آدم».
ومما قال رحمه الله: «وقد اتفق الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد: على قتل تارك الصلاة بعد الاستتابة وإنما اختلفوا: هل يقتل حداً أو كفرًا ولا يعلم خلاف بين المسلمين خلفهم وسلفهم في أن جاحد وجوبها المدعى سقوطها كافر وخارج عن الملة ومن المؤسف، بل المبكي أن يتظاهر الإنسان اليوم بسقوط الصلاة عنه وعدم وجوبها عليه ثم يتمكن من جمع الناس له في عدة مدن وعدة أندية ليبث أفكاره الإلحادية بدون مقاومة فعالة ممن بأيديهم السلطة والقوة هداهم الله وأخذ بأيديهم إلى الحق فإنا لله وإنا إليه راجعون ويحسن بي أن أذكر لكم بهذه المناسبة قصة الجعد بن درهم الذي قتل في عصر التابعين بعد أن أفتى علماء التابعين بكفره...».
قلتُ: لقد تمنى هذا العالم رحمه الله قيام ولي الأمر بواجبه تجاه مدّعي الرسالة الثانية المرتد محمود محمد طه في محاكمته على ردته قبل اثنين وعشرين عاماً من محاكمته، بناء على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية في الشريعة الإسلامية، ووفق الله تعالى الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري رحمه الله وغفر له لتنفيذ أمر الله تعالى في مدعي الحلولية وتارك الصلاة بشهادة ابنته، ولكم يثلج الصدر خطاب الرئيس نميري وبيان حرصه على توبته وإصرار محمود على كفره وردته، فأقيم شرع الله فيه، وظنّ أتباعه أنه لن يموت ففوجئوا، ولكنهم سرعان ما نكسوا على رؤوسهم فجلسوا قرابة الثلاثين عاماً يعيشون على نشر صور متبوعهم وكلماته، وكادوا يندثروا، وتولى الشيوعيون والليبراليون إقامة الذكرى السنوية لقتله ردة في بعض المواقع الإلكترونية كل عام في شهر يناير، وفوجئ الناس بتقدم من بقي من الجمهوريين لإقامة حزب، إلا أنهم لم يفاجأوا بعدم الموافقة عليه من جهة الصلاحية، ونحن على استعداد للطرح العلمي الدقيق لبيان مبادئ هذا الحزب المنقرض الإلحادي في فكرته، وبيان حال أتباعه بما هو مرصود لدينا من مشاركاتهم ومقالاتهم.. فإن الفكرة الجمهورية نبتة إلحادية لا تقبلها أرضنا.