«في ليلة» الترابي .. توقيعات على كتاب الرحيل

تقييم المستخدم:  / 0

الخرطوم:
ربــــاب عـلـي
- وُصفت الندوة التي كانت تحت عنوان «الشيخ الترابي.. الأثر الباقي « بالتظاهرة الفكرية , رغم تجدد الأحزان بطبيعة المشهد ، بمبادرة قادتها مجموعة من المفكرين والمثقفين السودانيين بمشاركة شخصيات من خارج السودان. أعطت انطلاقة حديث د.عبد الله علي إبراهيم باغتنام التدافع في العناية بالحركة الإسلامية إشارة للحضور بإعلان المنظومة الخالفة التي لطالما ذكرها الراحل لا سيما وأنها صدرت من ابن اليسار القديم ، وكان المثير في الأمر واللافت غياب الشيخ إبراهيم السنوسي عن التظاهرة, مما أثار العديد من التساؤلات عن أسباب الغياب غير المبرر وفقا للعديد من الأطراف داخل وخارج المؤتمر الشعبي أرجعها البعض لوجود خلافات داخل الحزب , بينما أرجعها آخرون «لموقف الشيخ السنوسي من إعطائه الاولوية في كيفية قيام الندوة وما حواه الكتاب المزمع تقديمه والذي يحتوي على العديد من المقالات لكبار الكتاب والمفكرين وشهادتهم حول الشيخ الترابي.
غياب غير مقبول
في تعليقه على عدم مشاركة شيخ السنوسي للندوة الفكرية وتقديم كتاب "الترابي .. توقيعات على كتاب الرحيل" أكد القيادي بالحزب أبوبكر عبد الرازق انه أيا كانت الأسباب فهي غير مقبولة لان الضيوف الذين شرفوا الندوة كانوا معه قبل المجيء لمكان الاحتفال ولا أدري ما هو السبب الحقيقي وراء الغياب، وهو على علم بكل التفاصيل التي دارت وتدور بعد وفاة الترابي والكتاب المعني تمت مشاورته فيه من قبل المبادرة قدمها عثمان بشير الكباشي وقبلها السنوسي ,وهي لم تكن لجنة حزبية بالمعنى المباشر بقدر ما أنها لجنة مبادرة عامة. وأضاف أبوبكر أن الحزب يعيش مرحلة انتقالية وقد توافق الجميع على تقليد نيابة الأمانة للسنوسي لحين قيام المؤتمر العام واختيار الأمين العام الجديد ، وقد قاد الحزب بعد نزوله لإرادة الجميع لأن الأهم كان المحافظة على وحدة الحزب وشكله أمام المحافل الداخلية والخارجية ولمساته واضحة داخل الحزب ولولاه لما سارت سفينة الحوار ووصلت إلى ماهي عليه الآن.
خلافات بسيطة
فيما نفى أبوبكر وجود أي تصدعات بالحزب بعد وفاة الشيخ, ولكن توجد بعض الملاحظات هنا وهناك بادعاء عدد من الأشخاص ان هنالك انتهاكاً للمؤسسية وإن صح الأمر فقياسا للأمر الإجمالي فهي ضئيلة لا ترقى لمرحلة اتخاذ موقف , فضلا عن توترات او اختلافات أو تيارات بل هي مجرد اختلاف في الرؤى ، مستدركا ان الشيء الذي قد يؤثر على الحزب مستقبلا ان اتخذت الأمانة العامة أو القيادة قراراً بالمشاركة في الحكومة لعدم التزام الحكومة بمقررات الحوار الوطني وتوصياته ومخرجاته المتعلقة برئيس مجلس الوزراء بإفراغها للمنصب تماما وأصبح الرئيس البشير كما هو في الدستور القديم وإحالة مجلس الوزراء لمجرد سكرتير يتبع للرئيس وسحبت منه كل الصلاحيات وبالتالي اية مشاركة ستؤثر على وحدة الحزب واحتمال قيام تيارات مضادة لها.
إفساح المجال لدماء جديدة
فيما أشار عضو امانة الإعلام بالحزب الفاضل علي إلى ان شيخ السنوسي بغيابه عن الندوة آثر ان يعطي المساحة للأجيال الجديدة والضيوف الذين أتوا من الخارج توجهوا من منزله لمكان الندوة، وقال ان المبادرة أتت من عثمان البشير الكباشي في الأيام الأولى لوفاة الترابي التي نُشر بعدها العديد من المقالات ويتطلب جمعها في كتاب, وكان المقترح ان يتم نشرها بثلاث لغات العربية والفرنسية والإنجليزية, ولكن بعد جمعها وجدناها ضخمة فانتقينا منها مقالات باللغة العربية وأخطرنا الشيخ السنوسي بوجود مجموعة من مختلف التيارات تبرعوا بإصدار الكتاب وكان رده " خير وبركة" ولم يعترض لأنها ليست رأي حزبي ، وكان أن طُبع الكتاب وأول نسخة وصلت للشيخ إبراهيم, والندوة لم تكن تدشيناً له بل تقديم في إطار ندوة فكرية كبرى التي أقيمت لمناقشة سبع قضايا وهي اللغة واللسان للترابي وكيفية استخدامه لهما، قضية التوحيد وتأثيرها على فكره ، رؤية التطبيق وأثرها في التاريخ الإسلامي ، اضافة لقضية المرأة وغيرها، وأكد ان غياب الشيخ السنوسي عن الندوة لا يوجد فيه اية مغاضبة منه بل هو يحمل مسئولية تنظيمية وسياسية كبيرة وإقدام على قيام المؤتمر العام للحزب قد تكون هي الأسباب التي دعته لعدم الحضور.
صفات القائد وفقاً للترابي
وقال الفاضل إنه وفقا للدعائم التي أرساها الراحل د.الترابي للمؤسسة وضحت في النظام الأساسي والتي تنص بانه بوفاة الأمين العام او غيابه أحد نوابه يقوم بأعماله, ويُجرى المؤتمر العام لانتخاب الأمين العام الجديد وذلك لإرساء دعائم المؤسسية حتى لا تحدث اية فجوة وهو ما يحدث الآن داخل المؤتمر الشعبي وقد استفاد من التجربة الأنصارية والإسلامية والسودانية للسير في تنظيم حديث معاصر. والأمين العام الجديد لا بد ان تتوافر فيه الصفات التي أرفقها الترابي في منهجيته وشروط للأمين تتضمن المواصفات الفكرية والسياسية وقدرات في التخطيط والإدارة والقيادة والعلاقات العالمية والعلاقة بين العمل الإسلامي والقراءن وبيان اللغة واللسان والتي بدون شك لن تتوافر كلها في شخص واحد ، ولكن نحن في الحزب نتجه للقيادة الجماعية ، وفيما يتعلق برفض السنوسي من القواعد قال ان هناك بعض الانتقادات للأداء وغيرها كما تعودنا مع الراحل في إطار العمل التنظيمي والمناصحة.
آفة الأخبار
تحفظات بعض القيادات عن التعليق على غياب السنوسي عن ندوة أقيمت خصيصاً للحديث عن رفيق دربه وما تداولته حدت بالمهندس محمد دفع الله الترابي إلى إطلاق رسالة عاجلة حملت العديد من الرسائل الوجدانية والفكرية, فكان فحواها " ندوة الأثر الباقي ليلة السبت المنصرم أمسية فكرية حلقت بالناس عقلا و وجدانا.. خشي الشيخ السنوسى على تلك الليلة الفكرية ان يحيلها وجوده الى ليلة تأبين سياسية فقدر وآخرون ان فكر الترابى لا يحصر إطارا في الحزب الذي أسسه ولا حتى قطرا في بلده السودان ... وآثر أن يقطف الكباشي ومن معه ثمار مجهودهم الكبير في إطلاق كتاب التوقيعات ورفع بذلك الحرج عن المستشار الأول للرئيس التركي عمر الفاروق... وعن الباحث الأكاديمي أستاذ الأخلاق السياسية محمد مختار الشنقيطي .. رفع عنهم الحرج في مخاطبة الناس كل الناس عن الترابي المفكر الذي تجاوزت آثاره السودان الى رحاب العالم كله. كان ذلك تقديره وآخريون ورأى بعضهم أن علاقة السنوسي بالترابى مشهودة معروفة فوجوده ومخاطبته قد لا تحدث ذاك الحرج ولكن الرأي الأول غلب وكان صديق الترابي من أهل الرأي الثاني وأطلق تعليقه في ذاك الإطار.. لكن أهل الأسافير تناولوا حديثه مبتورا فشرعوا تحليلا وتنظيرا ...وتلقفته بعض الصحف نشرا دون إدراك ... فقد جاء الضيفان العزيزان من منزل السنوسي الحكيم إلى الحشد الكبير.
ليلة حلقت بالعقول والوجدان ....لكن آفة الأخبار رواتها أحياناً.
الرحيل المر
عود على بدء فقد شعرت قيادات المؤتمر الشعبي بالضعف أو اليُتم بعد غياب زعيمهم ، حيث انخفضت نبرة بعض أصواتهم مستخدمين لغة تصالحية لا تشبه الحزب ما قبل غياب الترابي ، فعندما سئل الحاج عن موقف المؤتمر الشعبي حال فشل الحوار, قال لن تكون هناك عودة لمربع المعارضة ، وعبر الأمين العام الجديد للحزب إبراهيم السنوسي -خليفة الترابي- عن قلقه حينما دعا البشير إلى "اتخاذ قرارات شجاعة وجادة لتنفيذ مخرجات الحوار". وترك رحيل الترابي فراغاً كبيرا واستفهامات كثيرة حول مصير أطروحة النظام الخالف التي أطلقها قبل رحيله، ولم يمهل الموت الترابي حتى يقوم بتنزيل مشروعه "المنظومة الخالفة المتجددة" على أرض الواقع السوداني المأزوم والمتعطش للحلول السياسية.
ضبابية القائد الجديد
ويتبادر الى الذهن السؤال المأزوم :هل من تلامذة نجباء لخلافة الترابي ؟ فلا شك أن الوضع السياسي السوداني خسر كثيرا بغياب رجل مثله ، وهو في حقيقة الأمر مدرسة لها امتدادها السياسي والفكري والتنظيمي ، ولكن هذه المدرسة تحتاج لتلاميذ نجباء يحملون رايتها ، ولا يبدو على السطح أي منهم حتى الآن. إنْ دفع حزب المؤتمر الشعبي بقيادات شبابية مع بقاء القيادات التاريخية وقيادات إسلامية متميزة قريبة منها تُوجه وتُصوب لن تجعل خليفة الترابي أمام تحد يتعلق بخلافة رجل بمقدرات وتأثير الترابي فحسب ، بل سيجد نفسه في دوامة من الملفات الشائكة داخل الحزب وخارجه تتعلق من بين أمور أخرى بمستقبل العملية السياسية.
الصداع الحزبي
ظل حزب المؤتمر الشعبي أشرس الأحزاب المعارضة لحكومة البشير، وشكل الحزب صداعاً مستديما لحزب المؤتمر الوطني منذ تأسيسه في 1999 عقب ما عرف بالمفاصلة بين البشير والترابي قبل 17 عاما. لكن منذ عامين استطاع الترابي بشخصيته الكاريزمية الطاغية أن يوجه أشرعة سفينة السياسة السودانية المحاصرة بالعواصف والأمواج المتلاطمة في اتجاه رياح الحوار الوطني , وكانت تلك أول محاولة جادة لاختراق الأفق السياسي المنسد باستئثار المؤتمر الوطني بالسلطة وانفراده بها، حيث استجاب مكرها لبعض متطلبات الحوار تحت ضغط ديناميكية وفاعلية مشاركة حزب الترابي.
بوادر الانقسام
كانت قد ظهرت بوادر الانقسام والتصدع تطفو على السطح داخل حزب المؤتمر الشعبي منذ وفاة الترابي ، وظهر هناك توجهان داخل الحزب ، الأول مؤيد للحوار الوطني والتقارب مع الحزب الحاكم ، والثاني يدعو إلى القطع مع ذلك والعودة إلى تصدر جبهة المعارضة من جديد ، خاصة ان حزب المؤتمر الشعبي كان أحد الأحزاب الرئيسة المعارضة لسياسات النظام في السودان ، قبل أن يغيّر الترابي موقفه وينزع إلى التقارب معه بدعوى أن الظرفية الإقليمية تقتضي توحيد التيارات الإسلامية. ويمكن التمييز بين فريقين من عضوية حزب المؤتمر الشعبي ؛ فريق يمثل أصحاب الولاء الشخصي للترابي وتبعوه بعد اختلافه مع البشير في ديسمبر الأول 1999م تبعا لهذا الولاء العاطفي ، وهؤلاء قد يتحولون من بعده لطائفة تجتر أفكاره مثل الجمهوريين الذين أعدم زعيمهم في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري لاتهامه بالردة. أما الفريق الآخر من عضوية الحزب فهم فريق مسيس, ومن المحتمل عودتهم لحزب المؤتمر الوطني، ومن المتوقع تبرير هذه العودة بأن وصية الترابي كانت توحيد الصف الإسلامي.
تيارات خاملة
يرى كثيرون ان هناك تيارات خاملة داخل "المؤتمر الشعبي" يعتقد أنها ستصبح أعلى صوتا وأعلى فعالية بعد وفاة الترابي ، إذ أن لديها آراء مخالفة لرؤية الترابي في ما يتصل بمسار الحزب ومواقفه ، لكنها آثرت الصمت احتراما وتوقيراً للرجل وستحدث "قلقلة داخل الحزب" وأن الأمين العام الجديد تنتظره معركة شرسة لجمع شمل الحزب الذي أصبح أمام محك أن يكون أو لا يكون.
معلومة تاريخية
وحزب المؤتمر الشعبي شكله حسن الترابي في العام 1999 م بعد صراع مع الرئيس السوداني عمر حسن البشير على النفوذ داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم . وكان الترابي يريد إثبات أنه من خلال الحزب الجديد سيسحب البساط من المؤتمر الوطني الذي كان مؤسسه، ولكن مع انطلاقة أحداث ما سمّي بـ”الربيع العربي” غير الأخير من موقفه وفضل التقارب مع البشير مجددا. وكما هو معلوم فإن الكثير من أعضاء حزب المؤتمر الشعبي كانوا يرفضون هذا التوجه، ورأوا في ذلك خذلاناً للشعب واصطفافا سيعمق من الشرخ داخل البلد، ولكن سيطرة الترابي وهيمنته على مفاصل القرار داخل الحزب، دفعتهم إلى الخضوع والتزام الصمت. وكان لبعض قيادات المؤتمر الوطني آراء بينة في إن وحدة التيارات الإسلامية تمثل ضرورة لمتطلبات المرحلة المقبلة. كما حرص وسعى الوطني لوحدة العمل الإسلامي والوطني في البلاد ، رغم أن الوقت ما زال مبكرا للحديث عن هذه الوحدة على الرغم من أن المؤتمر الشعبي جزء من هذه المنظومة مع البحث في كيفية التعاون في غياب الترابي.