نحو رقي العلاقة .. بالضـــوابط لا التنــازل.. الخطيب عوض ماهل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

استكمالاً للمقال السابق حول دعوتنا إلى التقارب ، والتفاهم ، والحوار ، مع منتمي التيار العلماني وحتى منتمي التيارات الإسلامية الأخرى ، ونحن نعيش أجواء المصالحة الوطنية ، وتقارب السودانيين ودنو لحظة صافرة الانطلاق للشراكة والتعاون ، ندلف بالقول إن العلمانية بشكلها القديم ،ظلت تناوئ الدين وتصادم تعاليمه وشعائره من أجل منع الآخرين لتمكين الدين حكماً ،وحضارةً وأصالةً وكينونةً ، ولقد ظل التاريخ القريب حاضراً كالبورقيبية ، والشاهنشاهية ، والاتاتوركية بتركيا الى وقت قريب بمنع الحجاب في الجامعات، ومنع إطلاق اللُحي كشعار في بعض جيوش المنطقة ،وهذا مما لاشك فيه يعدٌ مناوئة ومصادمة ودعوة للانفصال عن الدين ، وما نتقصده نحن من بعض بقايا العلمانيين المعتدلين هنا من الذين تغيرت فيهم العلمانية نفسها، من الذين يتحدثون عن المسار السياسي وليس الرافض للدين ، فما الضير من تحاور البقية والتفاهم والتنسيق معهم ،عبر أبواب وعناوين أخرى مجازاً ، فهناك أبواب عديدة ، باب الدين ،وباب الوطن ، وباب الانتماء ، وباب الإخوة الإنسانية، وباب العدل ، فلماذا لا ندخل معهم من باب الإنسانية وباب المواطنة والمساواة ، ولماذا لا نؤخر باب الدين هنا ونقدم أبواباً أخرى لكسبهم إلى جانبنا لسد الذرائع ، ليس تجاوزاً للدين وإنما خوفا عليه ، وليس من باب التنازل واإنما الضوابط ، حفظاً للدولة ،والوطن ،وأبنائه من أعدائنا ،ومن سوء فهمنا الذي لا يعي لعبة السياسة العالمية اليوم وحجم لعبتها بورقة الدين والعرق والمذهب وإدخالها في الصراع .
 ولا يزايد اثنان كذلك ان للحركة الإسلامية السودانية ، مكاسب كبرى ، يمكن أن نعددها على سبيل المثال لا الحصر، فرغم العّثرات التي صعبت حّركة الحركة الإسلامية في إدارة شئون البلاد السياسية ، والشيء الذي لا يعني أنها لم تضع بصماتها وآثارها الدينية والثقافية والسياسية التي يتمتع بها السودانيون وجوداً اليوم رغم النواقص والأخطاء ، كيف لا ؛ وإذا أردنا الأمثلة لما وسعنا ذلك ، فيكفيها شرفاً مؤسساتها المنتشرة التي رفدت الدولة بالثبات والاستمرار، كالنظام الزكوي الذي اصبح أنموذجاً في المنطقة والعالم ، وكذلك الصيرفة الإسلامية والتأمين والقروض الحسنة للتمويل الأصغر ، هذا في الاقتصاد وكذلك في الأمن كالدفاع الشعبي والشرطة الشعبية والأجهزة النظيرة وأيضا أسلمة الثقافة والإعلام وكذلك مؤسسات المجتمع كالمرأة والطلاب والشباب فهي مؤسسات إذا امتلكت الرؤية والتمويل والدعم والانفتاح والتشبيك مع الدول الشبيهة يمكنها الانطلاق بالسودان وشعبه إلى مصاف الدول الكبرى، كاقتصاد مقاوم وإسلامي يرفد كل المؤسسات بالعلمية والتكنولوجيا وحتى بتمليك التصنيع كـ(Hard wear) للسودانيين  بدلاً من تبيعتنا للـ(soft wear (  ..
 فالحركة الإسلامية بمبادئها وغاياتها ومشروعها هي هدف بذاته لأعدائها ؛ ولعمري فالنأي بها نزولاً للمجتمع والتفاعل معه في قضايا ، واقتصاده ، ومعاشه ، وأمنه الاجتماعي ، والإنساني، وتحصينه من الاختراقات لهو القاعدة والأساس ، فالواعون دائما ما يدعون إلى التأني والسير بها على هدى وبصيرة ، ولذلك النظر إليها من باب المجتمع الذي هو صانعٌ للحكومات والدول لهو الأعمق، فمما لا شك فيه كذلك ونحن نعيش واقع اليوم الذي نراه أن هناك وضعاً خطيراً تيواجهه الأمة الإسلامية وفي هذا المقطع الزمني بالذات، الذي لا نظير له فيما سبق من تاريخها، والتيار الإسلامي السلفي (السياسي) الذي هو في قلب دائرة هذا الوضع الخطير، باعتباره جزءاً من الأمة، وبعض الممارسات والمواقف المنسوبة إليه، هي التي أنتجت هذه التداعيات الخطيرة بزعمهم، الشيء الذي يجعله في طليعة المستهدفين، دولياً وإقليمياً.
والحال ؛ هذه المعادلة القائمة والماثلة اليوم بكل تراكماتها وإسقاطاتها، لاسيما مع صعود ترامب الرئيس الأمريكي ؟ من هنا نسأل ؟ ألا تستدعي من هذا التيار إعادة النظر في علاقاته ومواقفه من سائر الأطراف والجهات ومراجعتها لحفظ بقاّئه ومستقّبله انفتاحاً وحواراً ؟  فإن مما لا يشك فيه عاقل أن حال التشنج والنزاع داخل الأمة، يضعف قدرتها على مواجهة التحديات العاصفة، كما يتيح الفرصة للأعداء كي يلعبوا بأوراق هذا النزاع، لذلك فإن مدّ يد الحوار والتعاون من قبل الدينين الإسلاميين للأطراف الإسلامية الأخرى، وغير الإسلاميين كالعلمانيين لهو من أوليات ما يدعو إليه العقل والشرع ككلمة سواء . فالإسلام دائما ما يمٌد يده للعدو قبل الصديق إما لضمه إليه أو تحييده في الصراع . ولهذا يحث الإسلام على التي هي أحسن قولاً ومعاني ومواقف للظفر بقلوب وعقول المختلفين كسباً لودهم وإيمانهم او لصداقتهم كأقل تقدير . ومن هنا السؤال الذي يطل علينا بأنه ؟ أليس من المثير للدهشة والاستغراب أن نرى تسارع خطوات التقارب والتنسيق بين اليهود والمسيحيين، وهم أهل ديانتين متناقضتين متصارعتين، بينهم خلاف عقدي عميق، وصراع تاريخي طويل، لكنهم يتجاوزون كل ذلك، ويتعاونون تجاه ما يرونه خطراً مشتركاً، بينما نعجز نحن المسلمين عن تجاوز خلافاتنا، والاقتراب من بعضنا، ونحن أهل دين واحد، ونبي واحد، وبيننا هذا القدر الكبير من الجوامع والقواسم المشتركة، ونواجه التحديات والأخطار العاصفة؟!
خلاصة القول ؛ إن الظروف باتت ملائمة أكثر لتطوير العلاقات بين المسلمين كمسلمين والمسيحيين, ليتجاوز الطرفان تأثيرات عصر الفتوحات الإسلامية وحقبة الاستعمار والتبشير المسيحي. لماذا لأن المجتمعات المسيحية احتضنت جاليات إسلامية كبيرة، وساد الانفتاح أجواء كثير من الأوساط الإسلامية تجاه الكنيسة المسيحية. ولذلك كله إننا اليوم بحاجة لتفعيل ذات المنهج العقلاني كذلك للعلاقات البينية من جهة والمذهبية بين المسلمين جميعاً خاصة في ظل الأجواء المشحونة التي تعيشها المنطقة والتي كلفت الكّثير الكّثير. لماذا لأن القرآن الكريم يضع منهجا عقلانيا صالحا لتنظيم العلاقة بين البشر كأفراد وجماعات من مختلف الديانات والمذاهب وهو المنهج القائم على البحث عن المشتركات بين الأطراف المختلفة ﴿ تَعالَوا إِلَى كَلِمةٍ سوَاء﴾. أو كما يقول العلماء الواعون والداعون لمواقع الاتفاق مع قبول التعددية في الآراء في مواضع الاختلاف، بالضوابط لا التنازل عن اعتقاد كل طرف للآخر . والحمد لله رب العالمين.