القيادي بالحركة الإسلامية محمد أحمد الفضل في حوار المراجعات الفكرية وذكرى الاستقلال(1-2)

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

أجراه: مزمل عبد الغفار-

ملامح معلومة للجميع شكلت الأفق السياسي السوداني.. ولدت معها حالة من عدم الاستقرار لتجارب الحكم المدني والعسكري منذ الاستقلال وحتى الآن، تلك التجارب التي لم يحالفها التوفيق في أن تبقى أو تستقر هي نفسها, أو أن تحقق الاستقرار والوحدة والسلام الشامل للبلاد. فدار السودان في فلك الدائرة الجهنمية (حكومات ديمقراطية.. تمرد.. انتفاضات.. انقلابات.. انقسامات), فلازم كل هذه التجارب التي مرت, عوامل عدم الاستقرار الذي أثر على واقع السودان وتقدمه وتنميته وازدهاره, فكان الفشل أحد أبرز المعالم وانتهت كل تلك الحقب بما هو معلوم للجميع.. حكومة الثلاثين من يونيو بدأت بحسب مشاركين ومراقبين بملامح ربما تكون مختلفة قليلاً عن سابقاتها وفقاً لفقه الضرورة الذي اقتضى ذلك التغيير في ذاك الوقت (الانقلاب)، هكذا عُرفت الإنقاذ في بدايتها كتيار إسلامي ولكنها بدأت من بعد ذلك تسلك الطريق نحو ماهو أوسع وأشمل في منحى الحكم بأبواب مواربة تارة ومفتوحة تارة أخرى, وهذا أيضاً عبر محطات حوت الكثير من الإخفاقات والنجاحات وما زالت تواصل السير في هذا الطريق الذي انتهى بالحوار والمخرجات ومن ثم الدخول في عهد جديد.. كثيرون يقولون, ونحن نستعرض هذه المسيرة والتجربة السياسية في عهد الإنقاذ, أن واحدة من عوامل عدم التوفيق وعدم النجاح الظاهر هو الخلاف الذي أدى لانشقاق الإسلاميين مما يجعل السؤال هنا قائماً: هل حققت الحركة الإسلامية ما تصبو إليه؟ وهل وضعت في التجربة التي مرت على الأقل, كل إستراتيجياتها بعقلية الحركة الإسلامية عندما كانت قبل تجربة الحكم, أم أن هناك أشياء لم تتحسب لها بعد الحكم؟ وأين هي الآن في المشهد السياسي الجديد؟ عدد من الأسئلة توجهنا بها في هذا الحوار إلى القيادي بالحركة الإسلامية الأستاذ محمد أحمد الفضل, وذلك على شرف ذكرى الاستقلال. فبدأنا بالسؤال:

> هذه الأيام تحتفل البلاد بذكرى الاستقلال المجيد, ولكن ما يؤخذ من دروس وعبر من هذه الذكرى, أن السودان الذي نال استقلاله باكراً في إفريقيا لم يتحقق له منذ تلك الفترة وحتى الآن الاستقرار السياسي والاقتصادي الكامل. فماذا تقول هنا؟
< حقيقة الشيء المؤسف أننا قبل الاستقلال واجهنا تمرداً ولذلك فطوال هذه السنوات كانت القضية منحصرة في الدفاع عن السودان وعن وجود السودان وصد العدوان والتآمر المستمر والمتواصل الذي كان يتعرض له، وكل الحكومات التي تعاقبت سواء كانت حكومات عسكرية أو مدنية ديمقراطية لم تجد الفرصة لأن تبني السودان حتى تحقق للناس تطلعات وغايات الاستقلال, والسبب كما ذكرت هو التآمر المستمر على السودان والحروب التي دارت وامتدت منذ قبل الاستقلال، ولذلك نجد لأية حكومة جاءت العذر في مسألة القصور في التنمية لأن كل الجهد كان منصباً تجاه الدفاع عن السودان، وبالتالي فإن كل الحكومات التي تعاقبت منذ فجر الاستقلال وحتى الآن لا تزال قضية الحرب والصرف عليها وقضية البحث عن السلام و الاستقرار هي الهم الشاغل الطبيعي بالنسبة لها، ولهذا فإن غالبية الموارد تم توجيهها لتأمين السودان واستقراره، وبالتالي أصبح حظ جانب التنمية من حيث الصرف ضعيفاً, ولهذا فنحن لا نلوم الحكومات السابقة.
> نخرج من ذكرى الاستقلال إلى عالم السياسة اليوم وما حدث من متغيرات بعد الحوار, ليبرز سؤال مهم هو أين أنتم كحركة إسلامية من الخارطة السياسية ومن الأحداث, هل جنحتم نحو السلامة في ظل هذا المنعطف من خلال السكون والكمون والانكماش أحياناً, أم ستملأون المنابر والساحات قريباً؟
< حقيقة في هذه المرحلة لكل دوره الذي يضطلع به, فالحزب له دوره والحركة الإسلامية كذلك لها دورها، فهناك تحديد واضح للأدوار هنا والمهام والواجبات, فما يقوم به الحزب هنا لا تقوم به الحركة والعكس أيضاً، فالسياسات الخارجية والأمنية وغيرها هي من مهام عمل الحزب, أما الحركة الإسلامية فهي لها أدوار على سبيل المثال تتعلق بتهيئة العضوية وتربيتها وتزكيتها والعلاقات مع الحركة الإسلامية كجانب من الجوانب.
> هل المناخ الدولي والإقليمي مواتٍ لازدهار الحركة الإسلامية في السودان مرة أخرى أو بصورة أكثر مما كانت أم أن هناك شيئاً من حتى؟
< ليست الحركة الإسلامية فقط هي التي يتم استهدافها في العالم, بل إن الإسلام نفسه التقليدي وليس السياسي صار هناك رأي فيه من قبل بعض القوى الخارجية، فبعض دول العالم الخارجي ما زالت تعتقد أن أي شيء فيه إسلام فهو خطر وفي هذا الإطار يجري التصنيف لأية حركة إسلامية وهم يسمون كل عمل الحركات الإسلامية بالإسلام السياسي، ولذلك يتبعون دائماً سياسة المبادرة بالمحاصرة, متخذين في ذلك جميع الأوصاف والنعوت في إطار مصالحهم ويعتبرون الإسلام السياسي بأنه المحرك للإرهاب والمتسبب في عدم الاستقرار, وهم يرونه أنه عدوهم وعدو أفكارهم الغربية التي يريدون فرضها، ولذلك وفي هذا الإطار الناس يجدون أنفسهم أنهم في عداء مع جهات أصلاً هي معادية للإسلام, وبالتالي هي تعادي كل حركة تدعو للإسلام سواء كانت حركة تقليدية أو حركة سياسية كما يسمونها.
> في ظل كل المنطق والاستهداف هذا, كيف ترسمون لأنفسكم وتختطون مساراً يجنبكم التصنيفات الحادة والمخاطر؟
< نقول هنا إن الذي ينظر إلينا بعين العقل والواقعية فنحن أصحاب منهج وسطي في الدين, ولذلك لا نعرف التطرف وليست لدينا عداوة مع أية جهة من الجهات أو اية فئة من الفئات. فالإسلام هو دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتالي نحن نعتبر أنفسنا في هذا الإطار أصحاب منهج وسطي وفي هذا نقول إن أي شخص يود التعامل بمعقولية وموضوعية وبمصداقية هو يتعامل مع المنهج الوسطي.
> بوصفك أحد القيادات المحسوبة على الراحل د. حسن الترابي, بل وكنت من القيادات الملازمة له عملياً لا سيما في الفترة التي كان فيها الشيخ أميناً عاماً للمؤتمر الوطني الموحد ورئيساً للبرلمان, إلى أي مدى تنظر للساحة السياسية وهي تفتقد (د. الترابي)؟
< الراحل الشيخ حسن الترابي هو شخصية لن تتكرر بسهولة, وندعو له بالرحمة والمغفرة. فهو لم يتوان على الإطلاق في أن يجعل من الحركة الإسلامية حركة ذات وضع مميز بأهدافها ومشروعاتها، وما حدث في صف الحركة الإسلامية هو أمر اختلاف في رؤى سياسية ومواقف سياسية, وليس حول فكر أو منهج، والشيخ حسن الترابي هو صاحب فكر إستراتيجي ووعي متقدم على الآخرين, وبالتالي فمن اقتنع برأيه ذهب معه في الفترة الماضية, ومن رأى أننا قد أقمنا بنياناً في غفلة من الجهات العدائية العالمية والاستخبارات العالمية وينبغي أن نحافظ عليه وإذا كان هناك أي خلل علينا أن نُصلحه لا أن نهدمه وهذا هو جوهر اختلافنا معه، فنحن يمكن أن نُعالج ولكن لا نهدم لأن الفرص التي أتيحت لنا للبناء ليست متاحة الآن حتى نُجدد البناء فهذا هو الخلاف الذي كان.
> لقد طرح الترابي قبل وفاته المنظومة الخالفة والتي وجدت قبولاً ومباركة, ولكن غاب الحديث عنها الآن عوضاً عن أنها كفكرة لم تكن لها مذكرة توضيحية أو تفسيرية حتى يلتف حولها الشعب. فكيف تنظر لهذا القول؟
< بالتأكيد د. الترابي كان يريد التخلص من الأطر القديمة، والحوار نفسه الغرض منه هو الوصول للتوافق حول مجمل القضايا ليكون التنافس السياسي في حدود ما تم الاتفاق عليه في هذا الإطار ووفقاً لهذا المضمون، ولذلك فلقد كانت رؤية الترابي أن يأتي نظام يضم ويحتوي كل الناس ويتعامل مع الكل ويحاول أيضاً جمع الناس في أطر فكرية وسياسية دون التشتت الذي يحدث الآن والذي أوصل البلاد إلى أكثر من مائة حزب، فبعد الحوار والذي جمع الناس على مبادئ وعلى أسس واضحة يتوقع أن تتحقق كل هذه الغايات، وكانت أيضاً رؤيته هو أن تحدث قفزة جديدة ورؤية بدل أن تتحمل الإنقاذ المسؤولية لوحدها فيعمل معها الجميع في أطر محسوبة ومدروسة ومقبولة للناس.
> وهل الإنقاذ بعد أن اقتربت من العقد الثالث من عمرها, هل تجد نفسها الآن خجولة أو غير متحمسة أو فاترة تجاه استصحاب أهل الحرس القديم معها وهي تُقبل على التحول القادم؟
< لا.. ليست خجولة ولكن أية فكرة أو أي جهد سياسي أو أي عمل تنظيمي في كل مرحلة هو يحتاج قطعاً للتجديد سواء كان في الأُطر أو في السياسات وكذا، وبعد هذه الفترة كان لابد من التجديد في الرؤية وفي الخط السياسي وإجراء التغييرات والمراجعات.
> هل ذهبت وحدة الإسلاميين وصارت كوحدة الاتحاديين المزعومة؟
< لا أحسب ذلك، ود. الترابي هو صاحب رؤية وإستراتيجية ولولا الآجال والأقدار لكانت الأشياء قد ترتبت في هذا الجانب والحركة الإسلامية هي أصلاً قيادة جماعية وسيواصل الناس في هذا المسار.