بروفيسور عبد الوهاب بوب في حوار الساعة حول قرار رفع العقوبات عن السودان:

تقييم المستخدم:  / 0

حوار : رشا التوم
.. أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أمس الأول رسمياً, إنهاء فرض العقوبات الاقتصادية التي امتدت لأكثر من 20 عاما على السودان . وجاء القرار نتيجة تلمس الأمريكان لنتائج إيجابية حدثت من قبل السودان , وخطوات خطاها نحوعملية السلام الشامل ووقف القتال في بعض مناطق النزاعات, بجانب دعم أعمال المنظمات الإنسانية وتقديم المساعدات. هذا القرار قطعًا كانت له آثار وصدى في الأوساط الاقتصادية التي رحبت به لرؤيتها أن فيه كثيراً من الانفراج للاقتصاد السوداني وحل المشكلات التي أقعدته خلال فترة الحصار وتوقف مشروعات التنمية والبنى التحتية في السودان . وكانت لنا جلسة سريعة مع الخبير الاقتصادي الأستاذ بجامعة النيلين كلية الاقتصاد بروفيسور عبد الوهاب بوب , في حديث عن القرار الأمريكي وتبعاته وتأثيره على مفاصل الاقتصاد الوطني , ونحمد له سرعة الاستجابة والرد على أسئلتنا.
> بدايةً، أريد قراءة لقرار رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان؟
< الإجراءات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة ممتازة بالنسبة للوضع العام في السودان، ولكن لابد من الحذر في تفهم معناها وأبعادها لأن هناك شروطاً لابد من تنفيذها،وفترة الـ(180) يوماً تعتبر فترة اختبار لدرجة استجابة الحكومة السودانية لهذه الشروط .وهناك شروط سوف تنفذ بصورة آنية وسريعة، وأخرى تحتاج إلى زمن، ولا بد من الشروع فيها بصورة دقيقة، لأن أمريكا ليست لديها دوافع كبيرة لأن تساعد السودان إلا تحت مسمى المساعدات الإنسانية .
> القرار قطعاً له آثاره في توفيق أوضاع السودان المالية التي تأثرت بالحصار السنوات الماضية؟.
< صحيح أن السودان مر بأزمة اقتصادية لا يمكن نكرانها، والمؤسسات المالية بصورة عامة لا تتعامل مع السودان بالصورة المطلوبة، باعتبار أن هناك ضغوطاً من الحكومات الغربية وعلى وجه الخصوص أمريكا، ومجرد وجود هذا الرفع الجزئي سوف يسهم في أن نفتح أبواباً للحوار مع المؤسسات المالية العالمية ومنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأطراف أخرى مثل نادي باريس، ولكن في حالة تنفيذ شروط الخارجية الأمريكية يمكن أن ندخل في مبادرة الدول المثقلة بالديون ( الهيبك ) وذلك تمهيدا للإعفاء من الديون.
> هل يمكن أن يؤثر قرار رفع العقوبات على الديون المعلقة بين السودان وجنوب السودان؟.
< حقيقة هذه المبادرة ما زالت عبارة عن مجرد حديث فقط، ومفاوضات مع دولة الجنوب وليست أمرا واقعا، والجنوب بالطبع تتعلل بأنها لم تكن موجودة حين وقعت الديون، والسودان يؤكد أن الديون مبالغ تم صرفها على مشروعات في الجنوب، ولكن لم نصل بعد إلى حل قاطع، يمكننا من تقاسم تلك الديون وفي الوقت الحالي ليس هو الأمر العاجل وإنما الوصول إلى اتفاق في تقسيم الحدود وحركات المعارضة التي توجد بجنوب السودان وتوجه ضرباتها إلى السودان.
> من وجهة نظرك، بماذا سيسهم قرار رفع الحظر في مشروعات التنمية بالبلاد بما أن هنالك كثيراً من المشروعات توقفت بسبب الحرمان من التمويل الدولي؟.
< يجب أن نكون واقعيين، ليست مشروعات التنمية فقط هي التي توقفت، وإنما عجلة الاقتصاد السوداني في حالة شبه توقف . وأسئلة كثيرة تدور عن ماهو الحل وأجيب بالقول إننا في حاجة ماسة إلى تدفقات رأس مال من الخارج، وبالنسبة لأمريكا فهي لا تفعل شيئا دون أن يكون لها من ورائه فوائد، لأن المبدأ الأول في أمريكا هي النظرية الاقتصادية، وأعتقد أن هنالك شركات أمريكية فعلا أتت إلى السودان ووقعت عقوداً مع أطراف متعددة من ضمنها الحكومة السودانية، وهذا الرفع يسمح بتحويل الأموال ورؤوس الأموال بالدولار من الخارج الى السودان عبر البنوك والمصارف والعكس صحيح، وهذا يسمح بتدفق رؤوس أموال من الولايات المتحدة وأعتقد أن السودان له أهمية استراتيجية كبيرة جدًا بخلاف ما يقال عن أمور أخرى. والسودان لايزال هو قلب العالم ولا يمكن أن يتم إهماله بهذه الصورة والأمريكان (حصيفين وأوعى )من أنهم يؤدون الى الانهيار الكامل للسودان أو تفتيت البلاد بسبب النزاعات الأهلية أو الحصار الاقتصادي وقطعاً هم مستفيدون من ذلك.
> ماهي أبرز النقاط الإيجابية في القرار؟.
< السماح للبنوك أن تتعامل مع السودان بالدولار، وقطعاً الدولار يمثل عملة التعامل الدولية ولذلك يمكننا أن نفتح خطابات اعتماد ونصدر للخارج لتأتي إلى البلاد عملة صعبة تحسن الاقتصاد.
> هل القرار الأمريكي يؤثر على العلاقات السودانية الصينية بما أن الصين وأمريكا أكبر اقتصاديات في العالم؟.
< الاقتصاد الصيني أو النهم الصيني له خاصية تمدد، وهنالك شائعات أطلقت مؤخراً لا أجزم مدى صحتها، ولكن الصين لها مصالح في السودان يمكن ان تمتد بصورة قوية الى مزيد من الاستثمارات وتدفق بشري، وأعتقد أن الولايات المتحدة لا يمكن ان تسمح بذلك لأن قارة افريقيا بالنسبة لها تمثل (فناء المنزل الأمريكي) وبالتالي الأمريكان لهم دوافعهم الواضحة ومن أجلها قد تحارب حتى حلفائها وليس بالضرورة أن يؤثر القرار على دولة الصين التي تمثل وحشاً اقتصادياً في آسيا (التنين) كما يطلق عليها، وتمدد الاقتصاد الصيني الى أمريكا وكندا وأستراليا والسودان وهي دول اكتملت بنياتها الاقتصادية، والسودان بلد يزخر بالثروات والمياه والبترول، وبالتالي يمكن للصين أن تقوي من علاقاتها بالسودان.
> يمكن القول إن السودان أتيحت له فرص الاستفادة من اقتصاد أقوى دولتين الصين وأمريكا؟.
< نعم لم لا، وأنا أفكر بمنطق اقتصادي، وسابقا لم نستفد من توظيف عائدات البترول والتقدم التكنولوجي.
> هناك تخوف كبير من عدم الاستفادة من الاقتصاديات والقرار في النهوض بالاقتصاد الوطني؟.
< لهذا السبب الأمريكان وضعوا فترة الستة شهور كفترة اختبارية، وبالنسبة لنا هذة الفترة تتطلب منا أن (نوضب البيت السوداني من جوة) وعمل تغييرات هيكلية في الإدارة والاقتصاد ومقاومة الفساد والتوجه نحو المبدأ الاقتصادي الصحيح والمبدأ الديني وتحقيق الشفافية خلال الستة أشهر وهي عبارة عن مهلة كي ننظم أنفسنا من الداخل. وأعتقد أن هذه رسالة للحكومة السودانية وإلا ستكون العواقب وخيمة وهي فرصة (ونفاج) لنطلع الى بر السلامة وخاصة أن الإدارة الأمريكية القادمة ادارة متشددة جدا واقتصادية بحته والأمريكان لن يحذوا حذو دول أخرى استثمرت في السودان وكانت لها مخالفات واضحة، وأتمنى ان نستغل هذه الفرصة لمصلحتنا ونبدأ في ترتيب أوضاعنا وعمل مصالحات حقيقية مع كل القوى السياسية والشعب السوداني الذي صبر كثيراً على الغلاء والانهيار الاقتصادي.
> من الملاحظ تراجع سعر الدولار في السوق الموازي منذ لحظة إعلان القرار ما تعليقك؟.
< صحيح، تراجع سعر صرف الدولار في السوق الموازي وتراجع من 19 جنيهاً إلى 16 جنيهاً بواقع 3 جنيهات، وهذا أمر جيد وفي حالة بدأنا الإصلاح الاقتصادي واستطعنا زراعة المساحات الزراعية الشاسعة التي يمتلكها السودان، وإصلاح العلاقات مع المجتمع السوداني بكافة مكوناته ووقف تهريب الذهب وتصديره وإحياء الصناعات التي ( ماتت ) وفعلا نحن بحاجة لتدفقات رأس مالية من الخارج ويمكن الحصول عليها مع وجود توافق مع السياسات الأمريكية.
> هل تتوقع تراجع الدولار وتوحيد سعر الصرف ما بين السوقين الرسمي والموازي؟.
< أنا أتوقع أن تكون هنالك استجابة من الحكومة وإعلان لبرامج إصلاحية داخلية ولا نستطيع نكران تراجع الأداء والخدمات للمواطن، ولكن حال بدأنا الإصلاح لابد من تغيير حقيقي، وإذا حدثت استجابة من الحكومة السودانية خلال الشهرين المقبلين سوف تكون هنالك علامات إيجابية كثيرة من الحكومة الأمريكية، وسوف يشهد النشاط الاقتصادي حراكا كبيرا، وأتوقع أن يواصل الدولار الانخافض الى 12 جنيهاً وعليه الإصلاح الاقتصادي يتطلب مزيداً من الصادرات السودانية وهي العامل الأول الذي يؤدي الى انخفاض الدولار. والعامل الآخر الشفافية في المنتج من البترول.
> هل تتوقع توافد شركات أمريكية للاستثمار في السودان؟.
< نعم، أتوقع أن تتوافد شركات امريكية للاستثمار في السودان، وغالبا في قطاعات النفط والذهب، ولا بد من تحسين البيئة وتهيئة وضع سياسي واقتصادي واجتماعي مستقر لتعمل فيه.
> ما مردود القرار على القطاع الزراعي؟.
< إذا كان هنالك إصلاح بالنسبة للقطاع الزراعي فهو لابد ان يكون هناك إصلاح في الشكوى الأولى للمنتج وهي الضرائب والجبايات والتي ليس لها حد معين.
> وماذا عن القطاع الصناعي؟.
< وهل تبقى قطاع صناعي؟! الضرائب لها مبدأ اقتصادي وهو أخذ الضريبة على أرباح رأس المال فقط، وليس من حر رأس المال والذي تآكل بفعل خفض قيمة الجنيه وتوقف العمل في المصانع بسبب الرسوم والجبايات ومشكلات الكهرباء والمياه .
> هل القرار يمكننا من استعادة الاستثمارات الوطنية التي هربت إلى الخارج نتيجة المشكلات المعقدة في الاقتصاد؟.
< نعم في حالة وجود عقل يدير هذا الأمر، بمعنى نحتاج إدارة اقتصادية متمرسة لإعادة الثقة وإصلاح البلاد. وأشير الى أن الأمريكان سوف يعملون على مراقبتنا خلال الفترة الممنوحة كمهلة و(الكرة في ملعبنا الآن).
> ماهي الآلية التي تجعل القرار الأمريكي في مصلحة السودان قبل وبعد فترة السماح؟.
< لا بد من تغيير شامل في الإدارة ووجوه ومفاهيم جديدة لإدارة الاقتصاد والحكم الرشيد، وهذا القرار ليس اقتصادياً فقط، وإنما هو قرار سياسي بحت.
> الخسائر التي تكبدها السودان خلال فترة الحظر ماهي؟.
< خسرنا أموال البترول والمشاريع القومية الحقيقية وأهم ما فيها مشروع الجزيرة والسكة حديد ومن ثم الناقل الوطني سودانير والخطوط البحرية السودانية والخطوط النهرية وشركات كثيرة وأصبحنا على (الحديدة) وخسرنا العقول السودانية والكوادر المؤهلة جراء الهجرة إلى الخارج.
> القرار هل يشجع ويحفز المغتربين في مسألة تحويلاتهم إلى البلاد؟.
< ما لم يحدث تغيير في الإدارة الاقتصادية وإعادة وتجديد الثقة، لن يقدم المغتربون على مسألة التحويلات الى البلاد وتقديم المزيد من الحوافز لن تفيد الأمر، ولكن يمكننا أن نعيد بناء الثقة وفتح حسابات لهم بالدولار في البنوك السودانية والهدف الأساس من الإصلاح هو الحفاظ على الأمة السودانية منعاً للتفتت في أنحاء الوطن والتغيير الاقتصادي يساعد على التغيير السياسي.
> القرار الأمريكي هل يسهم في معاش الناس ؟
< توفير الأكل والشراب والدواء والكساء والتعليم، هي أساسيات معاش الناس، وقطعاً من إيجابيات القرار.