نبض المجالس ..عبقرية (كاشا)..هاشم عبد الفتاح

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

عبقرية (كاشا)
ما الذي يراهن عليه الدكتور عبد الحميد موسى كاشا والي النيل الأبيض في أن يأتي بدورة مدرسية غير مسبوقة وناجحة بمقاييس الدورات السابقة ؟ هل بنى كاشا رهانه هذا على عبقرية جديدة ،أم على أفكار جديدة هو صانعها؟ ام أوحي إليه بأنه سيكون عبقري زمانه في صناعة وإنتاج الدورات المدرسية الفريدة التي لا ينافسه عليها أحد؟.
ليست العبرة في أن يأتي الافتتاح زاهياً وجاذباً، فالعبرة دائماً بالخواتيم ولكننا نتساءل بكل صدق : هل فعلاً فكر كاشا كثيراً ثم قدر وتأمل وأجرى مسحاً وتقييماً شاملاً لواقع ولايته من حيث مقوماتها وبنياتها التحتية ومناخاتها وظروفها الاقتصادية والخدمية والاجتماعية، ام ان هذا المسح ربما أوهمه بأن دورته المدرسية هذه سيحالفها النجاح ؟ .إذن.. الذي يجب أن يدركه السيد جناب الوالي أن أي مشروع ناجح لابد له من فكرة ناضجة وإرادة غالبة ومقومات لازمة ومطلوبة لهذا النجاح لكن يبدو أن الواقع في بحر أبيض تنتفي فيه هذه المقومات الثلاثة في وقت تتصاعد فيه خطب وشعارات وتأكيدات كاشا والتي ينشط في إطلاقها الآن عبر المنابر والميديا المحلية لا تسنده في ذلك معطيات ولا مقومات مادية، والأغرب في ذلك أن الجوانب النظرية فيها على قدر من الإسفاف على حساب الجوانب العملية .
نحن هنا لسنا ضد الأفكار الجديدة ولا ضد الطموحات والأشواق التي يأتي بها الولاة والحكام (المجددين) حينما يقررون الاحتفاء بمناسباتهم القومية، ولكننا مع المنطق والعقل والواقع الذي يعيشه مواطن بحر أبيض وبالأخص في مجال خدماته ومؤسساته التعليمية، ولهذا فإن الذي يجب أن يتداركه الدكتور كاشا ولا ينبهر بالافتتاح أن يردم الهوة بينه وبين مواطنيه وإقناعهم أولاً بجدوى أن تكون هناك دورة مدرسية بولايته حتى يأتيه المواطنون طوعاً لا كرهاً ويستقطعوا من أقواتهم إيثاراً لهذه المناسبة القومية وأن يتجنب كذلك فرض الجبايات والرسوم قسراً عبر الآليات الرسمية لتغطية العجز في موازنة هذه الدورة المدرسية .
التمويل «القاصر» بالجزيرة
رغم أن مشروع التمويل الأصغر يشكل رؤية إستراتيجية وفقهاً ضرورياً للحكومة لامتصاص صدمة الانهيارات الاقتصادية والمطبات المالية في ميزانيات الحكومة قديمها وجديدة إلا أن هذا المشروع وبالأخص في ولاية الجزيرة يعاني من عثرات وعقبات عديدة حدت من تمدده وكادت أن تجهض فكرته لأن الذين أوكلت إليهم مهمة بسط فكرة وسياسات مشروع التمويل الأصغر على مستوى الولاية بحضرها وريفها عجزوا من تنفيذ المشروع فاختزلت الفكرة بكاملها في بعض حواضر المحليات الكبرى بالجزيرة .
يبدو أن هناك حالة من الاسترخاء من البنك المركزي في متابعة وتنفيذ القرارات الرئاسية والتي حددت 12% من أموال هذه البنوك لتمويل أنشطة ومشروعات التمويل الأصغر لكن الحقيقة تؤكد أن قطاعاً كبيراً من فقراء الجزيرة لم تصلهم هذه الخدمة وربما لم يسمعوا بفكرة مشروعات التمويل الأصغر في محلياتهم او وحداتهم الإدارية ولهذا ظلت حكومة الولاية تشكوا من هذا القصور وإن كان قدراً كبيراً من هذا القصور يرد الى ضعف همة وإرادة معتمدي المحليات والذين كان يتوجب عليهم البحث في كل الخيارات والوسائل التي يمكن عبرها تقليص مساحات الفقر والبطالة بالجزيرة والوالي محمد طاهر إيلا أقر بحقيقة أن هذا المشروع لا تحكمه آلية فاعلة للرقابة ولا أحد يحاسب هذه البنوك في أحجامها وتقصيرها وعدم التزامها بنسبة الـ12% المخصصة للتمويل الأصغر، بل إن هذه البنوك الموجودة الآن بالجزيرة ظلت هكذا تفرض شروطاً وضمانات قاسية ومستحيلة ربما لم تتوفر لدى المواطن البسيط ولهذا تزيلت الجزيرة قائمة الولايات المستفيدة من مشروعات التمويل الأصغر وبنسبة 20% فقط الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في هذه السياسات وهذا ما عبر عنه نائب رئيس الجمهورية بكل استياء وعدم رضاء فأطلق تهديداً صريحاً بأن الحكومة ربما تضطر الى سحب رخص هذه البنوك التي فشلت في التزاماتها بتخصيص نسبة الـ 12% من أموالها للتمويل الأصغر .
ولم يكن التمويل الأصغر وحده هو الذي تراجعت نسبة الاستفادة منه بولاية الجزيرة، ولكن أيضاً لم يستفد مواطن الولاية من مكرمة العلاج المجاني وخصوصاً المواطنين فصلت بينهم وبين حواضرهم مسافات من الرهق الطويل ولكن أخطر ما في هذه القضية كما عبر عنها نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن أن هناك (آخرين) وهي في حقيقة الأمر (مافيا) تتحرك وتتغلغل بين دهاليز الخدمة المدنية وأزقتها لسرقة دواء المرضى من الفقراء ثم تعيد تسويقه من جديد بأسعار سوداء ربما أدركت الحكومة المركزية الآن بأن ما تقدمه من مشروعات مجانية للمواطنين سواء أكان ذلك في شكل أموال او أدوية لم تصل الى مستحقيها فتتلغفها (الكروش) الجشعة ولهذا فإن الجهات المعنية هناك مطالبة من قبل رئاسة الدولة بتقارير شفافة وعاجلة تجيب عن كل التساؤلات الحائرة والتي تعبر تماماً عن حقيقة واقعية بأن الجزيرة بلا تمويل أصغر وبلا علاج مجاني وربما تصدر قرارات عاجلة من حكومة الولاية لتصحيح هذه الأوضاع، ولكن رغم كل هذا الحصار والمتابعة من نائب الرئيس إلا أنه أكد على رضاء مؤسسة الرئاسة لما تم الآن بالجزيرة من تنمية وخدمات والتفاف جماهيري حول حكومة ايلا .
هوية الحكومة «الوشيكة»
أياً كانت طبيعة الحكومة المرتقبة ومهما كانت توصيفاتها ما بين رشيقة وعريضة او مترهلة او واسعة التمثيل او ضامرة المنكبين، فهي تظل في ذهنية المواطن وفي خاطره بلا قيمة وبلا أمل، لا لون ولا طعم ولا رائحة لها إن لم تشارك هذه الحكومة المواطنين في همومهم وموجعاتهم وتقتسم معهم الرهق والعناء والبؤس وتفكر بجهدها ومالها مع أية أسرة سودانية بحثاً عن معادلات جديدة وصيغ وخيارات بديلة تعيد بها توازنها على المستوى الاقتصادي والنفسي والمالي داخل كل أسرة سودانية باعتبار أن قطاعات كبيرة من المواطنين تعيش ظروفاً اقتصادية قاسية تحت وطأة جنون الأسعار وانفلات الأسواق.
ليس مهماً لدى المواطن أن تنشغل النخبة السودانية بما يجري في الملعب السياسي من "عك" وسباقات سياسية تبحث عن شراكات وعن نصيب في الكيكة التي تصارعوا واحتربوا من أجلها ثم تحاوروا أيضاً من أجلها حوالي ثلاث سنوت تحت قبة قاعة الصداقة، فالذين تهمهم الحكومة وينشغلون بها من حيث شكلها الخارجي وملامحها ومضامينها ومكوناتها الداخلية هم أولئك الذين ينتظرون فجرها القريب ولهذا ينشغلون.
وكل المعطيات المتاحة الآن في المشهد السياسي السوداني تؤكد أن الحكومة المرتقبة ربما جاءت وهي أكثر تعبيراً واستجابة لشركاء الحوار أكثر من كونها معبرة عن القضايا الحقيقة التي يعاني منها السودان في اقتصاده وتنميته وخدماته ومعاش مواطنيه . فبعض القوى السياسية التي قبلت بالحوار كانت تنظر إليه من زاوية ذاتية وأنها كانت تعشم بنصيبها من السلطة ولا يهمها فيما بعد أن تلتزم الحكومة بإنفاذ مخرجات الحوار او لم تلتزم فإن الغاية قد تحققت، ربما تكسب هذه الحكومة الوشيكة قدراً من الاهتمام الجماهيري اذا أراد لها أهل الحوار أن تكون (حكومة مهام) تتولى مسؤولياتها كاملة لمعالجة أعطاب الدولة وملفاتها المعقدة وفق برنامج محكوم بسقوفات وآجال زمنية تسنده إرادة سياسية قوية .
حينما يكون الطبيب «دبلوماسياً»
دائماً حينما يعبر السودانيون حدود دولتهم وتبتلعهم المهاجر فإنهم يبدعون ويبهرون تلك المجتمعات وبالأداء وبالابتكارات وقبل كل هذا فهم أمناء صادقون في مهنهم ووظائفهم ، فكم من سودانيين برعوا خارج الحدود وباتوا نجوماً يحفظ لهم التاريخ العالمي حقهم وعطائهم .
فقبل حوالي شهرين قاد البروفيسور عبد الله بشير اختصاصي العيون وعميد كلية مكة التقنية للعيون فريقاً سودانياً طبياً متخصصاً في طب العيون طار به الى دولتي المغرب وموريتانيا في سياق رؤية وإستراتيجية مؤسسة البصر الخيرية العالمية (قطاع السودان) لتوسيع رقعة خدمات طب العيون على مستوى القارة السمراء انطلاقاً من السودان فنثر هذا الفريق الطبي السوداني خدماته برشد وإنسانية فغطت مظلته الخدمية أكثر من 38 ألف حالة مرضية وإجراء حوالي 4 آلاف عملية عبر 9 مخيمات مجانية في دولتي المغرب وموريتانيا على مدى شهرين فكان السودانيون هناك محل إعجاب وتقدير وإشادة فكان الدكتور سليمان عبد التواب سفير السودان بالمملكة المغربية أكثر احتفاءً وسروراً بهذا الإنجاز والعطاء الذي قدمه أطباء العيون السودانيين لأشقائهم في المغرب وموريتانيا، وهكذا تسمو وترتقي الدبلوماسية الرسمية حينما تغذيها روافد ومؤسسات ومنظمات الشعوب.