مدرسة الخدمات المتوسطة .. أساطين التعليم بالمدرسة.. صلاح عبد الحفيظ

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

> قبل دخولنا ساحتها الرحيبة, كان يتردد على أسماعنا أسماء شخصيات كانت بمثابة أساطين في عالم التدريس والتعليم. سمعنا باسم الأستاذين صلاح شرشار وطلحة محمد أحمد. وهما من المعلمين اللذين التحقوا بالمدرسة في سنة تأسيسها في العام 1967م. لم نكن من المحظوظين بالجلوس لهذين المعلمين في قاعة الدرس. وكان عام دخولنا للمدرسة في يوليو 1981م هو عام مغادرتهما للمدرسة نحو العمل بمكتب تعليم المرحلة المتوسطة كموجهين, ورغماً عن مغادرتهما المدرسة إلا أن سطوتهما كانت متصلة كمعلمين بالمدرسة وبل كانت صرامتهما واضحة على الجميع. كيف لا وذاك زمان احترام المعلم بل وتبجيله.
> يكمن سبب وجود هذين المعلمين بالمدرسة المتواصل يومين أو ثلاثة قرب مساكنهما من المدرسة. فالأستاذ يحيى شرشار يقع مسكنه جوار المدرسة بحي الحصا. في الشارع المؤدي نحو مسرح النيل. بينما يقع مسكن الأستاذ طلحة محمد أحمد بحي الامتداد الشرقي, وهو الحي الذي حين يخرج منه شخص قاصداً موقع عمله لا بد له من المرور بالمدرسة باعتباره آخر حي سكني بالمدينة, وبعده فراغ من بيداء الخلاء الذي لا حد له وهو ما تغير الآن إذ أصبحت هذه المنطقة الآن ذات غابة من المساكن.
> في وجود الأستاذ صلاح شرشار بالمدرسة كان حينما يتحلق حوله المعلمون نشعر وكأنه أستاذ للأساتذة, فالصمت يكون حضوراً والعلم يتدفق من بين كلماته وعباراته. فهو غير عمله بالتدريس لمادتي اللغة الإنجليزية والتاريخ فهو مثقف من طينة علماء الثقافة. علم النفس والتاريخ علم الاجتماع وفوق كل ذلك له اهتمام بالآداب والفنون. ما سبق عرضه حول شخصية الأستاذ صلاح شرشار هو ما لم نكن نعلم به حينها. بل عرفنا ذلك بعد سنوات طويلة بعد تخرجنا من المدرسة وجلوسنا معه. أما الأستاذ طلحة محمد أحمد فكان ذا صرامةً واضحةً وشخصيةً طاغيةً مكنته من الظهور بمظهر أحد أساطير التعليم في زمان مضى.
> فالقميص الأبيض والبنطال الأسود كانا من ضمن متلازمة شخصه المهيب. أجزم صادقاً بأن الأستاذ طلحة محمد أحمد ومنذ أن رأيناه أول مرةٍ في ذلك العام الندي 1981م كان شعر رأسه وما زال في مقاس محدد, وكأنما أراد صاحبه أن يكون متلازمة أخرى كمثل قميصه الأبيض وبنطاله الأسود. فطوال هذه السنوات حافظ هذا المعلم الأسطوري على طريقة حياته في أشياء لم تتغير البتة. بدءاً من ممارسته لرياضة المشي دون استغلال وسائل المواصلات المتوفرة ومروراً بهندامه النظيف والمنسق وانتهاءً بشعر رأسه الذي في قلته يمثل وقاراً بائناً زائداً عدساته البيضاء التي لم تتغير.
> الاثنان تميزا بقدرات لم ولن تتكرر لأن المولى عز وجل أراد لهما أن يكونا معلمين من طينة لن تتكرر. من أساطين المعلمين بالمدرسة كذلك المعلم السر الحسن وهو أحد الذين كانوا في سنوات بقائهم بالمدرسة من ذوي الحس الإنساني العالي والقدرات اللغوية الواضحة.
> من غرائب أستاذنا المرحوم السر الحسن أنه لم يكن كثير حديثٍ أو مهتم بشغب الطلاب أو حتى معاقبتهم بل كان لين العريكة. هادئ النفس كثير الابتسام وهو ما جعل الطلاب في احترام واضح له وهو شخصيته هذا لم يكن ضعيف الشخصية. بل كان يرى أن علاقة المعلم بالطالب يجب أن تكون ذات أبعاد إنسانية متقدمة. وهو الفهم الذي قاله لنا بعد عشر سنوات من وجودنا معه بالمدرسة.
> علمنا كذلك أن الأستاذ السر الحسن درس تخصصا نادرا بجامعة سوفيتية بالاتحاد السوفيتي في سنوات مجده الزاهر وكان حضوره للسودان حاملاً تلك الشهادة في سنوات كثر فيها التضييق على أمثاله القادمين من دولة شيوعية, فكان أن التحق بالتعليم كمعلم لمادتي اللغة الإنجليزية والتاريخ. فكان من حظنا أن حظينا بصديق هو معلم لنا. واتصلت هذه العلاقة حتى وفاته في صيف العام 1991م.
> أستاذ السر الحسن ذلك المعلم صاحب الطول الفارع والنحافة الواضحة بنفس طيبة كنيته وأصله. فهو دائم الاستقبال لأصدقائه وطلابه بمنزله المطل على شارع المطار جوار عيادة الفرجابي ونادي الحرية. وهو المنزل الذي قضينا معه به أياماً قصيرات قبل وفاته الفاجعة.
< إنهم معلمون كانوا في عداد الأساطير سعدنا بمعرفتهم ومعاصرتهم.