السبت، 19 آب/أغسطس 2017

board

ارتفاع أسعار الدواء.. شركة الإمدادات الطبية سبباً

إمام محمد إمام
غاية أُمنية المواطن، أن يظل سعر الدواء على ما كان عليه، عندما كان الأخ الدكتور محمد حسن العكد الأمين العام لمجلس الأدوية والسموم الذي أُعفي بجمعةٍ،

ككبش فداءٍ لارتفاع أسعار الدواء، وحينها ثار المواطنون للزيادة المطردة في أسعار الدواء حتى تدخل الأخ الرئيس عمر البشير.  وما بكينا منه وقتذاك، نبكي عليه بدمعٍ هتونٍ اليوم. فالزيادة في أسعار الدواء مطردة، ووزارة الصحة الاتحادية مشغولةٌ منهمكةٌ، إما في الإسهالات المائية، أو منازعة وزارات الصحة الولائية في اختصاصاتها وأيلولتها التي اكتسبتها بمراسيم رئاسية، أو السفر، زُمراً وفُرادىً، مثل ما يدعو الحجيج الموسم، إلى خارج السودان لحضور المؤتمرات، والمشاركة في انتخابات منظوماتٍ صحيةٍ، حصيلتنا منها سراب.
وأحسبُ أنه من الضروري، من باب المقاربة وليس المقارنة، بين الأمس واليوم، أن أشير إلى أنه في سبعينات القرن الماضي، وحتى عندما انتهى عهد الرئيس الراحل جعفر محمد نميري في أبريل (نيسان) 1985، كانت الأدوية توزع على المرضى في المستشفيات الحكومية مجاناً، وقلما يدفع المريض على فحصٍ وتشخيصٍ، أو إقامة داخل مستشفيات الدولة، ومراكزها الصحية، ثم جاءت فوضى العهد الديمقراطي الذي انفرط فيه عقد الخدمات الصحية والطبابة. وجاءت الإنقاذ في جمعةً جمعاء، وليلةٍ ليلاء، في 30  يونيو (حزيران) 1989، وكان من نتائج الدراسات الاستراتيجية في مجالات الخدمات الصحية والطبابة، أن جعلت هنالك مساهمة للمواطن في تكلفة العلاج، بغرض استدامة الخدمة ( Cost Sharing)، وهو ما أوصت به منظمة الصحة العالمية ( WHO)، وإعلان باماكو (مالي)، ولكن كان يجب أن يتم هذا وفق موجهاتٍ، أولها:  أن ينهض التأمين الصحي، كأحسن نظامٍ تكافليٍ للتمويل، حسب رأي كثير من مفكري اقتصاديات الصحة (راجع في هذا الشأن، دراسات الدكتور خالد هباني).
كان دور الإمدادات الطبية محورياً، في وفرة الدواء وانسيابه ودعمه، وخلق حزامٍ واقٍ، لتثبيت سعر الدواء، وبالتالي كان التفكير ألا تكون الإمدادات الطبية شركة ربحية، تضارب في سعر الدواء، وتنصب نفسها منافساً للقطاع الخاص.
أتساءل بصدقٍ، هل نحتاج إلى دراسة لأسعار الدواء الآن؟ وهي قد ارتفعت إلى أكثر من مائة بالمائة، منذ الزيادة التي ألصقها السيد بحر إدريس أبو قردة وزير الصحة الاتحادية إلى الدكتور محمد الحسن العكد الأمين العام لصندوق الأدوية والسموم السابق.  فماذا يحدث الآن في سوق الدواء؟!
الأسباب الظاهرية في ارتفاع أسعار الدواء، هي ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العُملة المحلية، مما يزيد سعر التكلفة، لاسيما أمام عجز بنك السودان المركزي عن توفير الدولار، لمقابلة مشتريات الدواء.  والأسباب اللازمة لزيادة سعر الدواء، هي تحويل الإمدادات الطبية إلى شركة ربحية، تنافس القطاع الخاص، وتزاحمه في مجال عمله، بل تحتكر أصناف الأدوية المهمة، بدعمٍ حكوميٍ، وهي خارجة من المحاسبة، فيما تفعله بالأرباح، ودخولها في مشاريع لا تمت لوظيفتها الأساسية بصلةٍ، وإضافة عبءٍ إضافيٍ، وزيادة في أسعار الدواء. وخيرُ ما نستشهد به في هذا الصدد، بناء القاعة الفخيمة، وتحويل جزء من الإمدادات الطبية إلى مؤسسات تعليمية جامعية تؤجر القاعات، وتُمنح الدرجات العلمية فيها، وتُقام المناسبات الخاصة بها، وتُدرب الكوادر الطبية فيها، مما يُبحر بها خارج مسؤولياتها، بل وإضافة تكلفة مالية جانبية، مثل هذه لا بد أن تثقل كاهل المواطن بزيادة مهولة في أسعار الدواء. فالدولة هي نفسها، بقرارات النافذين، وعدم وضوح استراتيجية وأهداف هذه المؤسسات، تُسهم إسهاماً واضحاً في معاناة المواطنين.
والمعلوم أن بنك السودان المركزي يُوفِّر دولار الدواء للإمدادات الطبية بالسعر الرسمي، والإمدادات الطبية تبيع الدواء للمؤسسات الحكومية بما تراه مناسباً على أقل تقدير، بأرباحٍ فوق الـ 10٪‏، والأخيرة تقوم ببيعها للمواطن، بإضافة أرباح أخرى . وباسم الشراء الموحد، وهي كلمة حقٍ أريد بها غير حق شراء الدواء والمستلزمات الطبية، لكل المؤسسات والمنظمات الطبية، اتحادية كانت أم ولائية. وبهذا الشكل، وبتغير وظيفة الإمدادات الطبية إلى شركة ربحية احتكارية، تتحكم في أسعار الدواء، بل تسعى بأرباحها غير المراقبة في دفع المواطن إلى الحرمان من الدواء أي من الصحة، وبالتالي تدفعه دفعاً إلى الفقر.
في رأيي الخاص، كانت فكرة الإمدادات الطبية، أنها إمداد لمستلزمات الدولة من الدواء وتوسعها، بحيث تكون صِمَام أمانٍ لعدم زيادة الأسعار وتوفرها، خاصةً وأن ميزانياتها، والدعم الأساسي، والبُنية التحتية، هي من مال المواطن نفسه الذي يدفع لمباني وقاعات ومراكز أُبهة، وسفر وتدريب غير مقننٍ من رسوم سلعة حيوية، كالدواء.
وأرى أن الحكومة تتدثر حول حوائط شفافة تكشف العجز في اتخاذ القرار المناسب، وتلغي فكرة شركة الإمدادات الطبية والتي بالحيثيات المتاحة، هي نافذة لزيادة إيرادات لجهاتٍ، ربما تجد صعوبة في توفيرها لأغراض بعيدة عن توفير الدواء للعاجزين، وحتى التأمين الصحي الذي يُعتقد أنه منفذ إلى مسألة تمويل الخدمات الطبية، أصبح منهوكاً، بمسائل وإشكالات يعيشها المواطن، وينكرها المسؤولون.  ومسؤولو وزارة الصحة الاتحادية، والمجلس القومي للمهن الطبية والصحية، إما ينكرون أية زيادة في أسعار الدواء، أو يتغافلون عن الإجابة الصريحة عن أسباب زيادة أسعار الدواء. الكل يشعر، بل ويُمارس النقص في الدواء وأنواعه، ولكن الإحصاءات الرسمية من السيد بحر إدريس أبو قردة وزير الصحة الاتحادية، دائماً تُطمئن بوفرة الدواء، وبانخفاض الأسعار.  فمريض التأمين الصحي من المفترض أن يدفع 25٪‏ من تكلفة الدواء، كتحميلٍ مُجازٍ في بطاقته، ولكن نسبةً للزيادة المطردة في الأسعار التي يذكرها المسؤولون. نرى أن المواطن يتحمل الفرق في السعر القديم، ثم يدفع 25٪‏ من السعر الجديد، والكل يعلم هذا تماماً، وينكر أية زيادة في الأسعار.
أخلص إلى أنه، من الضروري الإشارة هنا، إلى أن ما ندعو إليه هو تغيير استراتيجية شراء الدواء، والنظر في عودة إمداداتٍ طبيةٍ تسند توفير الدواء بأسعار يستطيعها المواطن.
ومن المأمول، أن إصلاحات الدولة والحكومة التي يرعى برامجها دولة الأخ الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء القومي، أن تكون من أُولى أولوياتها الاهتمام بقضايا الناس وصحتهم، فلذلك يجب أن يتصدر ملف شركة الإمدادات الطبية، اهتمام كل من يُرِيد الإصلاح.