الثلاثاء، 26 أيلول/سبتمبر 2017

board

مازال الأمل قائماً في رفع العقوبات

صديق البادي
-كان الأمل كبيراً في رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية عن السودان بعد انتهاء فترة الستة اشهر، ولكن فوجئ الجميع بتمديد المدة لثلاثة اشهر تنتهي في اليوم الثاني عشر من شهر اكتوبر القادم.

والذي عانى واحتمل الظلم لاكثر من عشرين عاماً يمكن أن ينتظر ويحتمل هذه الأشهر القليلة التي نأمل في نهايتها أن يعلن الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية الامريكية  وربما أراد الرئيس الامريكي ترامب أن تكون له بصمته الخاصة في اتخاذ القرار الكبير، ولا يريد أن ينسب الفضل كله لسلفه الرئيس السابق اوباما. وترامب أساساً رجل مال وأعمال وتجارة يحسب الربح والخسارة المادية، ومن مصلحته أن يمد جسور التعاون مع السودان، وهو يدرك امكاناته الهائلة وكنوزه وثرواته الضخمة التي لم تستغل الاستغلال الامثل حتي الآن، ويمكن أن يتجه المستثمرون والقطاع الخاص الامريكي للاستثمار في السودان الذي يمكن أن يكون بوابتهم نحو إفريقيا، ولعل قطاعات واسعة ذات تأثير ترى أن رفع العقوبات عن السودان ينفعها ولا يضرها، وفي الكفة الاخرى توجد قوى ضغط اقل من تلك تسعى لعدم رفع العقوبات عن السودان. والمؤسف أن من هؤلاء سودانيون عاقون بوطنهم منهم (منظمة كفاية) التي تلعب دوراً قذراً وتمثل مخلب قط وتتبع للفئة الصغيرة المتنفذه في قطاع الشمال التي تعيش في احلام واوهام والغاية عندها تبرر الوسيلة، وظلت تسعى بكل السبل الملتوية لابرام اتفاقية تماثل اتفاقية نيفاشا تتيح لها اقتسام السلطة مع حزب المؤتمر الوطني، بذات النسب التي حصلت عليها الحركة الشعبية عند توقيع اتفاقية نيفاشا، وترفض هذه القلة المتنفذة أن تعامل كسائر الاحزاب الاخرى التي فاق عددها المائة، أو كسائر حركات التمرد الاخرى التي ارتضت الحوار واعدادها كبيرة، ولكن القلة المتنفذة والمغرورة سدرت في غيها وتنتظر السراب وماء الرهاب ولن تفيدها خيانة وطنها في الخارج شيئاً، وثمة حقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار وهي أن دولة جارة شقيقة تسعى جاهدة لئلا ترفع العقوبات عن السودان غيرة وحسداً منها، ويغيظها أن يتعامل معها بندية  وجاء في الأنباء أن خمسين عضواً بالكونغرس الامريكي من الجمهوريين والديمقراطيين طالبوا بضرورة رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، وهم يمثلون عشرة في المائة من اعضاء الكونغرس البالغ عددهم خمسمائة عضو. والمؤكد أن هؤلاء الاعضاء الخمسين لا يعرفون شيئاً عن السودان، ولو عقد لهم امتحان تحريري تضمن اسئلة سهلة عن السودان من حيث موقعه الجغرافي مع تقديم اسئلة سطحية يمكن أن يجيب عنها أي تلميذ بمرحلة الاساس، فالمؤكد أن يفشل جميع هؤلاء الاعضاء في هذا الامتحان، ومن المؤكد أن يحصل كل منهم على صفر وهم يتحاملون على وطن لا يعرفون عنه شيئاً ويتعاملون بروح عدائية نتيجة لشحنهم شحناً عاطفياً بواسطة منظمات معادية للسودان وآلة اعلامية مجردة من الصدق والأخلاق.
وفور صدور القرار الأمريكي أصدر المشير عمر البشير رئيس الجمهورية قراراً جمهورياً أعلن بموجبه ايقاف اللجنة العليا المكلفة بالتفاوض مع الامريكان ومتابعة المسارات المتفق عليها. وفي تقدير سيادته أن اللجنة اوفت بكل التزاماتها وادت مهامها وليس هناك مزيد لمستزيد، وليس هناك جديد يمكن أن تقدمه، ويبقى الانتظار حتى الثاني عشر من اكتوبر القادم لمعرفة النتيجة النهائية، ولم يبد سيادته أية روح عدائية ولم يقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الامريكية، وتسير الأمور سيرها العادي. ولعل القصد من هذا القرار انهاء أية عملية للابتزاز يتم بموجبها اضافة اجندة جديدة خارج اطار المسارات المتفق عليها، مع وضع حد لتكرار تجديد المدة تباعاً بطريقة دخلت نملة واخذت حبة وخرجت، والمطلوب اصدار قرار حاسم ونهائي في الثاني عشر من اكتوبر القادم يكون لونه اما ابيض أو اسود، ودون لف ودوران في حلقة مفرغة.
السيد القائم بالأعمال الأمريكي في السودان أدلي بعدة تصريحات في الأيام القليلة التي سبقت إعلان القرار الأمريكي، وصرح سيادته بأن العلاقات لن تنتكس وتعود للوراء، وألحقه بتصريح آخر طالب فيه الجميع بعدم الاكثار من ترديد التوقعات وقراءة الفنجال وعليهم الانتظار. وفي تصريحه اشارة مبطنة لاحتمال تمديد الفترة . واخذ سيادته يدلي بافادات واشارات عن حقوق الإنسان، وهذا موضوع خارج المسارات المتفق عليها، إضافة إلى أن هذا شأن داخلي، ولكن اذا تم تطبيع العلاقات في المستقبل يمكن التداول حول هذه الأمور بطريقة ودية ليست فيها وصاية، ولعل السيد القائم بالأعمال وغيره يدركون حقيقة متفقاً عليها، وهي أن السودان ظل يشهد تسامحاً دينياً ليس له مثيل في المنطقة كلها.. وقد درج السفراء الامريكان المتعاقبون الذين عملوا في السودان منذ الاستقلال على كتابة تقارير عن الاوضاع في السودان يبعثونها لرئاسة وزارة الخارجية بواشنطون، وقبل فترة افرج عن كثير من هذه التقارير والوثائق المتعلقة بالديمقراطية الاولى وفترة حكم نوفمبر وحكومة اكتوبر والديمقراطية الثانية وجزء كبير من عهد مايو، وقام الصحافي الأستاذ محمد علي محمد صالح بترجمتها ونشرها في صحيفة السوداني الغراء، وثبت انها تقارير فجة وسطحية لا قيمة لها، وهي مجرد تناول انطباعي سطحي مع بعض المصادر التي تهمها مصالحها والعائد المادي الذي تجنيه لقاء ما تقدمه من معلومات فجة. ويمكن لرجل الشارع العادي أن يكون ملماً بمعلومات اكثر اهمية منها، وبدلاً عن هذه التقارير الخادعة الكاذبة التي لا يعتد بها كثيراً والتي تضر ولا تنفع يرتجى أن تكون التقارير التي ترفعها السفارة الامريكية  اكثر عمقاً وصدقاً لئلا تضلل صانع القرار هناك .
لقد حدثت متغيرات عالمية واقليمية كثيرة . وفي الماضي إبان الحرب العالمية الباردة بين القطبين المتنافرين كان مستر جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكي على عهد الرئيس ايزنهاور يكره الرئيس الشاب وقتئذٍ جمال عبد الناصر ويتعامل معه بعدوانية وشراسة، وعرقل تقديم قرض كبير تتبعه منحة لإنشاء السد العالي، وفي مؤتمر باندونق باندونيسيا  في عام 1955م التقي عبد الناصر لاول مرة برئيس الوزراء الصيني شوان لاي، ونمت بينهما صداقة، وساعده في الحصول على أسلحة من تشيكوسلوفاكيا، ومن ثم بدأت علاقته بالكتلة الشرقية تقوي، واتفق مع السوفيت على اقامة السد العالي وتم ذلك. ورغم ذلك تخللت تلك الفترة مناكفات وشتائم متبادلة بين عبد الناصر وخرتشوف. والمهم أن الحرب الباردة بين القطبين العالميين اتاحت لعبد الناصر أن يحول بوصلة تعاونه من الغرب الى الشرق  واستفاد عهد الرئيس الفريق ابراهيم عبود من هامش المناورة الذي اتاحته المنافسة بين القطبين، واستفاد ذلك العهد من الطرفين، ووظف الاستاذ احمد خير المحامي وزير الخارجية الدبلوماسية لصالح التنمية. والعالم اليوم باقطاره كافة تحكمه المصالح، ولا يمكن لدولة كبيرة أن تفرط في مصالحها من أجل دولة من دول العالم النامي، ولكن يمكن أن تتعامل معها في حدود المتاح، مع عدم التفريط في ديونها وتسعى لاستردادها دون تفريط في جنية واحد، ويمكن لدولة كبيرة اخرى تقديم السلاح أو أية اشياء اخرى تستطيع تقديمها في حدود الممكن، وإزاء ذلك فإن مصلحة السودان تقتضي مد جسور الوصل مع الجميع، مع إسدال الستار نهائياً على الشعارات القديمة وما يتبعها من (كواريك) مثل (امريكا روسيا قد دنا عذابها)، ونحن بحاجة لمد جسور الوصل مع امريكا ومع روسيا ومع الصين ومع كل دول العالم بما فيها جزر الواق الواق إن وجدت. وما حك ظهرك مثل ظفرك، والسودان غني بموارده الهائلة وثرواته الضخمة وسواعد بنيه القوية وعقولهم النابهة في شتى العلوم والمعارف، وهو مؤهل اذا اتحدت كلمة بنيه وتركوا الصراعات التي تدور في غير معترك لأن يكون سلة غذائه وغذاء المنطقة كلها، ومؤهل ليكون مارداً اقتصادياً ورقماً كبيراً  وقائداً ورائداً في المنطقة.