الثلاثاء، 26 أيلول/سبتمبر 2017

board

سودانير الحلم الذي لم يكتمل

عاصم السني الدسوقي- الحديث عن قطاع النقل السوداني المتمثل في سودانير الشمس التي لا تغيب والسكة الحديد المدرسة الفنية والهندسية والإدارية والعمالية الأعرق.  حديث ضارب في أعماق التاريخ البعيد الذي تميز بالتطور

والجودة والريادة منذ أزمان بعيدة مشكلا متركزا أساسيا لاقتصاديات النقل السوداني وأحد الصروح المفخرة والذي نطمح ان يكون عماد نهضة الاقتصاد السوداني وتمويل الخزانة العامة , علما ان أساس اقتصاد الدول الكبرى هو تكامل شبكات النقل وتطورها, وهي الرافد الرئيس للنقد الأجنبي  والممول لنشاطات الدولة الاقتصادية مما خلق حالة الطفرة لقطاع الطيران في عدد من الدول والنقلة الكبرى لأسطول الطائرات الحديثة والمنافسة الكبيرة والمتسارعة بين شركات الطيران العالمية, ومع ريادة السودان في هذا المجال منذ العام 1947 من القرن الماضي ولم يكن له منافس غير الخطوط البريطانية, وكان السودان أو سودانير تمتلك أكثر من ثماني عشرة طائرة تجوب المحطات الداخلية والخارجية وبكل زهو وشموخ تتبختر في هيثرو وغيرها من المطارات العالمية, ووقتها كان لا يعرف غيرها وخاصة الخطوط التي ظهرت حديثا من الدول العربية والافريقية, ولكن حدثت انتكاسة كبرى لهذا الصرح العظيم وهوى ساقطا من السماء وتناثرت أجزاؤه وخر صريعا لا يقوى على الحراك, وكان الانهيار الكبير وسبق أن سقت بعض المسببات في إحدى المقالات السابقة وأجدها هي الأنسب إذ ان انهيار قطاع النقل السوداني تتعدد أسبابه ومسبباته , ولكن السبب الرئيس هو مفهوم الثراء من خلال خلق الأزمة وذلك بتفكيك القطاعات الحيوية عبر العملية السياسية التي توفر النفوذ والقرار , أما السبب الثاني هو حالة المقاطعة الاقتصادية التي عصفت بالسودان أجمع من خلال التطبيق الشامل للحظر الاقتصادي لأكثر من عشرين عاما واتخاذه الصفة الدولية والجماعية وليس الأحادية من الجانب الأمريكي بفعل هيمنة الأمريكان على الاقتصادات العالمية لقوة نفوذ القطبية الأحادية التي تتحكم في القرار . هذه العوامل مجتمعة عملت على تدمير قطاع النقل السوداني, وأصبح عبئا ثقيلا وبعيدا جدا من المساهمة في العملية الاقتصادية التي تساعد في عملية النهوض والتنمية.
عموما بعد أن استبشرنا خيرا حين أعلن وزير النقل السوداني المهندس مكاوي عن تعيين المهندس حمد النيل مديرا لسودانير , وبعد اطلاعنا على خططه وأفكاره وجدوله الزمني على النهوض بسودانير, استبشرنا خيرا ملأنا التفاؤل واستصحبنا الأمل, وحسبنا أن هذه هي بداية الخطوة الصحيحة لمشروع كبير يسهم بالنهوض بسودانير ويضعها في مصاف الشركات الكبرى كما كانت عليه قبل عهود مضت, وهي تضيء سماوات القارة السمراء ونحن ننظر الى سودانير وهي تسير بخطى الإصلاح الحقيقي. والرجل ما بخل وهو يمدنا بالجديد عن خطوات الإصلاح المتسارعة والتطور الكبير والحركة الماكوكية بين الدول وافتتاح المحطات الداخلية والخارجية ومعالجة المشاكل المالية والديون من عائدات التشغيل, وخاصة المحطات العربية المثقلة بالديون المتراكمة جراء أخطاء قديمة ومفتعلة, واتفاقيات خرقاء وايضا بسب الإهمال وعدم الضمير. اجتهد الرجل وثابر ووعدنا بالحلم الذي سوف يتحقق عن قريب. ونحن نجتمع في منزله عدد من رؤساء التحرير والصحفيين الكبار في جلسة لم أحظ بمثلها من قبل . رجل في قامة ومسؤولية هذا المدير الذي تواضع وكشف عن برامجه وطموحه من أجل النهوض ببقايا هذا الركام الماثل على الأرض. نجح الرجل وبامتياز في فترة قصيرة، وكانت هنالك جملة من الإنجازات منها تهيئة بيئة العمل والخطة الإسعافية للطائرات العاملة وتجيهزاتها ومعالجة المشاكل الآنية والتوقيع على اتفاقايات شراء طائرات جديدة والحصول على رخصة الأوفاك لاستجلاب قطع غيار الطائرات المعطوبة , وايضا الطفرة الهائلة التي حدثت لسودانير واستقرار وانضباط الرحلات اليومية ونجاح تفويج حجيج العام الماضي والتي تمت بسلاسة ونجاح تام . وسر هذا النجاح يكمن في وجود الرجل المناسب في المكان المناسب, وهو ابن سودانير الذي تدرج فيها وعمل بأقسام الشركة المختلفة وترجل ثم عاد مديرا لسودانير هو يحمل الهم ويتسلح بالنجاح والتفاؤل والأمل, وهو يقود كابينة سودانير من نجاح الى نجاح.  وأيقنا أن هنالك طفرة  سوف تتحقق قريبا وأصبح حلماً ان نرى سودانير تحلق في السماوات وتهبط في العواصم العالمية أقرب الى الحقيقة.
ولكن كانت المفاجأة الكبرى إقالة هذا المدير إقالة تشوبها الريبة وتحوم حولها الشبهات وتلتف حولها الأسئلة التي نوجهها الى السيد الوزير. لماذا أقلت المهندس حمد النيل, وهل كان الخلف خير سلف ؟ ألم يكن هو من سبق أم كانت هي استراحة محارب ؟ نتمنى أن نفهم يا سيادة الوزير ؟  وللحقيقة حزنت كثيرا ليست لشخصه بل لسودانير , لماذا فقدت هذا الرجل الحلم الذي بدأ قويا ومنفتحا مستصحبا معه الآلة الإعلامية لإيمانه القاطع بأن الإعلام هو من يقود التطور والإصلاح والنجاح . شفافية هذا الرجل وإخلاصه وتفانيه ونجاحه الملحوظ اعتقد أنها هي الأسباب التي  سارعت بإقالته وقتلت حلم عودة الناقل الوطني مع سبق الإصرار والترصد في أول أيامه وريعان شبابه, ونحن شركاء الناقل الوطني الآن إذ ننعي هذا  النجاح الذي أصبح العدو الأول لكل ناجح ومبدع, وان أنسب مكان للمبدعين أمثال المهندس حمد النيل هو ان يظل قابعا في منزله, وأن يجتهد لإدارة حياته الخاصة لأننا شعب  أدمنا الفشل ولا فكاك ,وغابت الشمس  ولم ولن تشرق في ظل هذا التخبط والفشل الوزاري. وكان الله في عون السودان بعد أن مات الحلم الجميل قبل أن يكتمل.
 وبالله التوفيق.