الثلاثاء، 22 آب/أغسطس 2017

board

(شوق الدرويش)...الرواية والإطار(1)

محمد التيجاني عمر قش
-شهدت الرواية السودانية خلال السنوات القليلة الماضية ما يسميه البروفيسور بابكر ديومه (الانفجار الروائي) حيث نشر عدد كبير من الروايات وظهرت أسماء كثيرة مثل ليلي أبو العلا وملكة الفاضل عمر وعبد العزيز بركة ساكن وحمّور زيادة

وغيرهم من كتاب الرواية والقصة. وقد تناول هؤلاء الروائيون مواضيع شتى تتعلق بالمجتمع السوداني من زوايا وجوانب مختلفة، وهي في مجملها ليست تلك المفاهيم التي كانت تعالجها الرواية السودانية سابقاً، فمثلاً كتبت ليلى أبو العلا ما يشبه السيرة الذاتية لأسرتها بالتركيز على الشاعر الكبير حسن أبو العلا، مع إعطاء لمحة عن الحياة الفنية والثقافية في أم درمان والتطور العمراني في منتصف القرن الماضي. وتناولت ملكة الفاضل مواضيع حديثة جداً تتعلق بالوجود الأجنبي الناتج عن الصراعات المسلحة وما ارتبط بها من مشكلات ومسألة حرية الرأي والبحث عن الحقيقة. بينما تحدث عبد العزيز بركة ساكن عن أشياء تعد من المسكوت عنه في الأدب السوداني. ومن جانب آخر كتب حمّور زيادة (شوق الدرويش) التي تعد واحدة من السرديات التاريخية؛ لأنها تتناول حقبة مهمةً من تاريخ السودان؛ وهي فترة المهدية، وإن كان قد تناولها من منظور اجتماعي، حيث كان تركيز الكاتب على طبقة البسطاء، إذا جاز التعبير، في مجتمع الخرطوم وأم درمان قبيل وأثناء المهدية، متخذاً من بخيت منديل بطلاً لقصته، لتدور حوله معظم أحداث الرواية بالارتباط مع محبوبته ثيودورا أو حواء فيما بعد. ويرى كثير من النقاد أن (شوق الدرويش) هي رواية تاريخية من حيث التصنيف الروائي والأدبي، ولذلك سوف نسلط عليها الضوء من هذه الزاوية تحديداً. وكما هو معلوم، فإن (الرواية التاريخيّة هي واحد من أشكال الرواية الحديثة التي تُعبّر بشكل أكثر مباشرةً عن الواقع التاريخيّ ونقاط التحوّل لدى المجتمع والإنسان من خلال إعادة سرد التاريخ وإعمال خيال الروائي في الأحداث. وقد جرى الاتفاق على أنّ الرواية التاريخيّة عمل فنيّ يتّخذ من التاريخ مادة للسرد، ولكن دون النقل الحرفيّ له؛ حيث تحمل الرواية تصوّر الكاتب عن المرحلة التاريخيّة وتوظيفه لهذا التصوّر في التعبير عن المجتمع أو الإنسان في ذلك العصر، أو التعبير عن المجتمع في العصر الذي يعيشه الروائي ولكنه يتخّذ من التاريخ ذريعة وشكلاً مغايراً للحكي) وفقاً لهذا المفهوم تكون الرواية التاريخية ضرباً من السرد يمتزج فيه التاريخ بالخيال، وهي تهدف إلى تصوير عهد من العهود أو حدث من الأحداث بأسلوب روائي مبني على معطيات التاريخ. وخير مثال لهذا الضرب من الرواية في العربية ما كتبه جرجي زيدان. وفي هذا السياق يقول البروفيسور بابكر ديومة: (تستمد هذه الرواية مادتها من التاريخ مُختلفة بذلك عن الرواية الواقعية التي تستلهم أحداثها من الحاضر والعمل على سبر أغواره. ويلجأ كاتب الرواية التاريخية لاستقراء الماضي تدفعه أسباب عدة: منها الإعجاب بما تضمنه ماضي حيزه الجغرافي، أو الإعجاب ببعض مآثر قومه، أو حتى الاعتداد بخِصال تمتع بها فرد أو مجموعة من الأفراد فتعلق بها قلبه، وانشغل بها فكره، فعمل على تخليدها، لذلك يمكن القول في وصف الرواية التاريخية إنها تمثل حنيناً للماضي بتعبير مُعاصر. ولعل التعبير المُعاصر الذي أشرنا إليه هو ما يُمثل التحدي الحقيقي لكاتبها بسبب أن الأزمان تتغير وتتبدل معها الأنماط اللغوية، والأعراف والتقاليد، والأفكار، والنظرة إلى الوجود. ثم هنالك المُعضلة الأهم والتي تتلخص في كيفية النظر للتاريخ في حد ذاته. فالتاريخ يكمن في رحم الغيب، لذا سمي تاريخاً. ومن الطبيعي النظر إليه من وجهات نظر جد مختلفة، ومن زوايا مُتعددة، بل قد تكون مُتضاربة ومتعارضة في جل الأحيان؛ ذلك أن التضارب في نقل الأحداث التاريخية لهو أمر جد شائع بسبب عدم احتمالية وجود من كان موجوداً لحظة وقوع الحدث، وحتى إن وجد مثل ذلكم الشخص فهل يتمتع بالتجرد والمصداقية لإيراد الوقائع الفعلية؟ وهل ستمكنه قدراته العقلية عقب مرور ردح طويل من الزمان على استحضار ما جرى حقيقة؟ فلئن كنا نشك، أو على الأقل نتوجس من عدم مصداقية ومقدرة راوي التاريخ، فمن المنطقي جداً أن نشك كذلك في مصداقية كاتب الرواية التاريخية، وعما إذا كان صادِقاً في ذكره للحقائق، أم كان يتلاعب بها لتعضيد فكرة بعينها يسعى لزرعها في أذهان القراء). وبما أن الرواية التاريخية تأخذ مادتها من التاريخ فمن الصعب الإجماع عليها بل يصنفها كل قارئ وناقد وينظر إليها بحسب موقفه وانتمائه للحقبة التاريخية التي تتحدث عنها الرواية. لم تكن (شوق الدرويش) بدعاً من هذا الصنف الروائي، فهي إن كانت قد وجدت قبولاً لدى عدد من القراء، يعتقد البعض أنها إذلال لفترة مفصلية من تاريخ السودان، لأنها تعكس وجهة نظر المؤرخين الأجانب للمهدية خاصة المؤرخين المصريين من أمثال إبراهيم فوزي ويوسف ميخائيل وسلاطين باشا. ولعل هذا ما يفسر احتفاء النقاد المصريين بهذه الرواية، حتى نال الكاتب جائزة نجيب محفوظ. وهذه الرواية أثارت جدلاً كثيراً لدى الأوساط الأدبية كما سنرى لاحقاً.