الإثنين، 26 حزيران/يونيو 2017

board

الاختيارات الخطأ في مقال الأستاذ إسحق ( 3)

عوض محمد الهدي
- وكيف يخالف ابن عربي  الشريعة ، وهو يكشف لنا في الفتوحات المكية معرفة منزلة نسخ الشريعة المحمدية بالأهواء الشخصية حينما ترك الناس العمل بها واشتغل الفقهاء بالرأي لينفذوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس . 

فقال في الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية بالأغراض النفسية - عافانا الله وإياكم- من ذلك ما نصه بعد أبياتٍ صدر بها هذا الباب : " واعلم وفقني الله وإياك – أيها الولي الحميم ، والصفي الكريم، إنا روينا في هذا الباب عن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما أن رجلاً أصاب من عرضه ، فجاء إليه يستحله من ذلك فقال له:  يا ابن عباس! إنني قد نلت منك فاجعلني في حلٍ من ذلك. فقال: أعوذ بالله أن أحلَّ ما حرّم الله! إن الله حرم أعراض المسلمين، فلا أحله، ولكن غفر الله لك. فانظر ما أعجب هذا التصريف وما أحسن العلم. ومن هذا الباب حلف الإنسان على ما أبيح له فعله ألا يفعله، ففرض الله تحلة الإيمان، وهو من باب الاستدراج والمكر الإلهي إلا لمن عصمه الله بالتنبيه عليه ؛ فما ثمَّ شارع إلا الله تعالى ، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم "لتحكم بين الناس بما أراك الله" ولم يقل "بما رأيت" بل عاتبه سبحانه وتعالى، لما حرَّم على نفسه باليمين في قضية عائشة وحفصة فقال تعالى: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفورٌ رحيم" فكان هذا مما أرته نفسه .فهذا يدلك أن قوله تعالى " بما أراك الله" أنه ما يوحي به إليه، لا ما يراه في رأيه . فلو كان الدين بالرأي، لكان رأي النبي عليه الصلاة و السلام أولى من رأي كل ذي رأي ؛ فإذا كان ذلك حال النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما أرته نفسه، فكيف رأي من ليس بمعصوم ؟ ومن الخطأ أقرب إليه من الإصابة فدلّ أن الاجتهاد الذي ذكره -صلى الله عليه وسلم- إنما هو طلب الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة لا في تشريع حكم في النازلة ، فإن ذلك شرع لم يأذن به الله.
 ولقد أخبرني القاضي عبد الوهاب الأسدي الاسكندري بمكة المشرفة سنة تسعة وتسعين وخمسمائة قال: رأيتُ رجلاً من الصالحين بعد موته في المنام ، فسألته ما رأيت؟ فذكر أشياء ، منها قال: رأيتُ كتباً موضوعة ، وكتباً مرفوعة، فسألت ما هذه الكتب المرفوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الحديث. فقلت: وما هذه الكتب الموضوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الرأي ، حتى يسأل عنها أصحابها ، فرأيت الأمر فيه شدة .
"واعلم – وفقني الله وإياك ــ  أن الشريعة هي المحجة الواضحة البيضاء، محجة السعداء وطريق السعادة ، من مشى عليها نجا ، ومن تركها هلك. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أنزل عليه قوله تعالى : "وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه"، خط رسول الله في الأرض خطاً ، وخط خطوطاً على جانبي الخط، يميناً وشمالاً ثم وضع اصبعه على الخط ، وقال: تالياً: "وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل" وأشار الى تلك الخطوط التي خطها عن يمين الخط ويساره " فتفرق بكم السبل" وأشار بها الى الخط المستقيم .  ولقد أخبرني بمدينة "سلا" بالمغرب على شاطئ البحر المحيط يقال لها:  منقطع التراب، ليس وراءها أرض– رجلٌ من الصالحين الأكابر من عامة الناس قال: رأيت في النوم محجة بيضاء مستوية، عليها نور سهلة ، ورأيت عن يمين تلك المحجة وشمالها خنادق وشعاباً وأودية كلها شوك ، لا تسلك لضيقها ، وتوعّر مسالكها، وكثرة شوكها والظلمة التي فيها ، ورأيت جميع الناس يخبطون فيها خبط عشواء ، ويتركون المحجة البيضاء السهلة، وعلى المحجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونفرٌ قليلٌ معه يسير وهو ينظر الى من خلفه ، فإذا في الجماعة متأخر عنها ، ولكنه عليها ، الشيخ أبو إسحق إبراهيم بن قرقور المحدث ، وكان سيداً فاضلاً في الحديث؛ اجتمعت بابنه فكان يفهم عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه يقول له: نادِ في الناس بالرجوع الى الطريق ، فكان ابن قرقور يرفع صوته ويقول في ندائه، ولا من داعٍ ولا من متداعٍ : " هلموا الى الطريق هلموا " قال: فلا يجيبه أحد ولا يرجع الى الطريق أحد.  واعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس ، وطلبت العلماء المراتب عند الملوك، وتركوا المحجة البيضاء ، وجنحوا الى التأويلات البعيدة لينفذوا أغراض الملوك فيما فيه هوى نفس ليستندوا في ذلك الى أمر شرعي ، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ، ويفتي به . وقد رأيت منهم جماعة من قضاتهم وفقهائهم . وقد أخبرني المك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب – وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام – فنادى بمملوك وقال: جئني بالحرمدان؛ فقلتُ: ما شأن الحرمدان؟ قال: أنت تنكر عليّ ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم، وأنا أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أن ذلك كله منكر ؛ ولكن والله يا سيدي ، ما منه منكر إلا بفتيا فقيه وخط يده عندي بجواز ذلك، فعليهم لعنة الله ؛ ولقد أفتاني فقيه ، هو فلان – وعيّن لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف-  بأنه لا يجب عليّ صوم شهر رمضان هذا بعينه ، بل الواجب عليَّ شهر في السنة ، والاختيار لي فيه أي شهر شئت من شهور السنة. قال السلطان:  فلعنته في باطني ولم أظهر له ذلك- وهو فلان ، فسماه لي – رحمهم  الله جميعاً .
" فليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال ، وجعل له سلطاناً فيها ؛ فإذا رأى أن الفقيه يميل الى هوى يعرف أنه لا يرضي عنه الله ، زين له سوء عمله بتأويل غريب ، يمهد له فيه وجهاً يحسنه في نظره ، ويقول له : إن الصدر الأول قد دانوا الله بالرأي وقاس العلماء في الأحكام ، واستنبطوا العلل للأشياء فطردوها وحكموا في المسكوت عنه ، بما حكموا به في المنصوص عليه ، للعلة الجامعة بينهما ، والعلة من استنباطه ، فإذا مهد له هذا السبيل ، جنح به الى نيل شهوته بوجه شرعي في زعمه ، فلا يزال هكذا فعله في كل ما له أو لسلطانه فيه هوى نفس ؛ يرد الأحاديث النبوية ، ويقول: لو أن هذا الحديث يكون صحيحاً وإن كان صحيحاً يقول: لو لم يكن له خبر آخر يعارضه وهو ناسخٌ له لقال به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعياً– أو قال به أبو حنيفة – إن كان الرجل حنفياً – وهكذا قول أتباع هؤلاء الأئمة كلهم ، يرون أن الحديث والأخذ به مضلة ، إن الواجب تقليد هؤلاء الأئمة وأمثالهم فيما حكموا به؛ إن عارضت أقوالهم الأخبار النبوية ، فالأولى الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة. فإن قلت لهم: قد روينا عن الشافعي رحمه الله أنه قال: إذا أتاكم الحديث يعارض قولى؛ فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث، فإن مذهبي الحديث.؛ وقد روينا عن أبي حنيفة أنه قال لأصحابه: حرامٌ على كل من أفتى بكلامي ما لم يعرف دليلي. وما روينا شيئاً من هذا عن أبي حنيفة إلا عن طريق الحنفيين ، ولا عن الشافعي إلا عن طريق الشافعية ؛ وكذلك المالكية والحنابلة. فإذا ضايقهم في مجال الكلام هربوا وسكتوا  وقد جرى لنا هذا معهم مراراً بالمغرب وبالمشرق ، فما منهم أحد على مذهب من يزعم أنه على مذهبه ، فقد انتسخت الشريعة بالأهواء ؛ وإن كانت الأخبار الصحيحة موجودة مسطرة في الكتب الصحاح ، وكتب التواريخ بالتجريح والتعديل موجودة والأسانيد محفوظة مصونة من التغيير والتبديل؛ ولكن إذا ترك العمل بها واشتغل الناس بالرأى ودانوا أنفسهم بفتاوى المتقدمين، مع معارضة الأخبار الصحاح لها ؛ فلا فرق بين عدمها ووجودها ، إذ لم يبقَ لها حكمٌ عندهم.
يقول السيد محمود محمود الغراب في هذا الخصوص لم يتوغل السادة العلماء في فهم معنى الظاهر عند الشيخ  ولا حققوا ما يعنيه ولو تتبعوا المعاني التي شرحها الشيخ لعلموا أن مذهبه التيسير ورفع الحرج عن الأمة ، وعدم التأويل الذي يخرج اللفظ عما يتحمله من المعنى في لغة العرب أو ما نصّ عليه الشارع؛ ولو أن السادة الفقهاء شغلوا نفوسهم بما أتى به الشيخ من الناحية الشرعية والفقهية لوجدوا بحوراً من العلم زاخرة وفهماً نادراً وأسراراً عظيمة لا  تأتي إلا عن طريق الفتح الإلهي والإلهام الرباني؛ ولو وقفوا على مسائل في الأصول والفروع يثبت بها اجتهاد الشيخ واتساع علمه وسعة اطلاعه على أقوال العلماء الفقهاء. إذ يقول رضي الله عنه: "السعادة إنما هي مع أهل الظاهر وهم في الطرف والنقيض من أهل الباطن والسعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن وهم العلماء بالله وأحكامه ، وكان في نفسي إذا أخر الله في عمري أن أضع كتاباً كبيراً أقرر فيه مسائل الشرع كلها كما وردت في أماكنها الظاهرة وأقررها فإذا استوفينا المسألة المشروعة في ظاهر الحكم، جعلنا في جانبها حكمها في باطن الإنسان فيسري حكم الشرع في الظاهر والباطن، فإن أهل طريق الله وإن كان هذا غرضهم ومقصدهم ولكن ما كل أحد منهم يفتح الله له في الفهم حتى يعرف ميزان ذلك الحكم في باطنه ؛ فقصدنا في هذا الكتاب " الفتوحات المكية " الى الأمر العام من العبادات – وهي الأركان الخمسة لكونها من قواعد الإسلام التي بني عليها.
وسئل الحافظ أبو عبد الله الذهبي عن كتاب " الفصوص" وعن  قول الشيخ محي الدين بن عربي: (إنه ما صنعه إلا بإذن من الحضرة النبوية)؛ فقال الحافظ:  ما أظن أن مثل هذا الشيخ محي الدين يكذب أصلاً ، مع إن الحافظ الذهبي كان من أشد المنكرين على الشيخ وعلى طائفة الصوفية هو وابن تيمية". ولكن المفارقة العجيبة من ابن تيمية إذ يقول إن ابن عربي كان أقرب الصوفية لأهل السنة ؛ ورغم إنه يكفر ابن عربي. فابتلاه الله أن طعن العلماء في عقيدته ؛ وحُبس وعذب حتى مات في الحبس ؛لأن لحوم الأولياء مسمومة .
وممن أثنى على الشيخ ابن عربي الإمام قطب الدين الشيرازي الذي كان يقول: (إن الشيخ محي الدين كان كاملاً في العلوم الشرعية والحقيقية ولا يقدح فيه إلا من لم يفهم كلامه ولم يومن به ؛ كما لا يقدح كمال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نسبتهم الى الجنون والسحر على لسان من لم يؤمن بهم.