الإثنين، 20 فبراير 2017

board

مثلث حلايب والمستجدات القانونية.. بروفيسور عبدالعظيم عباس الحاج

جاء في الأنباء أن السودان جدد شكواه في الأمم المتحدة بخصوص مثلث حلايب. لكن "رحم الله امرءاً عرف زمانه واستقامت طريقته" لقد جرت حوادث بعد رفع هذه الدعوى نرى أنه يجب علينا أخذها بعين الاعتبار . أن المتتبع لقرارات محكمة العدل الدولية ولجان التحكيم في نزاعات الحدود الدولية يلاحظ أنها تبنيها على قرارات سابقة

:ففي نزاع باربادوس مع ترينداد وتوباغو أوردت في حيثياتها نزاع ليبيا ومالطا ونزاع الجرف القاري في بحر الشمال ونزاع خليج مين والنزاع اليمني الإريتري. وفي نزاع قطر والبحرين جرى ذكر نزاع ليبيا ومالطا وقرين لاند و جان مين و النزاع الفرنسي الإنجليزي في بحر الشمال وفي نزاع نيكاراغوا هندوراس ذكر نزاع خليج مين و نزاع غينيا و غينيا بيساو.
وفي حالة قبول مصر للتحكيم الدولي سيجري – بلا شك - الاستشهاد بالحالات السابقة. ولذا علينا حين تجديد شكوانا أخذ تلك السوابق بعين الاعتبار.ومن ذلك:
1-إن عدم احتجاجك على ممارسات أو أخطاء سابقة يعتبر موافقة منك وإجازة لتلك الممارسات والأخطاء السابقة ويؤخذ قرينة ضدك تفقد بها أراضيك و بحورك.لقد استخدمت النرويج خطوط الأساس المستقيمة لتحديد حدودها البحرية و ظلت بريطانيا سنين عددا لا ترفع صوتا .و لما ظهر الغاز و النفط في بحر الشمال تقدمت بريطانيا بشكوى لمحكمة العدل الدولية ضد النرويج لكنها خسرتها فقد عد صمتها الطويل إجازة لما فعلته النرويج. وفي نزاع تايلاند و بورما خسرت تايلاند أرضا تضم واحدا من أكبر المعابد البوذية في البلاد إذ أنها زمنا كانت صامتة عن الأخطاء في الخريطة التي عرفت الحدود الدولية بين البلدين .أن مصر تأخذ هذا في الاعتبار و تتحسب له فقد رأينا مصر ترسل خطابا للأمين العام للأمم المتحدة عندما أعلنت السعودية خطوطها البحرية تقول فيه ان حدود مصر البحرية تنتهي عند خط عرض 22 شمالا وهذا يعني أن مثلث حلايب ضمن الحدود المصرية ورغم نشر هذا في موقع الأمم المتحدة لشئون البحار إلا أن السودان ظل صامتا كأنه يوافق على هذه الإدعاءات المصرية وإن لم نفعل مثل ما فعلت مصر ففي أي تحكيم سيؤخذ هذا الصمت قرينة ضدنا .
إن مما تأخذ به محكمة العدل الدولية و لجان تحكيم الحدود الدولية في إصدار أحكامها هو ممارسة السيادة ففي نزاع اليمن و إريتريا أعطيت بعض الجزر الشمالية لليمن لأنه كان يمارس عليها بعض أعمال السيادة كبناء منارة وإصدار التصديقات للسياحة و البحوث العلمية, أما بقية الجزر فلم تجد اللجنة وثائق تأريخية أو ممارسة أعمال سيادة فقسمتها بين البلدين .
وفي نزاع إريتريا و إثيوبيا كانت ممارسة السيادة هي الفيصل . فرغم أن الدول الأفريقية أقرت في مؤتمر القاهرة عام 1964 أن الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية هي حدود الدول الأفريقية غير أن لجنة التحكيم لم تأخذ بهذا بل أخذت بممارسة السيادة فانتقلت مدينة زلامباسا الإريترية إلى إثيوبيا و مدينة بوري الإثيوبية إلى إريتريا .وفي نزاع نيجيريا و الكاميرون رغم خرائط الاستقلال تعطي المنطقة للكاميرون لكن الحكم كان لصالح نيجيريا التي كانت تمارس أعمال السيادة على منطقة النزاع و لم تحتج الكاميرون عليها وفسر ذلك على أنه إقرار و رضى و قبول بسيادة نيجيريا على المنطقة .
إن مصر الآن تمارس أعمال السيادة على حلايب فقد تم تعديل الخرائط المصرية لتشمل حلايب كما تقوم بإصدار شهادات الميلاد للمواليد و استخراج الجنسية وإنشاء مخافر الشرطة و محاكمة الرافضين للوجود المصري وإجراء الانتخابات ولم يحتج السودان على ذلك وهذه ستكون قرينة ضدنا و لنا في الكاميرون العظة و العبرة .
إن من القرائن التي يسترشد بها تصريحات المسؤولين لقد صرح السيد رئيس الجمهورية إن حلايب سودانية وصدع في وجه الإعلام المصري سفيرنا في القاهرة عبدالحليم عبد المحمود أن حلايب سودانية وهذا المفروض أن يردده جميع المسؤولين لكننا نجد تصريحات بعض المسؤولين توهن موقفنا القانوني مثل "حلايب ستكون منطقة تكامل" و"أنها لن تكون منظقة نزاع بين البلدين" وهذه قد تؤخذ كقرائن أن السودان تخلى عن سيادته على حلايب.
إن مصر –دون أن ننتبه- تشجع فينا هذا الاتجاه فما اجتمع مسؤولون إلا رفعت مصر رايات "التهدئة " مع " الزهد في إثارة المسائل الخلافية بين البلدين" و شعارات "وحدة شعبي وادي النيل" و "كلنا اخوات" و "وحدة المصير و القضايا المشتركة" هذه الرايات تذكرني بالنشيد الذي كنا نصدح به و نحن تلاميذ في الثالثة ابتدائي :
برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا
ومشى في الأرض يهدي و يسب الماكرينا
و يقول الحمد لله إله العالمينا
يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا
وازهدوا في العيش إن العيش عيش الزاهدينا
ليتنا تمثلنا بحكمة الديك الذي عندما أتاه رسول الثعلب ليأتي و يؤذن للصلاة استعصم بحكمة جدوده القدماء وردد:
إنهم قالوا وخير القول قول العارفينا
مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب دينا
لقد اتفق الرئيسان السوداني و المصري في آخر لقاء لهما "على التهدئة و عدم إثارة المسائل الخلافية" لكن ما أن وصل الرئيس المصري للقاهرة حتى خرجت علينا الصحف المصرية "ضبط الأمن المصري لاثنين من المصريين بشحنة سلاح قادمين من السودان عبر المدقات الجبلية" هذه فرية قديمة في أضابير المخابرات المصرية لو تتبعنا أرشيف الصحف المصرية سنجد نفس الخبر و صورة نفس السلاح وصورة نفس الإبل وهم يعجزون حتى على تجديده .لكن لا يخفى على كل ذي لب الهدف الخبيث من هذا الخبر والسودان يأمل في الرفع الكامل للعقوبات الأمريكية عنه في يوليو المقبل (إن المسلسلات المصرية تعكس لنا أن الحصول على السلاح في صعيد مصر باليسر كما الحصول على رغيف الخبز فلماذا دائما معارضو النظام في مصر بالغباء بتجشم المشاق للسودان مع أن السلاح ميسر في مصر . نصيحة للأمن المصري اطلعوا على الصحف السودانية المهربين في السودان تطوروا صاروا يستخدمون العربات و أجهزة الاتصال الحديثة . الإبل صارت من تأريخ ستينيات القرن الماضي).
إن مصر جميعها تعزف الآن معزوفة حلايب مصرية وتمضي أكثر في ذلك فتفصل أستاذه جامعية عن العمل لأنها وزعت خريطة فيها حلايب في السودان و تحاسب منطقة تعليمية لأن أحد المعلمين وزع على تلاميذه خريطة فيها حلايب في السودان .وتصدر مصر قائمة إحداثيات حدودها البحرية وحلايب كلها داخلها وتودعها في الأمم المتحدة فلا وزارة الخارجية و لا مندوبنا في الأمم المتحدة يحتج وهذا كله سيفسر قانونيا بقبولنا للسيادة المصرية على حلايب .
إننا يجب علينا حين نجدد شكوانا أن نحتج ونرفض ممارسات السيادة التي تقوم بها مصر في مثلث حلايب بل علينا الاحتجاج الفوري حين إعلانها فها هي مصر تريد إنشاء ميناء في أبو رماد ولا نكتفي فقط بالأمم المتحدة بل علينا إيداع صورة لدى الاتحاد الأفريقي و جامعة الدول العربية و الإتحاد الأوربي ليكون ذلك سندا قانونيا لنا في المستقبل.