الخميس، 23 تشرين2/نوفمبر 2017

board

المسارات الصحيحة للعلاقات السودانية اليوغندية

د. محمد الفاتح جمعة
من خلف الضوء الخافت يبان الأفق المتسع في عوالم العلاقات السودانية اليوغندية الأزلية، أزلية الخلق البشري وأزلية الطبيعة، لا أزلية الدبلوماسية ولا الأزلية السياسية العابرة،

فمهما شرق السودان أو غرب وجهته تظل الحقيقة الباقية أن دولة يوغندا الشرقية هي صرة العالم الأفريقي وحبلها السري الذي يحمل كل الخير لسائر الجسد الأفريقي ويُفرغ عنه كل الضُر ليظل الجسد الأفريقي صحيحاً معافاً فإن حجبت عنا الثقافة العربية بانتشارها وسلاستها وارتباطها بالقرآن الكريم فهماً وتديناً ذلك الكم الهائل من الموروث الثقافي الفكري الإفريقي وحيوية وحرارة الايقاع الفلكلوري الشعبي المتفرد الذي تشكل عليه المزاج السوداني الإفريقي وأصبحت يوغندا أحد كنوز هذا الابداع الشعبي الفني الراقص الذي لا تقوى الأبدان العارية على احتمال تسارعه ولهيب حرارته، فلو بحثت عن مجامع الإبداع الكامنة في الجينات الوراثية السودانية هي بذاتها التي في الرحم اليوغندي الأفريقي أشولي السودان أشولي يوغندا في الجوار السياسي القديم والكمبلة والمردوم والوازا في الجوار السياسي الحالي، رعاة الماشية وصائدي الأسماك وفالحي الأرض في كلا البلدين يتمتعون بذات التقاليد والعادات وإن كانت الشمس عندنا تصيب بعضنا بالغبشة والجفاف وهم تلفح وجوههم نسائم الاخضرار مع وفرة المياه وتطاول شهور التساقط مما يجعل أبدانهم على ينعها وتريانها رغم الترحال.
يوغندا الجارة الشقيقة بلد الجغرافية الطبيعية تتفرد عن سائر دول العالم بأكبر بحيرة طبيعية عذب ماؤها وأنها منبع أطول ثاني أنهار العالم العذبة الذي يجري من الجنوب إلى الشمال، فكل دول المحور الجغرافي الاستوائي العالمي تشاركها في بقية الخصائص المناخية والطبيعية، شراكة في مرور خط الاستواء أو شراكة في خصائص المناخ وشراكة في طبيعة الغطاء النباتي الشجري والحيواني، ولكن الارتفاع زادها جمالاً في علوها عندما يحتجب القمر فتضيء تلال كمبالا السبع بكهاربها مما يجعل مدينة كمبالا تحوز على لقب لؤلؤة أفريقيا المضيئة التي عشقناها وعشقنا جمالها وسماحة وطيبة أهلها ورفيع ذوقهم وملاحة التعبير الحسن الذي يعبر عن الجمال حتى ما تبدى على هذا من مظهرك العام أو محياك فتسمع عبارة الإعجاب والثناء بلا تكلف مع ابتسامة وضيئة تفتح قلبك لاستقبال تعابير لم تكالفها من قبل في تدافع الحياة العادية، ما أجمل عبارة (Tnank you)
التي تعقب نهاية أية معاملة بينك واليوغندي بائعاً أم بائعة في الدرج الاجتماعي اليوغندي من بائعة الفول المدمس وأشباهه على قارعة الطرق إلى أرقى ما يقدم لك في المولات الشهيرة، سلوك حضاري فطري غير متكلف عند المواطن اليوغندي الإفريقي المنشأ والمشرب.
إن خبر زيارة سعادة المشير عمر حسن أحمد البشير رئيس الجمهورية لدولة يوغندا الشقيقة يثير فينا هذه المكامن ويطفح بالشجون الباكية من طول التباعد والهجران، رافقتك السلامة إلى وطن إفريقي شقيق نحنُّ إليه ونتطلع إلى تسارع الخطى لتقوية اللحمة والوشيجة بين أفراد الشعبين الشقيقين، فليس بالسياسة وحدها تحيا وتعيش الشعوب إن تباعدت بينها المسافات والأزمنة. وإن كنت سعادة الرئيس تحمل في حقيبتك الملفات السياسية المعهودة التي يمكن لكل فطن أو متابع أن يعرف محتواها وتفاصيلها في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به دول القارة الإفريقية وتتعقد فيه العلاقات بين الدول الإفريقية في الجوار، ولكننا نثق فيكما قادة الأمة الإفريقية الذين عركتكم المصاعب والابتلاءات وأنتم تقودون شعبيكم إلى آفاق أرحب بإذن الله.
فلو جاز لنا أن نضيف أعباءً على أعباءكم التفاوضية فنقول لك أخي الرئيس أن ملف المياه العذبة لم يأخذه السودان بحقه مع الجارة الشقيقة يوغندا لا على الواقع التنفيذي ولا على الواقع السياسي، فالشعب السوداني يحيا ويعيش بالماء العذبة والتنمية المستدامة النظرية في المجال المائي ينبغي أن تتحول إلى إرادة سياسية تنفيذية لتصبح أحد أقوى ممسكات التوحد التكاملي السوداني اليوغندي، ثاني الملفات الحرجة سعادة الرئيس ملف الغذاء، إن يوغندا الشقيقة من كبرى دول العالم الإفريقي ذات الاكتظاظ السكاني في مقابل ضيق الأراضي والتنامي اللا محدود في السكان الناجم من جمال الطبيعة والطقس ونقاوة المنتجات الزراعية من الملوثات الكيمائية مما أدى إلى رفع معدلات الخصوبة، معادلة طرفها شح الغذاء الناتج من ضيق الأراضي الزراعية، فالمسطحات المائية تحتل جزءً مقدراً من مساحة يوغندا والجبال تأخذ ما تبقى منها، ويعتبر (الموتدكي) الموز هو الغذاء الرئيس لعموم الشعب اليوغندي غنيه وفقيره وهو بالوفرة التي تسد احتياجات كل المواطنين، إلا أن الأمر يزداد سوءاً جراء النقص المريع في غلة الذرة الشامي والأرز وهما المحصولين الأساسيين في المائدة اليوغندية وبينهما وبين احتياجات المواطن اليوغندي هوة عميقة يجعل الحكومة اليوغندية تهاجر غرباً إلى الأرجنتين وشرقاً إلى أكرانيا لسد رمقها من الذرة الشامي وتجول في الدول الآسيوية البعيدة بحثاً عن ردم هوة الأرز الغذائية، والسودان سعادة الرئيس هو الأقرب للجارة يوغندا من هؤلاء وأولئك، السودان مؤهل تماماً لتوفير كل احتياجات يوغندا الشقيقة وسد هذه الفجوة المزمنة قبل أن توزع أراضي التكامل المنزوعة في ولاية النيل الأزرق حيث أعلى الإنتاجيات العالمية للذرة الشامي أثبتت التجارب العملية في سبعينيات القرن الماضي حازها الفدان الواحد من الذرة الشامي في ولاية النيل الأزرق، وحدث سعادة الرئيس ولا حرج في الأراضي الفيضية الواسعة على ضفاف النيل الأبيض بولاية النيل الأبيض والتي أثبتت التجارب العلمية صلاحيتها لإنتاج الأرز، تلك هي المصالح المشتركة بين الشعبين، فلو وضع هذا الأمر موضع التنفيذ لاعتدل الميزان التجاري المختل بين السودان ويوغندا الشقيقة وأصبح الرباط الاقتصادي للشعبين أقوى من أي رباط سياسي يتغير بتغير الأزمان والشخوص. أمر آخر سعادة الرئيس نضيفه لحقيبتك التفاوضية وهو أمر التواصل المنقطع بين مكونات المجتمع المدني والعلمي بين الدولتين، فهذه الزيارات الرئاسية على فرحتنا بها لكنها فوقية بين فخامة الرئيسين يوري موسفيني وفخامة الرئيس عمر حسن أحمد البشير ووزراء هنا وهناك، فإنها لا تخدم وحدها كل القضايا التي تهم أفراد الشعبين وتظل معلقة نتائجها قليلة ومحدودة الأثر إن لم يدعمها تيار شعبي دافق يعزز تلك المشتركات السياسية ويحيلها من جمود الأوراق إلى معايشة الواقع الحياتي اليومي في الأسواق وأنغام الآلات الموسيقية وإيقاعاتها وفي كتابات الأدباء والشعراء وفي اهتزاز شباك أقوان الميادين الخضراء وفي قاعات الجامعات وفي شراكة أتيام فرق البحث العلمي لاستنباط الحلول العلمية لأمهات المشكلات في البلدين وفي تبادل وانتشار الصحف والمجلات بين البلدين الشقيقين.
الشعب اليوغندي سعادة الرئيس لا يعرف شيئاً عن شعب السودان في شماله وشرقه وغربه ووسطه وكل معلومات ومعرفة المواطن اليوغندي البسيط أو البروفيسور الرشيد لا تتعدى ملامح وتقاطيع وشلوخ شعب دول جنوب السودان الحالية إلا من رحم ربي منهم وزار السودان ورأى بأم عينيه، فشعب دولة جنوب السودان في كل الطرقات والمتاجر وفي قلب زحام الحياة اليوغندية اليومية ومعظم عامة الشعب اليوغندي يحل في ذهنه صورة سالبة عن المواطن السوداني الذي نود أن نعرفهم به.
ولو جاز لي سعادة الرئيس أن أقترح، فإني أقترح أن تتولى ملف العلاقات الثقافية الفنية العلمية الاجتماعية الرياضية مع الجارة الشقيقة يوغندا بمفردك إذ أن هذا الملف عليه من التبعات المالية ما تعجز عنه بقية مؤسسات الدولة الوزارية فهي من خلال التجارب لا تقوى أن تفي بمتطلبات تحقيق برامج قوى المجتمع المدني التي ذكرت، مع توفر كل الآليات التي ستعينك بالقفز درجات عليا في درج العلاقات السودانية اليوغندية، فإذا ما تم إقرار تعميق وتجزير البعد الشعبي لتلك العلاقات الأخوية المجتمعية الأفقية فمن السهل أن تنفيذ قوى المجتمع الشعبي برامج التواصل الاجتماعي فلنبدأ بالمجلة المصورة المتبادلة بين السودان ويوغندا تبث عقب نشرات الأخبار الرئيسة في البلدين تحكي عبرها الشعوب قصة وجودها وتواصلها. مع تبادل الصحف اليومية والمجلات الدورية التي تصدر في البلدين ورويداً رويداً مع الصبر عليها ستكون لها رواداً ومعجبين شأنها كشأن الأهرام القاهرية وروز اليوسف والحوادث وغيرها من الصحف والمجلات العربية، وأن يدعم سعادتكم البرنامج العلمي للجمعية الجغرافية الوطنية السودانية لإنجاح تسيير أول رحلة علمية جغرافية ترفيهية لدولة يوغندا الشقيقة والتي تضم (25) عضو من علماء الجغرافيا السودانيين وأساتذة الجامعات والمبرزين من طلاب أقسام مادة الجغرافيا في الجامعات السودانية وهي مبادرة تتعثر دوماً لتصاعد تكلفة تنفيذها من أجل بناء جسور للتواصل الجغرافي العلمي والاجتماعي، أما جمعية الصداقة السودانية اليوغندية أحد أذرع مجلس الصداقة الشعبية العالمية وجمعيتها النظرية في يوغندا تترجم قرارات القيادة السياسية في البلدين لواقع يعيشه المواطن في البلدين وهما سعادة الرئيس الأنجع لتنفيذ كل متطلبات البرنامج الثقافي الفني الرياضي الاجتماعي العلمي.
وتكون الآلية الأكثر أهمية في توحيد الوجدان السوداني اليوغندي في بعدهما العقدي فهي ملتقى القيادات الدينية المسلمة والمسيحية والذي كان حائط الصد الأقوى والأعتى في مواجهة المحكمة الجنائية المزعومة حتى انهار ضمها الإفريقي هذا الملتقى تجسدت لحمته في خرطوم اللاءات الثلاث وأصدر ميثاقه الشهير وكان لفخامة الرئيس اليوغندي يوري موسفيني رئيس دولة يوغندا الشقيقة شرف استضافة دورة انعقاده الثانية في كمبالا وأكرم وفادة الوفد السوداني المشارك في تلك الجلسات وخصه بالرعاية بقيادة الأستاذ/ عبد الباسط عبد الماجد والدكتور محمد يوسف عبد الله وآخرون وقد كان يقف خلف هذا الإنجاز المهول الشيخ أحمد عبد الرحمن أطال الله في عمره ونفع به العباد، فقد رعاه حتى شب عن الطوق. وعلى السودان أن يولي هذا المنبر المتفرد رعاية خاصة يا سعادة الرئيس وأن يهيئ نفسه لاستضافة دورة الانعقاد الثالثة بالخرطوم، كل ما ذكرنا سعادة الرئيس يحتاج منك إلى التفاتة وتدقيق تجميعها تشكل جسر متيناً تعبر به العلاقات السودانية اليوغندية إلى رحاب الريادة والقيادة الإفريقية بقوة اقتصادية علمية تجعل للقارة الإفريقية مهابة.
والله من وراء القصد

الأعمدة

خالد كسلا

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

الصادق الرزيقي

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

عبدالمحمود الكرنكي

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

كمال عوض

الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

خالد كسلا

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

الصادق الرزيقي

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017

إسحق فضل الله

الثلاثاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2017