الإثنين، 18 كانون1/ديسمبر 2017

board

المــــــأزق!!

> تقابلنا في لقاء سريع ومتعجل بفندق السلام روتانا بالخرطوم ظهر أمس، مع السيد ثامبو أمبيكي رئيس جنوب إفريقيا السابق ورئيس الآلية الإفريقية رفيعة المستوى التي تتولى الوساطة بين الحكومة وقطاع الشمال في الحركة الشعبية حول المنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق،

وبدا الرجل سعيداً برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، وحدوث تحول سياسي هائل سينعكس بلا شك على وضع المعارضة السودانية وعلاقتها بالحكومة وملف التفاوض، وبالرغم من أن السيد أمبيكي كتوم.. قليل الحديث، ولم تكن المناسبة ملائمة للتصريحات والأحاديث الصحفية، إلا أنه يحس ويلمس بيديه ما سيطرأ على الساحة السودانية من تغييرات ستساعد حتماً على تحقيق السلام، وتجعل من جلوس الفرقاء السودانيين إلى بعضهم البعض مسألة وقت ليس إلا.
> من السهل على أي مراقب سياسي أن يتصور بأقل قدر من المعطيات والحقائق، المأزق الذي تمر به المعارضة السودانية بكل أشكالها وصنوفها، بعد قرار الإدارة الأمريكية برفع سيف العقوبات المسلط لسنين عددا من على رقبة السودان، وتخلص الحكومة من أثقل محمول سياسي واقتصادي على ظهرها وكتفيها، لقد كانت العقوبات الأمريكية عائقاً حقيقياً وأغلالاً تكبل أقدام الحكومة في تحركاتها السياسية قبل الاقتصادية، وتعيق سعيها لبسط السلام والتوصل إلى تسويات سياسية مع الحركات والمجموعات المعارضة المسلحة في دارفور والمنطقتين، فقد كانت هذه المجموعات من المعارضة تستقوى بالموقف الأمريكي، وتعتقد أن وجود العقوبات إحدى أهم أدوات الضغط الدولية وخاصة الأمريكية لإضعاف الحكومة وترهيبها وكسر شوكتها، وظلت فصائل المعارضة التي تحمل السلاح والأخرى التي تمتهن العمل السياسي وتتحالف مع المجموعات العسكرية، تظن أن وجود العقوبات المفروضة على السودان سيعجل بخلخلة المواقف الصلبة للحكومة في قضايا التفاوض ووقف الحرب وتحقيق السلام، فإذا بقيت الخرطوم تحت نير العقوبات سيكون ابتزازها أسهل وإجبارها على أي اتفاق في أية مرحلة من مراحل التفاوض أيسر وأسرع، وظلت المعارضة تستنصر بالدوائر الأمريكية وجماعات الضغط والناشطين في الولايات المتحدة وأوروبا في الفترات الماضية بالضغط على الإدارات الأمريكية لزيادة العقوبات والإبقاء عليها وتشديدها بغية إذعان الخرطوم والتماسها الحلول الممكنة.
> ومهما كان.. لا يمكن إغفال حقيقة لا جدال حولها أن رفع العقوبات عن السودان مثل صدمة قوية ولطمة عنيفة في وجه المعارضة، فقد سعت عبر وجود عناصرها وبعض الناشطين الأمريكيين في الأيام التي سبقت قرار البيت الأبيض، إلى تنظيم تظاهرات وعقد لقاءات في العاصمة الأمريكية واشنطون مع أعضاء في الكونغرس وبعض المسؤولين الأمريكيين وعبر وسائل الإعلام الأمريكية للمطالبة بعدم رفع العقوبات، لكن طاش هذا السهم وخاب المسعى والفأل، لذلك تعيش كل فصائل المعارضة حالة من الإحباط والخيبة، لأن أكبر دافع وظهير للعمل المعارض وهو العقوبات قد تم تجريدها منه، فما الذي يمكن لفصائل المعارضة السياسية والمسلحة أن تفعله في غضون الأيام المقبلة.
> من الواضح أن تلويح الحركة الشعبية قطاع الشمال في مؤتمرها الأخير بكاودا الذي اختتم الأسبوع الماضي بورقة تقرير المصير، لن يجد آذاناً صاغية هنا أو خارج السودان لدى الدوائر الغربية والجهات التي كانت تدعم هذا الفصيل المسلح، ويبدو أن طرح تقرير المصير مطلوب دعائي داخلي لقيادة الحركة الشعبية الحالية ودغدغة لمشاعر ما تبقى لها من قواعد في المنطقتين، ولا توجد جهة واحدة داخلية أو خارجية تؤيد في الوقت الراهن ما يسمى تقرير المصير لأي جزء من السودان، بعد التجربة المريرة والمحزنة والفاشلة لدولة جنوب السودان بعد تلاشي كل الأحلام التي بنيت على الانفصال وتقرير المصير.
> كذلك حركات دارفور والموجودة بقيادتها وما تبقى من قواتها خارج السودان (جنوب السودان ــ مع حفتر في ليبيا) هي نفسها في ذات المأزق، فقد تراجعت قضية دارفور إلى مرحلة صفرية فلا تسمع لها أي صدى في الخارج أو الداخل، ولم يعد هناك من يأبه بالجلبة والضجيج الذي تصنعه بعض قيادات الحركات في مهاجرهم الناعمة، فقد توقفت المدفعية السياسية التي كانت تدعمهم، وانتهى عهد العقوبات الأمريكية، واستعاد السودان عافيته واسترد مكانته الدولية وتم تبييض صحيفته، فويل للمعارضة من هذا المأزق إن لم تجنح للسلم وتأتي لطاولة التفاوض وتقبل بالاتفاق.