الجمعة، 17 تشرين2/نوفمبر 2017

board

نائب رئيس القضاء مولانا عبدالحميد إدريس في استنطاق جريء:

أجراه- مزمل عبدالغفار
-المؤسسات العدلية هي رمانة الميزان في تحقيق العدالة وهذه المؤسسات العدلية جميعها يُراعى فيها الكثير جداً من الجوانب المطلوبة، فالمؤسسات والهيئات العدلية ليست كالهيئات العادية فهي هيئات مناط بها عملية تحقيق العدالة

بشقيها القانوني والاجتماعي إذ يؤكد كل ذلك ويدلل على أهمية القضاء كقيمة للعدالة. كعادته مرحباً لمن يلجأ إليه بابه مفتوح لكل مهموم ومظلوم.. ذهبت إليه في صباح رمضاني دون  سابق ميعاد واستقبلني بكل ترحاب فطلبت منه لقاءً يُجيب على بعض التساؤلات التي أحسبها تدور في أذهان القراء وتحتاج بلا شك إلى إفادات وتوضيحات من شخصية قيادية في القضاء لأن يجيب عليها، فاستجاب لمطلبي ولم تبارحه الابتسامة في أثناء إجاباته التي حملت فتاوى وتوضيحات بل وتوجيهات للقضاة في المحاكم الأدنى والتي تسمى بلغة القانون محكمة الموضوع، حيث يرى بعض القضاة في محكمة الموضوع أن هيبة القاضي هي في الشدة والغلظة على المتقاضين، وأشاد مولانا عبدالمجيد في حديثه بالنهضة التشريعية الإصلاحية للقوانين التي تسود البلاد مركزياً وولائياً حتى ينهض التعارض. وحول مبدأ استقلال القضاء قال إن القضاء السوداني مشهود له داخلياً وخارجياً في هذه الناحية، وإن القاضي لا سلطان عليه إلا القانون، وفيما يتعلق ببسط العدل في ولايات دارفور أكد انتشار المحاكم هناك تقليلاً للظل الإداري وأعلن عن إنشاء دائرة للمحكمة العليا لدارفور وقال هناك استقرار وبسط كامل للعدالة، لم يترك ضيفنا القامة والقانوني الضليع نائب رئيس القضاء، مولانا عبدالمجيد إدريس علي .. استفساراً إلا وأجاب عليه حتى فيما يتعلق بتعدد الزوجات. فلا أحول بينكم وقيادة القضائية في هذا الحوار الذي ينشر على حلقتين حيث سألناه في هذه الحلقة بداية:
> مولانا عبدالمجيد كيف وجد طريقه للقضاء وهل كان ذلك قرار شخصي أم رغبات أسرة؟
< في هذه الناحية هناك قصة فأذكر إنني عندما كنت طالباً بمدرسة كسلا الاهلية الوسطى كنت اول الدفعة وذلك قبل ان اترك طريق المساق العلمي واذهب للمساق الادبي والتي اعتبرها انتكاسة، وكان وقتها هناك استاذ كمال كان دائماً عندما يفرغ من تصحيح الكراسة الخاصة بي كان يكتب لي باستمرار على الكراسة عبارة قاضي القضيان وانا وقتها لم افهم معنى هذه العبارة في ذاك الزمان الباكر، ومرت الايام وكما قلت لك كنت اول الدفعة في المساق العلمي ولكن انشغلت بالسياسة فاتجهت للمساق الادبي، وفي المرحلة الثانوية كان من ابناء دفعتي الشهيد الفريق عبد النعم الطاهر الذي كانت له قولة شهيرة في العمليات العسكرية وهي (عندما جئنا للدنيا صغاراً امهاتنا  كحلننا بالشطة) فالشهيد كان رجلاً قوياً منذ ان كان طالباً وعندما كنا طلاباً كانت له وقفات شجاعة واذكر انه تشاجر مع شخص وهو طالب وانتصر عليه ضرباً، ما دعا ذلك الشخص لفتح بلاغ وتدوين قضية وانا وقتها حضرت كشاهد امام مولانا جعفر السنوسي الذي طلب مني الحلف على القسم كشاهد فرفضت ذلك وقتها، مع العلم ان المادة 54 من قانون العام 1974م كانت عقوبة عدم الحلف المحاكمة وعندما تم الضغط عليّ نفذت الحلف، وعندما خرجنا من تلك الجلسة قلت للشهيد عبد المنعم "انا ذاتي يوم ساجلس على مقعد هذا القاضي" وقد كان وللأسف.
 هذا بالاضافة الى انني في المدرسة الثانوية كنت دائم التمثيل لدور القاضي في المسرحيات المدرسية فهذه كلها باختصار هي الاسباب التي قادتني الى هذه الطريق.
> ما هي أشهر القضايا التي مرت عليك وهي لا تزال عالقة في الذاكرة؟
< كانت هي اول قضية متعلقة بالقتل في العام 1987 ذلك عندما كان هناك خلافات بين الجبهات  المتصارعة في اريتريا فهناك جماعة كانت تستهدف وقتها احد قيادات جماعة اخرى ويدعى قائدها عبد القادر الجيلاني وذلك في محاولة لاغتياله، وحقيقة وقتها كنت اسمع لاول مرة عن عمليات الاغتيال عبر التفجير عن بعد بالريموت، وهذا الحدث كان في كسلا ذلك عندما تم رصد حركة ذاك القيادي المستهدف ففجروا البوكس فمات الحراس ولكن نجا عبد القادر الجيلاني، وكانت هذه القضية محاطة بتشديد امني كبير في كسلا وكان ان  تم القبض على المنفذين وصدر الحكم عليهم بالاعدام وتم.
>  عبارة (ياما في السجن مظاليم) إلى أي مدى تنظرون لهذه العبارة وأنتم قيادة قضاء؟
< أنا أؤيد هذه المقولة لان هناك قصصاً كثيرة قد حدثت من خلال الدعاوى الباطلة بالرغم من حلف اليمين، وأي شخص يفتقد للضمير والذمة يمكنه ادخال اي شخص للسجن.
> هل القضاء يمكنه معالجة مثل هذه الحالات إن وجدت؟
< بالطبع يمكنه المعالجة اذا تم اكتشاف هذا العمل.
> في قضية العصر السابقة وهي مقتل الصحفي محمد طه محمد أحمد هل تنفستم الصعداء عندما تم فك الطلاسم ومعاقبة الجناة وقال القضاء كلمته وأصدر حكمه هنا؟
< الراحل المقيم محمد طه محمد أحمد كان يتقدمني بعام في جامعة الخرطوم وتم اعتقاله وقتذاك وهو في السنة الثانية عندما كنا نحن في السنة الاولى وفي النهاية اصبحنا زملاء دراسة، وكنت من اكثر الناس حزناً على ما حدث للصحفي محمد طه لانه عندما كان في اركان النقاش ايام الجامعة كانت حجته بلسانه، وانا اعتقد ان كل الشعب السوداني قد تنفس الصعداء بعد ان تم الحكم بالقصاص على قاتلي محمد طه.
> إلى أي مدى تشكل هذه الحادثة سابقة تاريخية في عمر القضاء والسياسة في السودان؟
<  انا اعتقد ان طريقة الاغتيال كانت طريقة دخيلة على الشعب السوداني ولا تشبه جرائم القتل العادية.
>  هناك استنباط  اجتهادي يقول (قاضيان في النار وقاض في الجنة) إلى أي مدى تنظرون لهذا القول التحذيري من هذا الاستنباط الاجتهادي؟
< هذه العبارة ليس المقصود بها القاضي المهني لوحده بل اي قيادي في اي موقع كان او رئيس او راعي، فانا اعتقد ان القاضي ومثلما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه ان القضاة هم ثلاثة (قاض يحكم بجهل فهو في النار وقاض يحكم بهوى فهو في النار وقاض كفاف هو لا اجر ولا وزر)، فحسب قول الحديث ان عدل ساعة هو خير من عبادة ستين عاماً، فالشخص اذا اجتهد واصاب فله اجران واذا اجتهد واخطأ له اجر وبالتالي فان قول قاضيان في النار وقاض في الجنة هي لا تشملنا نحن القضاة فقط بل ينسحب هذا القول على كل مسؤول وقائد.
> الأعرابي الذي قال لعمر رضي الله عنه (عدلت فسلمت فنمت يا عمر) إلى أي مدى ترى هذا القول يترجم واقعاً بين الناس؟
< نحن نتأسى بهذا القول ونذكر ايضاً ان امرأة سألت ذات يوم احد الولاة ذلك عندما شيد سوراً حول مدينته وقالت له لماذا هذا السور فكان رده انه اراد منه تحصين المدينة فقالت قولتها الشهيرة (حصنها بالعدل) فانا اعتقد ان العدل هو مطلوب دون خوف وهو صفة سامية تنسحب على كل المسؤولين بالدولة.
> معلوم أن المرأة دخلت عالم القضاء منذ فترة بعيدة وبصورة كبيرة الآن لكن هناك حديث عند العامة يقول (المرأة لا عدل لها) (أو عدلها ناقص) فبما تردون؟
< المرأة في عالم القضاء أثبتت جدارتها تماماً في كل مستويات التقاضي وهناك ميزة هامة وهي الصبر خاصة في المستويات الاعلى مثل الاستئناف والمحكمة العليا، فالمرأة أداؤها مميز في كافة حلقات التقاضي.
> بهذه المناسبة أيضاً ما هو تعليقك  على وثيقة الحريات للراحل الترابي والتي دار جدل فيها خاصة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية وعقد الزواج؟
< بالتأكيد د. حسن الترابي هوقامة فكرية وقانونية ونحن شاركنا في المناقشات التي دارت في المجلس الوطني، ونحن ضد ما جاء في مسألة عقد الزواج من أفكار هنا في هذه الناحية ولقد كتبنا الآن في قسيمة الزواج أن الزواج بإجماع الفقهاء لا يتم بدون الولي.
> الآن ظهرت مسألة زواج الأجانب من سودانيات وبالعكس فهل القضائية عينها فاحصة هنا لمثل هذه الظواهر؟
< قديماً كانت هناك ضوابط مشددة فيما يختص بزواج الاجانب اما الآن فهناك تسهيل من السلطة القضائية وهذا بعد اتباع الاجراءات القانونية المعروفة هنا.
> مبدأ سيادة حكم القانون من ناحية النظرية والتطبيق يقول فلاسفة القانون إن هذا المبدأ لكي يتحقق ويتنزل ويمشي واقعاً بين الناس هو يحتاج لإرادة سياسية فكيف تنظر لهذا القول؟
< حقيقة كلما كانت هناك إرادة سياسية قوية داعمة للسلطة القضائية فهذا عمل جيد فالدولة التي تؤيد وتعضد  من ذلك هو قطعاً شيء حميد ونقول ان هذا موجود ومظهر وجوهر ذلك هو عدم التدخل والبيئة الصالحة للقضاة وفي المحاكم حتى يمارسون عملهم، فمبدأ سيادة حكم القانون بين النظرية والتطبيق هو موجود وهو واقع معاش.
> السؤال الذي يتبع ذلك قطعاً هو استقلالية القضاء كيف نراها عندكم؟
< انا اطمئنك بان القضاء مستقل ولا يستطيع اي شخص او جهة بالدولة التدخل في احكام القضاء ولكن اسقاط العقوبة هي سلطة اصيلة فقط لرئيس الجمهورية، وفيما يتصل ايضاً باستقلال القضاء فمشهود للسودان على المستوى الدولي في هذه الناحية ومؤخراً كان هناك مؤتمر رؤساء المحاكم الافارقة حيث ركزنا على استقلال القضاء وهم معجبون بالنظام في السودان فالقاضي لا سلطان عليه الا القانون.
>  فيما يتصل ببسط العدل في ولايات دارفور إلى أي مدى تسير الأمور هناك؟
< نحن مطمئنون جداً من هذه الناحية فجميع المحاكم تعمل الآن ونحن نداوم على تكثيف الزيارات وانا اطمئنك بان الامن مستتب بالنسبة لنا كمحاكم في دارفور، فانتشرت المحاكم وللمزيد من تقصير الظل الاداري الآن هناك اجهزة جديدة في شرق دارفور ووسط دارفور، وانشأنا دائرة للمحكمة العليا لدارفور في نيالا وهي خففت العبء علينا في الخرطوم فهناك استقرار وبسط  للعدالة.