الخميس، 24 أيار 2018

board

قوش يخرج من صمته ويقدم إفادات صريحة حول الراهن السياسي

أجرى الحوار: محمد جمال قندول
أجرت هذه الصحيفة هذا الحوار قبل أربعة أشهر من الآن، حيث رأت إدارة التحرير إعادة الحوار لما فيه من آراء جريئة طرحها صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات الذي أعيد تعيينه أمس.. في ذلك التوقيت تناول قوش أبرز أحداث الساحة السياسية، وفيما يلي تفاصيل الحوار:

من المعلوم أنه ليس من السهولة بمكان إقناع المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات السابق -المعين أمس- الفريق أول مهندس صلاح عبد الله قوش بالحديث والتعليق على الأحداث السياسية التي فرضت نفسها على واجهة المشهد السوداني، والتي من أبرزها خطاب رئيس الجمهورية في المجلس الوطني، ثم رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد، أضف الى ذلك الخلافات والانشقاقات التي طالت الحركة الشعبية قطاع الشمال والكثير من المحاور. فالرجل نادر الظهور إعلامياً، وهو ما يجعل إطلالته مختلفة، والحوار معه يجعلك توقن بأنك أمام رجل استثنائي يفصل في الإجابات كيفما يشاء عبر سرد مرتب لكل ما طرح عليه بمزيج من الواقعية والدبلوماسية والقراءة التحليلية لراهن الأحداث فماذا قال:
> مرحباً بك؟
< أولاً شكراً الأخ قندول على هذا اللقاء،  وعلى الرغم من محاولاتي للابتعاد عن الإعلام، إلا أن ملاحقاتك المتكررة أفسدت علي حفاظي على ما درجت عليه، إلا من حين لآخر، في توقيتات محسوبة وموضوعات حية.
> بداية نريد أن نعرف رأيك في خطاب رئيس الجمهورية في المجلس الوطني؟
< خطاب السيد الرئيس كان خطاباً متفرداً ومتناسقاً وجيد الترتيب في جوهره وفي صياغته. وتناول كليات السياسة العامة للدولة، ورؤية ورسالة وأهداف وخطط وبرامج وآليات التنفيذ. وهو مكتمل الأركان، حيث بدأ بالحديث عن مسارنا الإستراتيجي نحو استكمال النهضة وتقويم الإصلاح الجذري للحياة العامة للدولة والمجتمع، وما يتعلق بإعادة هيكلة الحكم وما يتطلبه ذلك، مستنداً إلى ما أنجزناه في الحوار الوطني، فالحديث عن المسار الإستراتيجي المستند إلى تحليل إستراتيجي يتطلب من السيد الرئيس الاهتمام بآليات التخطيط والتفكير للفعل طويل الأمد حتى تختفي مظاهر قصر النظر وتحول مشروعاته الى حلقات قصيرة الأجل. فالملفات المعزولة التي لا رابط بينها تدفع الحركة في اتجاه أفقي ولا وجود لمسارات رأسية، فتتخبط خطواتنا لبناء المستقبل. وكل خطوة لا بد أن تكون استجابة لمجموعة مختلفة من الفرص، والحديث عن الإصلاح لا بد أن يكون مستنداً إلى مخرجات الحوار ليكون هو الملهم.
> على ذكر الإصلاح كيف نحقق خطوات في هذا المجال؟
< الإصلاح سمة ملازمة لحياة الأمم، وهي الفكرة التي تلازم مراحل الصعود أو الانعطافات الحادة بتاريخها، وهو ليس تبجحاً ولا متناهياً يخفي عجزاً في الواقع، بل أنه توجه لزيادة كفاءة الفعل المفعم بالطاقة والنشاط واختصار الطريق ويعجل بالمرور إلى برنامج عمل ينتقل بنا من النظرية الى الممارسة وانتهاج طرق في الإدارة والإشراف أكثر كفاءة لحالة تحظى بالتحكم الجيد بصورة أكثر قابلية للتجديد والتعديل، بغرض إقامة واقع جديد معدل. والفهم الموضوعي لقضية الإصلاح يتطلب دراسة تشريحية دقيقة للمقدمات الحقيقية لقضايانا المتعددة، واعتبار أن ذلك يمثل المادة النظرية التي ينصب عليها إصلاح الدولة الذي ينشده الرئيس، وهذا التوجه للإصلاح كان بائناً عندما طرح السيد الرئيس قضية الحوار الذي لم يكن طرحاً فجائياً، ولكنه عمل دؤوب ومتراكم المساجلات والنقاشات وظواهر داخل الحزب الحاكم، وكلكم تابع التاريخ عندما طُرح هذا الموضوع في مستشارية الأمن القومي، ولأنه تفكير وتغيير جوهري في العقل الحاكم، وكان لا بد له أن يتعرض لصعوبات واعتراضات وأخذ ورد. وحينها كنا نقرأ المستقبل وحظينا بنافذين ضد التطور والتغيير، بل تربكهم كتابة حضوره بما يكتب عنه في حينه، حيث تجاوز ظاهرة لم نألفها تصوراتهم على سبيل الحديث أو الإسقاط والانتقال من مرحلة إبداء الرأي الى سند الرأي. والأولى حق مشاع والثانية جهد حقيقي كنا نجد أنه معبر عن الواقع مجتاحاً فيه. ففجأة اكتشفوا أنهم عاشوا في مملكة الخطأ، وأنهم عن قصد صنعوا فيها نظريات ومفاهيم ومناهج ومقاربات بعيدة كل البعد عن القراءة العميقة للواقع السياسي، وانكشفت سطحيتهم كما أيقنها الحاضر، ثم عادوا ممثلين في مقدمة الصفوف وما انكفوا إلا أن يهمهموا بمفرداته القديمة تمويهاً عن لغة الحكم السابق عليه، فلا يسعفهم إلا الاقتباس من أدبياته السابقة بما سبق، كمن يعرض بضاعة مسروقة ولا يعرف كنهها أو قيمتها.
> ماذا عن الإصلاح؟
< نحن نتحدث عن الإصلاح كقضية محورية في هذا اللقاء، وحين نتحدث عن الإصلاح فلنبدأ بالحديث عن الحزب الحاكم الذي أراه حزباً كبيراً وحقيقياً وموجوداً علي الارض، ويضم قطاعات واسعة في كافة أنحاء السودان. وهو موجود بكل مدينة وكل قرية وكل حي، وله امتداد عميق الآن في المجتمع السوداني، فهو وعاء واسع انضم إليه الناس بحماس لا يوجد له منافس وقاعدته صلبة. إلا أنني أرى مظاهر ليست خافية على كل مراقب، منها أن الشريحة النافذة فيه توقفت عن الحضور السياسي والثقافي، فلا هم أموات سيدفنون، ولا هم أحياء سيبدعون. فهم بين بين، لا يودون أن يخسروا شيئاً ولذا فإنهم لن يكسبوا شيئاً. والسيد الرئيس الذي يدعو الى النهضة عليه أن يبدأ أولاً من تحت قدميه بالحزب الحاكم ومكتبه القيادي ودوره وأذرع مؤسسته وعقله المفكر ليصل إلى مبتغاه.
> هل تتحدث عن تنظيم صفوف المؤتمر الوطني؟
< أتحدث عن ضرورة إعادة النظر في فاعلية الحزب الحاكم. وأدرك تماماً هموم السيد الرئيس التي وردت في الخطاب. كما انني أدرك المرحلة المقبلة، مستفيدين من تجارب الماضي ومستشرفين المستقبل. ونتجاوز أزماتنا للوصول إلى معالجات ناجعة لها بدلاً من سياسة التعايش معها. فقضية الإصلاح تعني بالدرجة الأولى إصلاحاً جذرياً للحياة العامة بالدولة والمجتمع كما ذكرها السيد الرئيس، والتي سيكون سلاحنا فيها هو تماسك جبهتنا الداخلية والتفاف المجتمع السوداني حول قيادته ونظامه السياسي، مما يعني أن قضيتنا الأولى هي ترميم جبهتنا الداخلية، ولأنها عمل مجتمعي وسياسي واسع فإن الدور الأكبر سيكون على الحزب والتنظيم السياسي وفاعليته وفاعلية جهازه التنفيذي التي بها يمكننا القدرة على مواجهة المخاطر والتحديات والتدخلات، بل ستمنحنا القدرة على تلبية حاجتنا الذاتية وتطوير أوضاعنا الداخلية، ومزيداً من اندماج النظام الحاكم مع قطاعات المجتمع كافة وفق أسس سليمة لمفهوم الدولة الحديث، ووضع منظومة وصياغتها من العناصر الضرورية القادرة على صنع النظام المقبول ليحظى بقبول واسع ومعقول لدى كل شرائح المجتمع وقواه الفاعلة، وهو الشرط الأساس لتحقيق الوحدة الوطنية وترسيخها بوصفها الفكرة المرجعية للمشاركة الاجتماعية والسياسية الفاعلة حتى تختفي التوترات والتناقض بسبب خلل آلية العمل الضرورية وفاعليتها الذاتية في تطوير النظام السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي بوصفه وحدة حية، وحتى لا تتحول الدولة إلى أداة لضمان استمرار الأنظمة وتولد سلطة تقليدية متحجرة حاضنة للدولة، بدلاً من أن تكون الدولة حاضنة للسلطة، مما يعني أن القضاء على هذه الحاضنة يتضمن تعرضها للخطر او الموت، ويأتي في مقدمة ذلك ترسيخ العلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع على أرضية الشرعية والقانون، وحتما سيؤدي ذلك الى ردم الهوة بين السلطة والمجتمع حتى يشعر الجميع بأن الدولة تستوعب مصالح كافة القوى الاجتماعية المكونة للسودان، وتنمو بذلك وتتشكل القوى السياسية والتنظيمات الاجتماعية، وتخوض معاركها التنافسية على فعل الخير واشاعته بالمجتمع، وتنمو منظمات المجتمع المدني وتقوم بدورها الرائد لبناء مجتمع معافى من أمراض الإثنية والقبلية والعنصرية القاتلة للوحدة والفاتكة بالوحدة الوطنية، ويلتف الجميع حول دولتهم ويشكلون حاضنة قوية لسلطتهم المخولة حتى تقف على أرضية صلبة بمواجهة الهجمة الشرسة القادمة التي تستهدف أول ما تستهدف اختراقاً واسعاً للمجتمع السوداني بغرض تفكيك وحدته الوطنية وإضعاف انتمائه الوطني، مما يسهل تفتيته وتجزئته وإضعاف الدولة السودانية.
> البعض يتهم المجلس الوطني بأنه مجرد أداة في يد الحكومة ولا دور رقابي قوي له تجاه مصالح الناس؟
<  لعلك ترمي إلى دور المجلس الوطني والنواب هل لهم دور يذكر؟ المجلس الوطني الأغلبية فيه لحزب المؤتمر الوطني، وقد نال هذه الغلبة بنشاطه وقدرته على حشد المناصرين والفوز بمعظم أو كل الدوائر الانتخابية. وبذلك فرض سيطرته على الجهاز الرقابي للسلطة التنفيذية، وذلك مهم حتى يستريح لإنفاذ سياساته كحزب حاكم. والسؤال هنا ليس معنياً به المجلس أو النائب، بل معني به الحزب الحاكم والدور الذي يرسمه لعضويته في المجلس، وعلى الرغم من ذلك إلا أن تعدد اطر التنظيم وتباين مستوياته والتفاعل الناتج عن حراك التباين يقود بلا شك إلى صياغة آفاق مضافة لأطر التمثيل الشعبي، وهنا يجب ان نقف عند حدود المعادلة في مسار العلاقة بين النواب والحزب الحاكم التي قطعاً تحتاج الى مراجعة وإصلاح أيضاً حتى يتشكل دور جديد للأعضاء، ليسهموا في عملية صنع السياسات والحفاظ على مصالح ناخبيهم. وربما كان تشكيل الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم غير موحد أو متجانس كما هو في أجهزة الحزب، ولا يمكنهم من التعبير عن مصالح ناخبيهم بصيغة منتظمة. وذلك لأن المجتمع الواسع العريض يحدد ذاته بتشكيل حيوي يتسم بالاختلاف والتوافق في الوقت ذاته، وفي أحيان كثيرة لا يمكن أن تعبر منظومة اجتماعية عن مصالحها ومواقفها على مستوى واحد من التوتر والاتجاه، بل القفز ليمارس دوراً أساسياً في صنع السياسات والضبط والتأثير في ذلك. فإعادة النظر بين العضو وحزبه ودور الهيئة البرلمانية التنظيمي داخل منظومة الحزب تحتاج الى النظر فيها بعمق، وحينها يستطيع المجلس الوطني أن يحقق المراد الذي ذهبت إليه.
> ما تعليقك على قرار رفع العقوبات الاقتصادية؟
< هذا الحدث أوجد فرصاً ذهبية يجب استثمارها، ويحتاج ذلك إلى إحكام بنية تحتية صلبة لاستيعاب هذا الواقع الجديد لا أراها موجودة، ومدخل بنائها هو ما سبق أن ذكرته لك عن مساعدة السيد الرئيس على إنفاذ أطروحاته عن الإصلاح. والقرار الأمريكي برفع العقوبات الاقتصادية نهائياً عن السودان، قطعاً كانت له مبرراته، وكلنا نعلم أن متغيرات وتحولات كثيرة قد حدثت. فالجميع يلحظ أن تغييراً كبيراً حدث داخل المجتمع الأمريكي توج بفوز ترامب باطروحاته التي سمعها الجميع، تلك الأطروحات التي تبدو غريبة ولكنها تمثل الضمير الجمعي للمجتمع الأمريكي، والتحولات التي حدثت في المنطقة والإقليم وما حدث لنا في الإنقاذ على ضعف معرفتنا بأسس المعادلات التي تمت وفقها التسويات التي طوت صفحة من الماضي، وكل التزاماته الأخلاقية. دعني أقول لك أن تلك التغيرات سبقتها جهود وانقطاعات متعددة ومستويات مختلفة، ولكنني أعتقد أن المبعوثين الخاصين بالرؤساء الأمريكان والقائمة معروفة (بوث، دانفورث، نتاسيوس، قرايشن، ليمان) وبعض الدبلوماسيين الذين عملوا بفترات طويلة بالسودان، هؤلاء لعبوا دوراً محورياً في رسم السياسة الجديدة تجاه السودان. ولعلك تابعت أن هؤلاء هم أهم المتحدثين في ورش مراكز البحوث وجلسات الاستماع والبحوث الخاصة برسم السياسية الأمريكية تجاه السودان، ويمكنني الجزم بأن التعاطي المباشر معهم قد غير الصورة تماماً التي رسمها الإعلام المعادي والدعاية السوداء بوجودهم علي أرض الواقع.
> هل كانت لكم خطوات في هذا المنحى إبان رئاستكم للجهاز؟
<  بالقطع فإن مدير الجهاز أياً كان صلاح قوش أو غيره الموجود على رأس المؤسسة، سيكون له دور مؤثر وفاعل، فالدور ليس شخصياً بل دور مؤسسة ولا يمكن أن ينسب لشخص باعتباره يملك العصا السحرية. وكذا الحال بالمؤسسات الأخرى الخارجية والدفاع والمالية وبنك السودان وغيرها، بل ساهمت قطاعات شعبية من الإدارة الأهلية والمجلس الوطني وأفراد ناشطون ذوو علاقات بالمؤسسات الأمريكية.
>  كيف يمكن إدارة الملفات مع أمريكا برؤية إستراتيجية؟
<  للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نستعرض الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة التي من ضمنها السودان ويؤثر فيها السودان أيضاً، فبعد إغلاق ملف الحرب الباردة بدأت صيحات جديدة في الغرب عن الصراع القادم، ونشرت مقالات متعددة بكبريات الصحف الغربية عن صراع الحضارات القادم، ودارت حوارات عن العدو المحتمل للغرب، وبرزت التصنيفات للخطر القادم من رحم الحضارة الإسلامية. ولعلك تعلم أن العالم الإسلامي في لائحة التصنيف يقع في المنطقة الحية الممتدة عبر ايران وباكستان وأفغانستان، ومروراً بالجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغربها حتى المحيط الهادي. هذا الحزام هو مركز كل الخامات الحيوية للحياة من طاقة ومياه وغذاء وموارد، ويقدر أنه سيغذي العالم لنصف قرن قادم على الأقل. وبعد أحداث (11) سبتمبر أصبح هذا الحزام منتجاً للإرهاب والعنف والتطرف الخطر الأول الآن والمهدد الأكثر اهتماماً لمواجهته. لذلك أصبحت مكافحة الإرهاب من أولى أولويات السياسة الأمريكية للحفاظ على أمنها القومي، لذا فإن من مطلوبات شعوب المنطقة أن يصطفوا خلفها لمواجهة هذا العدو المطلق. وهم المتطرفون الإسلاميون بإفرازاتهم القديمة كالقاعدة وداعش والجديدة أياً كانت مسمياتها التي يمكن أن تنحو منحاهم او يمكن التأثير في آخرين ينحون منحاهم. وهؤلاء جميعهم يجب أن استئصالهم والمعركة معهم صفرية. وفي هذا الحزام توجد إيران وتوابعها، وهؤلاء هم عدو نسبي يجب تحجيمهم واضعافهم، وآخرون توابع لا يطلب منهم أقل من الولاء لمعركة أمريكا، فما تسميه مكافحة الإرهاب أو في عداد تهديد إسرائيل وضمان أمنها المطلق والأحادي وتحدد أبرز مهام الولاء من التوابع هو الاستئصال العضوي للقوى المعادية، حتى لو أدى ذلك الى تهديد نسيجها الوطني.
> وعلى المستوى الفكري والنظري كيف ندير هذه الملفات؟
< بوصفنا سودانيين نتبنى طرحاً إسلامياً، فبمقدورنا أن نقدم أنموذجاً جديداً يخرج الغربيين والأمريكان من الارتباك والحرج في فهم الظاهرة الإسلامية وقيمها الكلية المبنية على الوسطية، ومعالجة الفكرة المتطرفة بمعالجات فكرية عقلانية وروحية، ونكون جسراً للتواصل المثمر. وهذا الأنموذج هو طبيعة وصفية للتدين السوداني في سواده الأعظم الدائر في فلك التصوف والسلام الاجتماعي، من الهموم والانشغالات الأساسية للأمريكان ضرورة استتباب الأمن وترسيخ الاستقرار حتى لا تصبح الحروب الأهلية والمواجهات العنيفة ساحة سائلة بعيدة عن سلطة الدولة لتكون بيئة مناسبة تسمح بنمو المجموعات الإرهابية وتصاعدها، ولذلك يجعلون الاستقرار هدفاً يجب أن يتحقق. في السودان كان وجوب استقرار الأوضاع خط دفاع أول لنا بصرف النظر عن سياسة المواجهة القديمة مع النظام وإسقاطه، واتجهوا نحو احتوائهم وإضعاف أثره  في محيطه المحلي والإقليمي. سياسة الاحتواء الآن ستتركز وتكون الأعنف في الفترة القادمة، وسنتعرض لعمليات اختراق واسع بغرض الوصول الى العمق لإحكام التحكم والسيطرة، وذلك يعد اكبر مهددات الأمن القومي.
> قراءة لمستقبل السودان ما بعد رفع العقوبات؟
<  أمامنا فرصة ذهبية للانطلاق، ونعود قوة مؤثرة ومهمة في المنطقة اذا استثمرنا هذه الفرصة واستكملنا بنيتها التحتية للانطلاق
> ما هي الخطوات التي يمكن أن تخرجنا من قائمة الإرهاب؟
< خطوات رفع اسمنا من القائمة بدأت منذ وقت طويل وليس هنالك مبرر لبقائنا فيها. بل أعتقد أننا استوفينا كل الشروط اللازمة لرفع اسمنا عن القائمة، وكان من المفترض أن يتم ذلك حتي قبل رفع العقوبات الاقتصادية. ولكن في تقديري إن ذلك أحد الكروت مع كرت التطبيع التي سيناور بها الأمريكان للمزيد من التنازلات في قضايا مسار اهتمام وانشغال الإدارات الإمريكية. وستظهر خرائط للطريق متعددة في الفترة القادمة كما عودنا الأمريكان بخارطة طريق ثم خارطة طريق خارطة طريق.
> هل تؤيد التطبيع مع إسرائيل؟
< ماذا تعني بالتطبيع؟ لعل السؤال المناسب لنا هو كيف ندير علاقاتنا بإسرائيل؟. قبل الإجابة عن السؤال دعني أقول لك إن قيام دولة إسرائيل هو مشروع حقيقي وكيان مصطنع في الوقت نفسه. وهو بناء مجتمع واصطناع قومية على أساس الانتماء الديني، وإقامة دولة اليهود وإن لم تكن دولة دينية بالمعنى الديني فإنما دولة لاتباع الديانة أياً كان موقفهم الاعتقادي، وسيقوم أساس المشروع بصفة أساسية على الإقصاء والاستبعاد للجماعة العربية الفلسطينية وليس مجرد تهميش بصفتهم أقلية إثنية، وفي المقابل تبنى عملية البناء للمجتمع الإسرائيلي الصهيوني انطلاقا من التعددية وتجاوز الانقسامات الاجتماعية العميقة نتيجة للهجرة من كافة أنحاء العالم للمؤيدين للديانة اليهودية، وبناء هذا الكيان في قلب المنطقة التي وصفتها سابقاً، وهي منطقة أساسية والميدان الأهم للصراع العسكري والسياسي والدبلوماسي. كما أن المنطقة هي المنتج الأول للتطرف وإفرازاته المنطلقة من الدين الإسلامي السني، فوجودها بهذا الشكل يستند إلى عقيدة دينية مطلوب لمواجهة التمدد الإسلامي وبناء هذا الكيان وتأكيد تفوقه كحليف إقليمي ودولي موثوق لا يتزعزع ولاؤه التحالفي بأي ظرف ولا يخشى جانبه لاية درجة ملموسة خلال المدى المنظور مهما تغيرت الظروف المحلية والإقليمية، وذلك دافع وجوده في قلب منطقة التهديد والصراع الرئيس. وليس المطلوب الآن كأهم إنجاز للغرب وأمريكا تحقيق الرضاء الشعبي لقيام الكيان الإسرائيلي، وإنما المطلوب الاعتراف الرسمي بالعجز أمام ذلك المشروع، لأن موقف الشعوب العربية والإسلامية تجاه هذا المشروع موقف صامد وثابت، ولذلك لم يعد مطلوباً عندهم مناقشة هذا الموضوع والخوض فيه، بل المطلوب من الأنظمة في المنطقة الاعتراف بإسرائيل والعمل معها كأمر واقع. وعليه فقد عملت أمريكا بكل جد لإلغاء شرعية الصراع العربي مع إسرائيل كعدو قومي للعرب، وقتل الروح القومية عندهم وتفكيك وحدة مصالح العرب الجوهرية القومية العليا وانحدارها في ترسيخ وتثبيت الأنظمة الحاكمة ومصالحها الضيقة. إن تحقيق قوة إسرائيل وتأكيد تفوقها يتطلب أيضاً استمرار العجز العربي، وذلك مرهون بتجزئة العالم العربي واضعافه وترسيخ ذلك الضعف. فأين نحن من ذلك؟ لا أعتقد أن هنالك وطنياً يرى أن يضع إسرائيل في خانة الحليف أو الصديق. بهذا المفهوم فإن المطلوب أن ندير علاقتنا تجاه إسرائيل بما يحفظ التوازي معها لا التقاطع، مع التأكيد على موقفنا الثابت للحق الفلسطيني المغتصب، فهو تعبير حقيقي لمجاميع الشعب السوداني.
> كيف تقرأ ما يدور في الحركة الشعبية قطاع الشمال؟
< ما حدث للحركة الشعبية قطاع الشمال إفراز طبيعي لما حدث للحركة الشعبية الأم، إلا أن المعلومات المتاحة الآن عن عبد العزيز الحلو تقول إنه استطاع تشكيل منظومة جديدة برؤى جديدة في المنطقتين وليس في جبال النوبة وحدها. واعلم أنه قد استفاد من فترة وقف العدائيات ونظم برنامجاً واسعاً للتدريب التأهيلي وإعادة بناء حركته الجديدة. وشمل التدريب كافة المجالات العسكرية والسياسية والإدارية والتنظيمية بعون ومساعدة منظمات عالمية، وربما اهتمت به الآلية الإفريقية رفيعة المستوى بذلك النشاط وذلك المولود الجديد حتى تحافظ على وجود جسم متماسك يتيح لها المواصلة في دورها كرجل أعمال متخصص في قضية السودان مدعوماً بالمجتمع الأفريقي والدولي. وعبد العزيز الحلو الآن يستعد لمعركته العسكرية والسياسية، وأرى أن معالجة قضية المنطقتين ربما كانت مدخلاً لخريطة طريق جديدة تضعنا أمام تحديات إن لم نحسن الإعداد الجيد لها. ومن الواضح أن الأمريكان لا يرغبون في استمرار المواجهة المسلحة، وهو ما برر وجود وقف العدائيات في خارطة الطريق السابقة. والحل عندهم يجب أن يكون طريقه سياسياً وليس عسكرياً. والمرجعية في ذلك هي خريطة الطريق الموقعة بين الأطراف. ولقد قدمنا فيها تنازلات غير محسوبة بدقة ووافقنا على المنبرين، بل اتحنا فرصة لانضمام قوى سياسية موجودة معنا في الخرطوم بأن تكون طرفاً في خريطة الطريق، وفيها نصوص تتحدث عن الحوار الإستراتيجي، وما هي جاهزيتنا وتفاصيل خطوطنا التفاوضية. وأعتقد أنه مطلوب من قبل الحزب الحاكم ومطبخ التحضير للتفاوض عمل دؤوب، فلن يكون مقبولاً في المرحلة المقبلة الارتداد عن خريطة الطريق والعودة للحرب مرة أخرى. والراجح أن هذه المعركة سياسية بالدرجة الأولى، وعطفاً على ما ذكرت عن التفاوض كأحد أجنحة حركتنا السياسية، فتبقى حركتنا المركزة تجاه أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق الموجودين بمناطق الحكومة بكافة أنحاء السودان وخارجه وفي مناطق الحركة، تظل هي الاولوية التي ينبغي أن نحشد لها الجهود ونوفر لها القدرات اللازمة لإعداد كوادر وقيادات تنافس الحركة الشعبية في عقر دارها كمدافع رئيس عن قضاياهم وطموحاتهم. ونحتاج نحن في المؤتمر الوطني إلى أن نقتبس تكتيكات قرنق الذي صنع يوسف كوة لنصنع نحن عشرات (اليوسف كوة)، ليس لمعركة الحاضر فحسب، بل للمستقبل ايضاً، وهذا ما يقوم به عبد العزيز الحلو الآن ليبتكر أضراساً من الموتى من أجل أن يحسن التهام الأحياء.
>  لماذا لم تقل هذه الأفكار في السابق؟ وهل أنت موجود داخل الحزب الحاكم أم تركته؟
< لست مثل أولئك الذين لا يعودون ليفكروا في ما صنعوا بأيديهم، ويصيغون عبارات ومواقف غير أخلاقية في اعفاء انفسهم عن جميع التبعات والقاؤها على الآخرين، فهكذا يخفون أنفسهم عن أنفسهم، ولا يعودون ليفكروا في ما صنعوا حتى تبدو ذواتهم بريئة ومظلومة، ويكاد يكون هذا هو التوقف عن رؤية الذات.. لست كذلك فأنا مليء باليقين الذي لا يتزعزع بشراكتي الأصيلة للإنقاذ يصيبني ما أصابها انجازاً أو اخفاقاً. ولكن دائماً بين مراحل التطور والتحول صحراء وفراغ سحيق، وللأسف نشط فيه ساقطون. هذه الصحراء لا يقدر على اجتيازها إلا قلة قليلة بإرداتهم الحرة دون إكراه، لأن من يملكون الجرأة والشجاعة وروح المخاطرة ربما يجدون مصير الخارجين عن القانون ويدفعون هذا الثمن، وقد فعلت ذلك، وعندي أن ترك الانتماء إنما هو خارج طور الفكر والخيال.