الجمعة، 17 تشرين2/نوفمبر 2017

board

(الإنتباهة) داخل معسكرات لاجئي الجنوب (1)

العلقاية: جعفر باعو
وما أن تبدأ ملامح دولة الجنوب عند محلية الجبلين بولاية النيل الأبيض ، حتى  تتراءى لك من على البعد مشاهد وصور لاجئي دولة جنوب السودان الفارين من دوي وقصف المدافع وأزير الرصاص.

الذكريات فقط هي التي بقت معهم من دولتهم قبل أن تلتهمها نيران الحرب بينما هم يشربون من مائه العذب ويخففون بها حرارة الشمس اللاهبة التي تشوي أجسادهم المنهكة من طول المسير لآلاف الأميال بحثاً عن الأمن والاستقرار الذي فقدوه في أنحاء دولتهم الوليدة ، على البعد صبية يتسابقون للوصول الى جداوله تصل إليهم العربات محملة بالمعونات (غذاء ، كساء ، علاج) من قبل أهل السابق وجيران الحاضر في الشمال الذين لم يتناسوا التاريخ المشترك والماضي العريق، ولسان حال القادمون يقول : «  لن ننسى أياماً مضت فرحاً قضيناها».
الوضع والحاجة للتدخل
الوضع في معسكرات اللاجئين داخل حدود ولاية النيل الأبيض البالغ عددها (8) معسكرات، يحتاج الى مزيد من التدخلات والدعم من قبل منظمات ووكالات الأمم المتحدة العاملة في مجال الإغاثة ، فالعدد الآن يفوق الـ (140) ألف لاجئ جنوبي بخلاف أعداد من هم خارج معسكرات اللجوء والمنتشرين حول المدن وقراها على طول الشريط النيلي شرقاً وغرباً الى حدود الولاية مع الخرطوم، فيما قال لنا مفوض العون الإنساني بالولاية محمد إدريس الشيخ إن وكالات ومنظمات الأمم المتحدة لم تلفت إليهم بصورة واضحة ما جعلهم يشاركون مواطن الولاية في مواعين الخدمات في الصحة، الغذاء، الكساء والدواء بالإضافة للأمن والاستقرار كمطلوبات ينبغي توفرها لهم في محليتي الجبلين والسلام على الحدود التي تقتسم عبء استضافتهم الآن بصورة رسمية.
سايمون حزين على الفراق
شاب لم يتجاوز الثمانية عشر عاماً وجدته داخل المعسكر في مكان قصي يمسك بالقلم ويدون بعض الدروس باللغة الإنجليزية اقتربت منه وسألته عن سر جلوسه وحيداً ، أجاب بعد أن لمحت في عينيه نظرة حزن عميقة ،قال لـ"الإنتباهة" إنه يعيش وحيداً في المعسكر بعد أن فقد والديه وإخوته في ملكال، هلع سايمون وهو يرى الحرب تأكل أهله وأرضه ولم يجد بد سوى الهروب بعيداً حيث الأمن والأمان في جارة اليوم وشقيقة الأمس بحر أبيض، ظل سايمون في حالة اجتهاد مستمر لعله ينقذ نفسه وبقية أبناء جيله من الدمار النفسي والمعنوي. وكثيرون هم أمثال سايمون في معسكر العلقة بالقرب من جودة الفخار.
وضع أمني .. ولاجئين خارج الأسوار
ليست هناك إفرازات أمنية تعاني منها الولاية جراء استضافتهم ولم تسجل مضابط السلطات الأمنية أي بلاغ أمني مزعج حتى الآن ، كما أن الأوضاع على حدودها مع دولة جنوب السودان التي يبلغ طولها (165) ك/م هادئة . وبحسب محمد إدريس إن الجنوبيين المنتشرين في الولاية خارج المعسكرات من الفئة التي استطاعت الوصول عبر ولايات البلاد الأخرى وهذا بالنسبة للمفوضية (دخول غير مرصود) وهو ما حرمنا من الحصول على إحصائية دقيقة لأعداد اللاجئين بالولاية من المفوضية التي أشارت لوجود وضع إنساني لشريحة أخرى هم السودانيون العائدون من دولة الجنوب والذين دفعتهم ذات الظروف وهؤلاء حسب المفوضية تجاوز عددهم الـ(70)  ألف عائد ، يجاورن حاملي جنسية جنوب السودان في السكن بمحليتي السلام والجبلين.
استجابة ضعيفة من المنظمات
استجابة المنظمات العالمية ووكالات الإغاثة بالنسبة للسودانيين العائدين من الجنوب ضعيفة مقارنة بما تقدمة حكومة السودان وهم أيضاً يشكلون عبئاً على حكومة الولاية في ما يتعلق بالخدمات.
 وفي التنوير الصحافي لمفوض العون الإنساني بكوستي، قال لنا إن ما تقدمة وكالات الأمم المتحدة يحتاج الى إسناد سيما وأن التدفقات كبيرة تفوق طاقة الولاية التي مازالت تمنح من التسهيلات للمنظمات ما يمكن أن يحد من زيادة تدفقاتهم. فالجوع مازال يحاصر الكثيرين في أنحاء دولتهم ، وتابع قائلاً: (نأمل من وكالات الأمم المتحدة أن تلتفت الى أعداد اللاجئين خارج المعسكرات وأن تعمل على توسعة المواعين الخدمية في مجالات الصحة والتعليم والمياه.
التحول من وافد الى لاجئ
وقال المفوض إن تحول اسم ملف الجنوبيين في الشمال الآن من وافدين الى لاجئين بسبب استمرار هجرتهم الى الشمال عقب إعلان المجاعة وفي ظل استمرار القتال هناك ، وأرجعت المفوضية أسباب فتح المسارات لنقل الإغاثة الى دولة الجنوب فيما أشار لاضطلاع الحكومة بدورها تجاه اللاجئين ، وأبان أن المسارات التي فتحتها الحكومة خففت الضغط على الولاية، وزاد :( هناك تأثير إيجابي ناتج عن فتح المسارات)، وقال إن الخرطوم أغلقت أبوابها لدخول الجنوبيين نسبة للضغط العالي والأعداد المهوله هناك.
ما بين الفرق الأوروبية واللاجئين
على أطراف معسكر العليقاب تمتد المساحات الفارغة على مد البصر وفي إحدى تلك المساحات صنع سكان المعسكر ميداناً لكرة القدم ، قوائم مرماه من الخشب ونظموا أنفسهم بحيث أصبح لهم اتحاد للكرة يدير شؤون اللعبة في المعسكر، لاحظنا خروج أعداد كبيرة من الشباب والنساء صوب ذاك الاتجاه الذي تجري فيه مباراة دورية حسبما علمنا بين فريقين من المعسكر، وبالقرب من الميدان وجدنا أعداد كبيرة من الرجال والنساء والأطفال وهم يشجعون بحماس فريقا المان وشيلسي اللذيْن كانا يتباريا في ذاك اليوم، سألت من كان يجاورني وهو متحمس للعبة عن سر هذا الحضور الكبير فقال لي إن هذين الفريقين متصدران لدوري المعسكر الذي يضم ثمانية فرق جميعها تحمل أسماء الأندية الأوروبية وكان فريق برشلونة هو بطل النسخة الماضية من هذا الدوري ، انتهت تلك المباراة بالتعادل السلبي ليعود جمهور الفريقين وهو راضٍ عن النتيجة في انتظار بقية مباريات الدوري التي تقتل الكثير من الفراغ والملل في المعسكر.
غياب المسؤولين من الجنوب
فيما قالت المفوضية حتى الآن لم تستقبل ولاية النيل الأبيض أي مسؤول رسمي من دولة جنوب السودان لتفقد اللاجئين، عدا سفير جوبا بالخرطوم الذي زار ولاية النيل الأبيض مرة واحدة ضمن منظومة لتدشين مكرمة رئيس الجمهورية لدولة الجنوب وطبقاً للاجئين تحدثوا لـ "الإنتباهة" فإن هناك زيارات متكررة من قبل حكومة الولاية لهم في المخيمات.
بيتر موبايلات .. العلامة الأبرز
على مقربة من محطة مياه الشرب التي تتوسط المعسكر كان الشاب بيتر يصنع لنفسه وسيلة للكسب داخل المعسكر اقتربت منه وسألته عن منبع فكرة إنشاء كشك مع الظروف التي يمر بها أهله، فقال لي بيتر إنه كان يعيش في الجبلين قبل نشوب الحرب وبعد أن اشتد القتال نجح والديه في الهروب من نيران ملكال التي أحرقت الجميع وعلم بوصولهما الى معسكر العليقاب فجاء ليعيش معهما في المعسكر ونقل مصدر دخله معه من الجبلين الى المعسكر ، بيتر بدا راضياً عن العيش في المعسكر ودخله من الكشك وقال لي إنه يدخل يومياً ما بين أربعين الى ستين جنيهاً من شحن بطارية الجوالات في المعسكر .
شماليون داخل المعسكر
أثناء تجوالنا في المعسكر لاحظنا وجود عدد من مواطني الشمال داخل المعسكر، فاقتربت من أحدهما وسألته عن سر تواجده في المعسكر فقال لي إنهم من سكان قرية العلقاية التي يسمون عليها المعسكر وإنهم يأتون باستمرار الى المعسكر لاختيار عمال يومية من داخل المعسكر وأضاف محمد أحمد أن جُل شباب المعسكر يعملون في موسم الزراعة لجني الحصاد ومن ثم أعمال اليومية في بقية الأيام. وأهل العلقاية أصبحوا من رواد دوري المعسكر ووجدنا عدداً كبيراً منهم يشجع تلك الفرق التي تلعب بحرارة وسط التشجيع المدوي.
لا توجد حالات إسهال مائي في المعسكر
فيما نفى د. ناويلا تول أدوك المدير الطبي لمستشفى معسكر العلقاية وجود أية حالات لإسهالات مائية إلا أنه أشار في إفادات له الى أن تردد المرضى على المستشفى يتراوح ما بين 100 الي 120 حالة معظمها إصابات بالملاريا والتهابات المسالك البولية وقال ناويلا إن هناك نقصاً في أدوية الملاريا ، وأضاف أن جمعية الهلال الأحمر السوداني ووزارة الصحة تقدمان لهم خدمات إسعافية وأدوية كبيرة ، لافتاً لوجود حالات ولادة يومياً بالمستشفى.
المطالبة بتوفير الألبان
فيما طالب السلطان بيتر كوي قرنق بتوفير ألبان للأطفال الصغار وتشييد المزيد من الفصول الدراسية نسبة لارتفاع عدد الأطفال سن التمدرس بالمعسكر وقال إنهم لايتوقعون توقف الحرب في دولة جنوب السودان قريباً ، وأبان أن الأطفال بالمعسكر يزيد عددهم عن الـ 4 آلاف طفل، لافتاً الى وجود إصابات وسط اللاجئين بالسحائي.