وقيع الله حمودة شطة

وقيع الله حمودة شطة

نعم للسلام فى دولة الجنوب ...لا للوحدة

مر الأسبوعان المنصرمان محملين بأحداث كثيرة متتالية عبرت عن جملة من المواقف والقضايا المتباينة المختلفة، من حيث أحداثها وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية التى ألقت بظلالها الكثيفة على مشهد الوضع الراهن السودانى المحلى والإقليمى والدولى، وكانت لها قراءات إيجابية فى مشهد التحليل والقراءة وخريطة المسار السياسى والاجتماعى العام، تناولت مشاهدها الصحافة والإعلام من منطلق زوايا عدة ومتباينة، لكن فى كل الأحوال هذه الأحداث أعادت للسودان صورة تأثيراته القوية فى محيطه المحلى والإقليمى، وتعدت إلى المحافل الدولية، وأكدت أن السودان هو اللاعب الأساسى رقم واحد فى المشهد الإقليمى، الأمر الذى يستدعى اغتنام الفرصة المهمة من قبل الصحافة والإعلام الوطنى، إظهار وجه السودان الحقيقى الذى ظل ضحية ﻵلة التآمر الإعلامى الدولى والإقليمى المنحازة ضد السودان بعيداً عن المهنية والحيادية النسبية.
ومن أهم هذه الإحداث الاختراق الكبير الذى أحدثته جهود القيادة السودانية فى ملف السلام فى دولة جنوب السودان التى ظلت مضطربة وعاجزة عن بناء مؤسسات الدولة، وتثبيت دعائم القانون منذ انفصالها عن السودان الشمالى فى 9 يوليو 2011م عبر استفتاء نزيه رعته وأشرفت عليه حكومة الخرطوم ﻷبناء جنوب السودان، حيث صوتوا بمحض إراداتهم وانفصلوا، وكان أمامهم خيار الوحدة الجذابة الذى نصت عليه اتفاقية السلام الشامل بين شمال السودان وجنوبه السابق، والتى عرفت اختصارا (بنيفاشا) ، وذلك تحت رعاية إقليمية ودولية، غير أن دولة جنوب السودان الجديدة الوليدة التى أخذت رقم (193) فى مجموعة دول الأمم المتحدة ولدت فاشلة وفاسدة ومنهارة، ولذلك سرعان ما دخلت فى حرب ونزاعات أهلية طاحنة بين أكبر فصيلين قبليين فى الجنوب هما الدينكا والنوير، بزعامة سلفا كير رئيس الدولة ونائبه الأول مشار، وكلاهما من مجموعة الحركة الشعبية لتحرير السودان التى تمردت منذ عام 1983م ضد شمال السودان بقيادة الدكتور جون قرنق الذى كان هدفه الاستراتيجى من تمرده هو وكما عبر هو بنفسه فى (منفستو) الحركة الشعبية التدمير الشامل والكامل للأنموذج الإسلامى والعربى الحاكم فى السودان وإبداله بالأنموذج العلمانى الأفريقانى عبر نظرية الإحلال والإبدال!! وهكذا عبر الدكتور جون قرنق بكل وضوح، وهذا هو مفهوم مشروع السودان الجديد الذى قاتلت من أجله الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان من الإسلام والعرب، ممثلة فى فصائل جنوب السودان، والملحقين بهم من مناطق أخرى، خاصة جنوب كردفان والنيل الأزرق وقلة من دارفور كداؤود بولاد من الفور، وعبد العزيز آدم الحلو من المساليت، الذين وصفهم سلفا كير فى أول خطاب له بعد هلاك قرنق وانفصال الجنوب بأنهم مجموعة النفير، يعنى ساعدوا الجنوبيين على نيل استقلالهم عبر هذا النفير، وكانوا يتوهمون بأنهم يناضلون، الأمر الذى سبب لهم صدمة نفسية قاتلة كانت هى أولى الأسباب التى ضربت مشروع السودان الجديد الذى قام على أسس غير إنسانية ولا أخلاقية، قائمة على الكراهية والعنصرية وإثارة النعرات الإثنية والجهوية، وممارسة الخداع والكذب على المواطنين، ولذلك سقط المشروع ونشأت فى نهايته دويلة إقليمية فاشلة وفاسدة مازالت تتقاتل عناصرها، وبذلك قدمت الحركة الشعبية أنموذجاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً فاشلاً اعترف المنصفون من داخلها بفشله، وذهب المكابرون يبحثون عن شماعات جديدة للفشل!! وليس هناك أدل من الفشل ونهاية المشروع الهلامى الدموى مما جرى من قتال وشقاق ونزاع داخلى أخرج على إثره الانتهازيان التاجران عرمان وعقار، وبقى الحلو بلا رؤية ولا أفق سياسى ينتظر مصيره الأسود، ولهذا فشل المشروع العنصرى الإقصائى الدموى طوال فترة الخروج على سلطان الدولة، وفشل بعد هلاك قرنق، وفشل فى عهد حكم سلفا كير الذى عانى من الصراع مع مجموعة أولاد قرنق ... باقان ...ألور ... إدوارد ... والمنشق السابق مشار وآخرين جمعتهم المصالح والمصائب، أما أبناء جبال النوبة فى المنطقة الغربية من جنوب كردفان وأبناء جنوب النيل الأزرق وقلة من دارفور، فقد عضوا فقط أصابع الندم، ﻷنهم اكتشفوا الوهمة الكبيرة ....اكتشفوا بعد ثلاثين سنة مما ظلوا يسمونه النضال، أنهم كانوا مجرد عمال فى نفير الجنوبيين مدوا يد العون وانتهى دورهم بانفصال الجنوب، لكنه كان نفيراً قاسياً عليهم من خالف قواعده عوقب بالجلد والسجن والسحل والقتل والنفي والإقامة الجبرية والإذلال، رغم أن النفير كان عن طواعية منهم!!
وبعد هذا كله عاد أصحاب الدولة المنفصلة الفاشلة مرة أخرى إلى السودان الذى غادروه باحثين عن مواطنة من الدرجة الأولى، فإذا هم فى وادى الأوهام والصراخ والعويل والدماء والدموع والجوع والمرض وقتل الأحياء بالنار شوياً ... وقد اختصرت الحكاية امرأة جنوبية فى معسكر النيل الأبيض، حين سئلت لماذا عادت إلى السودان ... مصير مواطنة من الدرجة الثانية؟ فقالت (المرا لو طلقوا يا هو بجى ﻷهلو ) ... دولة الحركة الشعبية الدموية فى الجنوب قتلت الرجال وطلقت النساء، ولعل معسكرات اللجوء فى الليرى والنيل الأبيض خير دليل ولا أحد يكابر. ما يعظم دور السودان أنه سعى لإيقاف الإبادة الجماعية فى جنوب السودان، وإنهاء حرب الحركة الشعبية الأهلية، من أجل الإنسان والسلام والأمان، فعلى المجتمع الدولى أن يعيد قراءة مواقف ودور السودان بمعايير العدالة والإنصاف، ونأمل فى وزارة خارجيتنا أن تستثمر هذه الفرصة التاريخية ﻹيقاف آلة التآمر الدولى الذى تقوده أمريكا ضد السودان بلا مبررات موضوعية وأخلاقية، وعلى الدولة أن تدرك بعقلية واعية أنه لا عودة لمشروع الوحدة الفاشل مرة أخرى مع الجنوبيين، وقد تعالت أصوات من الجنوبيين أنفسهم هنا وهناك فى الخارج يحنون فيها إلى أيام الوحدة، ومستعدون لأن يقبلوا بمواطنة من الدرجة العاشرة لو خيروا ... ولكن هيهات ... هيهات... بعد فوات الأوان ... فهذه المرة لو قررت الدولة فى مصير الوحدة، سيكون الاستفتاء فقط لمواطنى السودان حول القبول بالوحدة مع الجنوبيين أو الرفض، كما كان الاستفتاء للجنوبيين فقط فى يوليو 2011 حول الانفصال أو الوحدة، واختاروا بمحض إرداتهم الخيار الأول ... ولذلك حال ومقال الرأي العام فى السودان الآن يقول: نعم للسلام والاستقرار فى دولة جنوب السودان، ولكن لا طريق إلى الوحدة مرة أخرى بين السودان وجنوب السودان، ويكفي أن السودان هو الدولة الوحيدة القادرة على تحقيق السلام فى الجنوب وليس أمريكا، ولا دول الترويكا مجتمعة، ولا (إيقاد) ولا الأوروبيين.. ولا جن أحمر من جزر الواق واق.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

395 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search