وقيع الله حمودة شطة

وقيع الله حمودة شطة

مشروع فضل الظهر في معية شاب طيِّب الخصال

مما يبقي الأمل معقوداً واليقين ثابتاً، أن قيمنا ومثلنا الإسلامية تحمل صفة الخلود والشهود، مهما جارت علينا الأيام، وتقلبت علينا الأقدار المؤلمة، وكثرت الابتلاءات، فهذه الأمة العظيمة الجميل فيها أنها تملك رصيداً وافراً من القيم والموجهات العامة التى تضعها فى قمة الهرم الحضارى والإنسانى، إذا أحسنت توظيف مقوماتها وأدواتها فى الدين والحياة ... والذى يميز الأمة الإسلامية منهجها الربانى المسدد والمؤيد والمحروس بقيم ومثل الوحى الإلهى (القرآن والنبوة) ... ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)، والشهادة الحضارية للأمة أو الشعب تعني امتلاكه أدوات التغيير والقوة والهيمنة الاقتصادية والحضارية والثقافية فى إطارها القيمى والمنهجى السوى، بعيداً عن الطيش والتخبط والعور الفكرى والتخطيطى.
من صفات أمتنا التاريخية، أنها تمر وتتعرض للبلايا والمهالك والأزمات، ولكنها تخرج منها أكثر قوة ومراساً وتجربة تمضى بها نحو المعالى والصعود الحضارى الذى لا شك ستبلغه أمتنا مهما تألمت من جراحها ومعاناتها، ومن علوقها مرارات الصبر على النكبات والانحدارات العديدة على سلم الصعود الحضارى والريادة، فمن بين الأشواك والآلام تخرج الورود، ومن عمق رحم الألم والكرب تتفتح أزهار الحياة وينسرب نسيم الحياة العليل، فلتبق الثقة فى الله قوية، والبشرى فى الإيمان، ذلك المارد الكائن فى نفوسنا، وهو الذى لا يهزم أبداً... 
منذ ما يقارب خمسة عشر قرناً من الزمان دعانا وحى النبوة ــ نحن معشر المسلمين ــ إلى إقامة مشروع فضل الظهر، وهو مشروع يجسد وحدة الأمة، ويقوى عرى وصلها واتصالها، ويعزز فرص القوة الكثيرة فيها، ويجعلها كالجسد الواحد تتداعى كلها عند المحن والمصائب على صعيد واحد، وهى يد واحدة على من سواها ... قال رسولنا الطاهر الأكرم ــ صلى الله عليه وسلم ــ ( من كان له فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له )، هكذا الإسلام يدعونا ويعلمنا معانى التراحم والتعاون القيمى والمادى معاً فى أعلى مجاليها، ويوظفها كشاهد من شواهد الشهود الحضارى للأمة الإسلامية، حيث أن هذه القيمة خالدة باقية فى توجهات الأمة السلوكية والاجتماعية كدستور دائم لا يطوله الانتقال والتغيير، حتى نهاية مطاف الحياة الإنسانية، وهنا يكمن سر قوتنا وهيمنتنا الحضارية على الأمم والشعوب والمجتمعات.
الذى دعانى إلى كتابة الأسطر أعلاه مشهد جميل وموقف نبيل، لشاب مسلم سودانى من معدن أصيل ومنبت خصيب، ومحضن تربوى كريم، يحتفل بدعوة نبيه رسول الإسلام الخاتم محمد بن عبد الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ بأجمل صور الاحتفال والاقتداء والتمسك ... كثيرون هم أولئك الذين يمثلون قمة المفخرة هذه الأيام النحسات من أزمة المواصلات فى الخرطوم وغيرها لدواعى تداعيات الأزمة الاقتصادية، يقفون يحملون الناس من الطرقات والمواقف المختلفة ــ شكر الله لهم هذا الصنيع الجميل، وغفر الله لهم ولوالديهم وعامة المسلمين، وهم يجسدون قيمة عظيمة من قيم التربية الإسلامية التى حث عليها ديننا الحنيف، دين الوسطية والرحمة والمعاملة والتكافل، يجسدون قيمة فضل الظهر على من لا ظهر له فى خضم الزحمة والمعاناة وساعات الانتظار الطويل .... لكن تبقى قصة الشاب الثلاثينى فى هذا المشهد هى أروع وأجمل معانى الوفاء لهذا الدين العظيم ... كيف ذلك؟ بينما كنا ــ نحن مجموعة كبيرة وقوفاً لساعات طويلة ننتظر فى صف المواصلات فى محطة شمال مسجد الخرطوم الكبير بعضنا يقف من بعد صلاة العصر حتى غربت علينا الشمس !! وأقبل علينا الليل بهمومه الأخريات ...انصرفنا إلى المسجد، فصلينا المغرب ثم عدنا، وربما دعا بعضنا فى سجوده لتفريج كربة الانتظار ... وعندما عدنا إلى حيث كنا ... فجأة وقفت أمامنا سيارة صالون جديدة بيضاء، مكتوب فى أمامها على لوحة زرقاء بخط عريض أصفر مشروع فضل الظهر، تفضل اركب معنا إلى المحطة الوسطى بحرى، ثم أنزل سائقها الزجاج وأنحنى نحونا بأدب ووقار فريد ... يقول تفضلوا إخوانى ... كنت ربما أول من رأيته وقرأت لوحته، ورأيت إنحناءته المتأدبة جداً، فبادرت بالركوب، ولحق بى ثلاثة آخرون ... استوينا جميعاً داخل السيارة ... تحركت السيارة، السيارة جميلة المنظر، جديدة المقاعد، فخيمة المفارش، مكيفة معطرة ... السائق شاب ثلاثينى مهذب يعلوه الوقار، يرتدى جلابية وطاقية بيضاوين، يقود السيارة بأدب رفيع، يراعى موجهات القانون على الطريق، وإذاعة طيبة من راديو سيارته تبث خطبة وعظية قوية بلغة مؤثرة وآسرة لفضيلة الشيخ عبد الحى يوسف حفظه الله .... رن جرس هاتف الشاب ولما كنت قريباً منه فى الأمام سمعت صوتاً خافتاً لطفل رد عليه الشاب بقوله: (حبيبى لما نقف نرجع لك)، ومن سياق حديثه علمت أنه ابنه الصغير يشكو له من أخيه الآخر الذى أظن أخذ منه شيئاً ما كحال أطفالنا.
تفكرت فى أمر الشاب أدبه وحسن دعوته لنا بالركوب، لوحته المكتوبة بخط اليد ...مشروع فضل الظهر، تفضل اركب معنا إلى المحطة الوسطى بحرى، شريطه الوعظى الجميل، اختياره الوقت لمساعدة الناس بلا مقابل، أيقنت أنه لا داعى لهذا التصرف إلا داعى الإيمان حين يتمكن من القلب يفيض إحساناً وإشفاقاً وإنسانية لا تماثل ... وصلت بنا السيارة بهدوء الى بحرى عبر جسر المك نمر، دعانى فضولى الصحفى الى أن أنظر خلف اللوحة على عجالة، ﻷنه انتابنى إحساس أن المحطة الوسطى ليست محطته الأخيرة، فماذا وراء اللوحة من ووجهها الآخر ؟ ....فإذا هى مكتوب عليها مشروع فضل الظهر ... تفضل اركب معنا إلى ........... اللهم تقبل منه، وجدت نفسى عندها ومن أعماقى أقول لذلك الشاب ....الله أسأله أن يغفر لك ولوالديك، ويفرج عنك كرب الدنيا والآخرة، فأجابنى آمين آمين أخى ... ودعا له مثلى الآخرون الذين كانوا معنا .... وانطلق الشاب بسيارته نحو آخرين مثلنا فى الانتظار، وهذه المرة نحو (......) اللهم ثبته على الحق واهدِ إلى طريقه شباب الإسلام ليشيدوا مجد أمتهم.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

808 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search