وقيع الله حمودة شطة

وقيع الله حمودة شطة

قانون الصحافة.. الجدال مستمر

تاريخ الصحافة السودانية يتمتع بعمر طويل مديد يتجاوز قرن من الزمان، مما يؤكد أن الصحافة فى السودان لها تجربة عريقة متراكمة على مستوى الوطن العربى والإسلامى والإفريقى، وظلت كذلك منارة ملهمة ومحركة لكثير من دعوات التحرر والانعتاق الفكرى والسياسى والثقافى والاجتماعى، وكانت ومازالت أداة فاعلة ومؤثرة في مجريات الأحداث ومسيرة البناء الحضارى والقيمى والتنوير، وقيادة توجهات الإصلاح المؤسسى والإدارى، ودعم توجهات تعزيز الحريات العامة، وحرية التعبير وحقوق الإنسان، والحكم الراشد، والشورى والديموقراطية، ومكافحة الفساد، وتعزيز معايير الشفافية وغيرها، وتلك من وظائف الصحافة الأساسية التى ينبغى أن تضطلع بها كل صحافة وطنية مستقلة تنشد الإصلاح والنهضة المستمرة.
ومن مزايا الدول الناهضة والمستقرة، توفير الحرية الكافية للصحافة الوطنية، لكشف مواطن الخلل والقصور والأخطاء فى المجتمع، وأداء الدولة العام، وفى مقابل ذلك يلتزم الصحافيون الوطنيون الحقيقيون بمبدأ الصدق والنزاهة والولاء الوطنى والمسؤولية الأخلاقية والمهنية فى التناول والنقد والنقاش فى جميع أشكال وقوالب العمل الصحفى والتحريرى، ومن هنا نلاحظ وجود علاقة قوية ووطيدة بين الصحافة والمجتمع والدولة على حد سواء، قائمة على التعاون والتكامل والمناصحة والنقد البناء وفقاً لمبادئ وقيم الأمانة والمسؤولية الفردية والعامة، وإن ظلت هذه العلاقة بين الشد والجذب ــ وهى سمة قديمة ــ فإن الأصل فيها ليس العداوة والمنافرة والكراهية، وتربص كل منهما بالآخر، كما يتوهم ويخطئ كثير من الصحافيين والسياسيين والإداريين فى هذا النحو على حد سواء، وهو الذى ظل يدمغ العلاقة بين الصحافة والسياسة بالعداء والتوتر، ومثل هذا التوجه يهدم جسور التواصل بينهما فى مسار الالتقاء حول القيم العامة والمبادئ الوطنية والإنسانية.
ويدور هذه الأيام فى أوساط الدولة والرأى العام جدال وجدل كثيف حول تعديلات قانون الصحافة والمطبوعات ألقى بظلال سالبة على طبيعة العلاقة بين الدولة والصحافة، حيث يتهم بعض أهل الصحافة الدولة بالسعى المستمر نحو تضييق الحريات الصحفية والإصرار على وضع قيود وشروط وتدخلات من شأنها ان تخنق حرية أداء الصحافة والإعلام، وفى المقابل تتهم الدولة بعض الصحافيين بالهروب من مفهوم الحرية المسؤولة، والانطلاق من أجندة خارجية والتجاوز فى النقد والتناول، ويذهب مراقبون الى أن النية المستمرة من الدولة حول إجراء تعديلات فى قانون الصحافة والمطبوعات بصورة  مستمرة بلغت عدة مرات،  تشير إلى نية الدولة المبيتة نحو السيطرة على أداء الصحافة وتوجهاتها، وهذه فرضية لو ثبتت تجرد الصحافة من أهم وظائفها، وهى الاستقلالية والحياد والحرية فى الحصول على المعلومات وتحليلها ونقدها، ولذلك يتحفظون على كثرة التعديلات فى القانون، وأن أمر التغيير لا ينسجم مع دعوة الحوار والوفاق الوطنى ومؤتمر قضايا الإعلام والحريات العامة.
وقانون الصحافة فى السودان ورث قانون الصحافة أيام الاحتلال الإنجليزى الذى سن أول قانون للصحافة ولائحة داخلية مفسرة له سنة 1930م فى عهد الحاكم العام الإنجليزى (السير جون مفي) كما أشرت إلى ذلك من قبل فى سلسلة مقالاتى  الستة التى كتبتها فى (الإنتباهة) تحت عنوان (قيود الصحافة وصحيفة الضياء) حول قصة صدور أول صحيفة وطنية التى كان بطلها الصحافى السودانى الأستاذ عبد الرحمن أحمد محمد، وقد تحدثت بتفاصيل كثيرة حول قصة عبد الرحمن أحمد محمد مع الإدارة الإنجليزية حول طلبه إلى السكرتير الإدارى بصدور صحيفة (الضياء) التى صدرت سنة 1934 باسم (صحيفة السودان) بعد جدل قانونى، وتلك الحادثة هى التى مهدت الطريق لصدور قانون 1930م الذى عدل فى عهد الاحتلال فى الأعوام 1945، و1947، و1948 كآخر تعديل فى تلك الحقبة، ولذلك العلة ليست فى كثرة التعديل، حيث يرى بعضهم أن مجرد التعديل يخرج قانوناً أسوأ من الذى كان قبله، لكن أعتقد ان العلة الحقيقية هى عدم قدرة الدولة ومجلس الصحافة والمطبوعات واتحاد الصحافيين على إخراج قانون يرضى طموحات وتطلعات الجميع !!، فهذه هى الحقيقية الغائبة التى ينبغى أن تخرج للواقع، وهى ليست بمكان  المعجزة أو المعضلة، فالسودان له تجربة رائدة وعميقة فى الفقه الدستورى والقانون، فلماذا هذه المساجلات والاتهامات الطويلة؟
وثمة مسألة أخرى أثارت الجدال فى القانون، هى مسألة الإجازة والإحالة التى مارسها مجلس الوزراء القومى بقيادة الفريق بكرى رئيس مجلس الوزراء القومى، وفى تقديرى المشكلة فيها هى الإحالة بعد الإجازة، أي إحالة القانون إلى لجنة مختصة لمزيد من الدراسة قبل ذهابه إلى المجلس الوطنى ولجنة الإعلام بالمجلس، وكان من الأفضل أن يحال القانون إلى لجنة مختصة من مجلس الصحافة واتحاد الصحافيين ونقابة المحامين، وقانونيين آخرين للتنقية والدراسة وإبداء الملاحظات، ثم بعد ذلك يأتى إلى مجلس الوزراء ومنه إلى المجلس الوطنى، يعنى كان الأفضل والأسلم أن تكون الإحالة من قبل مجلس الوزراء إلى لجنة مختصة قبل الإجازة منه، ولكن جاءت الإحالة فى القانون بعد الإجازة، فهل يعود مرة أخرى إلى مجلس الوزراء ليجاز مرة أخرى قبل ذهابه إلى الهيئة التشريعية؟ أم يخرج مباشرة من لجنة الإحالة إلى المجلس الوطنى؟ وإذا لجنة الإحالة أحدثت بعض التعديلات والصياغات، فمن أين تستمد هذه التعديلات شرعيتها من اللجنة أم مجلس الوزراء القومى؟
وأعتقد ان بضع وريقات من القانون وعدداً قليلاً من المواد لا تستحق هذا الجدال والجدل الطويل عبر الصحافة ومواقع التواصل والشارع العام ومؤسسات الدولة والمؤسسات الإعلامية، كما أن عملية الدمج ينبغى أن يسبقها تنوير شافٍ للقطاع الإعلامى الخاص، سواء أكان فى شكل شركات أو أفراد، أما موضوع القيد الصحفى فنأمل فى مجلس الصحافة والمطبوعات واتحاد الصحافيين أن يدركا أن مهامهما أكبر من ذلك، وأنا أعلم أنهما يدركان ذلك، كما أن مسائل سحب الرخصة والمنع من الكتابة تحتاج لإعادة النظر من أجل استقرار وطن جريح يعانى من أزمات كثيرة، ليس من سبيل إلى الخروج منها إلا بوفاق وحوار وطنى  شامل ينطلق من حوار الصحافة والدولة أولاً قبل المؤسسات الأخرى، وذلك ﻷثر الصحافة والسياسة الكبير في الحياة العامة.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

449 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search