محمد عبدالماجد

حتى لا تكون محاكمة البشير لاستدرار العطف

(1)
ظهور البشير وجلوسه داخل (قفص الاتهام) في جلسات محاكمته ، من دون شك تقدم شيئاً من العدالة ، وتبعث بعض الطمأنينة في النفوس ، ليس تشفيّاً فيه وانما احقاقاً للحق وانتصاراً للعدالة.
إظهار تلك المحاكمات وتقديم تلك الصور ليشهد ذلك طائفة من الناس ، ينصر العدالة الاجتماعية ، ويعيد الثقة في القانون وفي الدولة، في الوقت الذي تقدم فيه تلك الصور الدروس والعبر الكل من يجلس في كراسي السلطة ،وتثبت له ان الظلم والفساد ، ينتهي به المطاف الى ما انتهى اليه زين العابدين بن علي ومبارك والقذافي والبشير اخيراً.
محاكمة البشير الآن ومحاسبة كل الفاسدين في نظامه السابق ، ليست هي محاكمة لفترة الانقاذ فقط ، وانما هي محاكمة للسلطة الحالية وكل السلطات القادمة.
لو ان ثورة اكتوبر 1964 وثورة ابريل 1985 حاكمت تواليّاً عبود والنميري لما فعل (البشير) كل ذلك الذي فعله في الشعب السوداني.
لهذا نريد محاكمة حقيقية وناجزة ، يحاسب فيها البشير ويعاقب على الجرائم التي ارتكبها بدلاً من الاكتفاء بصوره وهو داخل قفص الاتهام.
(2)
نشرت صحيفة (الفاينانشال تايمز) البريطانية مقالاً صحفياً لتوم روبينسون قال فيه: إن الرئيس البشير، الذي استطاع أن يتجنب الوقوف أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية عام 2010 بحق أبناء دارفور، ها هو اليوم يقف أمام محكمة في إحدى دول شرق أفريقيا (السودان)، التي حكمها لقرابة ثلاثة عقود.
نعم علينا ان نفخر بعض الشيء بسودانيتنا ، وبهذا الشعب العظيم فما فشلت فيه المحكمة الجنائية الدولية نجح فيه الشعب السوداني.. وان كانت جرائم البشير الموجهة له من قبل المحكمة الجنائية الدولية تتمثل في اتهامه بارتكاب جرائم ابادة جماعية ، والآن البشير يحاسب فقط على 113 مليون دولار تم ضبطها في منزله بعد سقوط نظامه.
يجب ان يرتفع سقف الحساب وان يعلو عرض الاتهام الموجه للبشير ليحاسب على فساد (30) عاماً بدلاً من محاسبته على الاسبوع الاخير في فترة حكمه.
كذلك فان محاسبة البشير لوحده هي اختزال للنظام ، الذي يجب ان يحاسب معظم الذين شاركوا فيه ، فقد كانوا شركاء في الفساد والظلم ، والساكت عن الحق شيطان اخرس ،فكيف هو حال من كان مشاركاً في نظام الانقاذ بكل فساده وظلمه؟.
(3)
كل الذي نخشاه الآن ان تكون محاكمة البشير ما هي إلّا استدرار لعطف الشعب السوداني واستجداء لوجدانه والبشير يظهر بتلك الصورة وهو بالزي القومي في قفص الاتهام ملوحاً بيديه وموزعاً لابتساماته في وجود عدد محدود خارج المحكمة او داخل قاعتها من انصاره واهله واقاربه وهم يهتفون باسمه. الخوف من استجداء العطف بعد كل الذي فعله البشير بالشعب السوداني خاصة ان هذا الشعب العظيم عرف عنه التسامح والصفح، والقدرة على التسامي فوق الجراحات، وقد نسى الشعب السوداني كل ما اقترفه جعفر محمد النميري فيه ، وعاد واستقبله في المطار بهتاف (عائد ..عائد يا نميري) بعد ان كانوا يهتفون ضده (رأس نميري مطلب شعب).
يجب ان نعلم ان لقارون انصار ولفرعون كان انصار حتى بعد ان هلك.. ولمبارك والقذافي وبن علي الآن انصار وشيعة.
لهذا فان الهتاف للبشير الآن او حمل صوره لا يعني براءته او حب الناس له.
نحن نصنع من (الجناة) احياناً (ضحايا) .. واحياناً نصنع منهم (ابطالاً).
96 محامياً يدافعون عن البشير ، في ظل احداث بورتسودان وسيول الجيلي وود رملي التي يسأل عنها النظام السابق الذي خلف لنا دولة يمكن ان تهدها (مطرة).
صفوف البنزين والرغيف والوقود هي امتداد للازمات التي خلفها البشير ونظامه، مع ذلك هناك من يهتف باسمه ، ويستدر عطف الشعب السوداني وهو يرى من حكمه (30) عاماً داخل القفص ، وقد كان البشير حتى قبل سقوط نظامه بساعات قليلة يلوح بعصاه ويعرض بها ويأمر بالعمل بفتوى ضعيفة تجيز له قتل ثلث الشعب او نصفه.
لا نريد غير (العدالة) ، والمحاكمة الناجعة ، بعيداً عن الانتقام والتشفي والتجاوز.
العدالة هي طريقنا الى الحكومة الرشيدة ، والدولة المحترمة.
لا تنتظروا التقدم والنمو والتطور بعيداً عن محاسبة رموز النظام السابق ومحاكمتهم محاكمة حقيقية وعادلة.
محاسبة رموز النظام السابق سوف تسد الباب امام فساد رموز الفترة الانتقالية.
(4)
بِغم /
(براغماتية) عبدالـله حمدوك سوف تكون في اختبار حقيقي في الجيلي وفي بورتسودان وفي اختبار بيّن وهو يختار اسماء مجلس الوزراء القادم.
غير مقبول ان يكون حمدوك (براغماتي) في المؤتمر الصحفي و(براعوامي) في (الجيلي) و (ود رملي)!!.
ادركوا بورتسودان بشيء من (البراغماتية).. يا سيادة رئيس الوزراء.