عصام الحسين

مفهوم الدَّهرانيَّة ونقدها في الفِكر الطاهائي

خلُصنا في المقالة الفائتة إلى القول بأن أشدّ انتزاع لقطاعات الحياة من الدين خطراً عند الدكتور طه عبد الرحمن هي الدَّهرانيَّة التي تفصل الأخلاق عن الدين ، إذ أن هذا الفصل يَنزَع عن الأخلاق لباسها الروحي ويكسوها لباساً زمنياً، وبذلك يُقدم هذا النزع تصوراً بائسا لرؤية العالم، يؤدي إلى ضياع الإنسان والزج به في آفات تحرمه آدميته .
إستكمالاً لإبطال دعوى فصل الأخلاق عن الدين التي يقول بها الدهرانيون الذين سلموا بالفصل بين الأخلاق والدين ولمعالجة آفات هذا فصل ، يخوض الدكتور طه عبد الرجمن في نقاشٍ نقدي مع صيغٍ أربعة لنماذج دَّهرانيَّة لمُفكرين غربيين ما يميزهم أنهم غير مُعادين للدين رغم إنكارهم للآمرية الإلهية، وتتمثل هذه الصيغ في : (الصيغة الطبيعية ويمثلها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، الصيغة النقدية للحكيم الألماني إيمانويل كانط، الصيغة الاجتماعية لعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم والصيغة الناسوتية للفيلسوف الفرنسي المُعاصر لوك فيري) إذ أن اختيار طه لهذه الصيغ الأربع  لم يأتِ اعتباطاً، إنما هو اختيار جد واع من الرجل. فهو اتجه بالضبط إلى هؤلاء لأنهم عينات واضحة، تجسد النظرة الدنيانية للعالم حيث تأليه الإنسان لنفسه ومركزته المُطلقة لذاته.
يفتتح الدكتور طه نقاشه مع صاحب الصيغة الطبيعية جان جاك روسو، حيث يرى أن روسو رد الآمرية للإنسان وحده، ولم يكتف بمجرد القول بمنطق الأمر الآدمي بل جعله من نفسه ممثلاً في (الضمير) حيث أسند إليه الصفات التي تُسند أصلاً للإله من (عِصمة وخلود وتأله وكمال وحُكم على الأفعال) ، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يقع روسو في التعبُّد لذاته متوهِّماً أنه يتعبدُ لربه .
أما الصيغة النقدية لإيمانويل كانط ـ الذي يرى الدكتور طه أن أحداً لم يبلغ مبلغه في تعاطي تأسيس الأخلاق على العقل وحده ـ فقد جعلت الأمر الآدمي مكان الأمر الإلهي، إذ لم يقل بمطلق الأمر الآدمي فحسب بل جعله من نفسه متمثلاً في (الإرادة) ، ولا عجب كما يقول طه أن يُضفي كانط على (الإرادة) ما يشبه ما أضفاه روسو على (الضمير) من صفات الكمال التي لا يُستحق أن يوصف بها غير الإله .
جعل صاحب الصيغة الاجتماعية إميل دوركايم ـ كما يقول طه ـ المجتمع في مرتبة (الإله) الذي يُسيِّر الأفراد ويفرض عليهم الأوامر فينصاعوا وهم خانعون، فقد وجد دور كهايم ضالته في المجتمع باعتباره كياناً مستقلاً عن أفراده وبهذا يكون قد استبدل الآمرية الإلهية آمرية آدمية، ناسباً إلى المجتمع كل صفات الجلال والجمال التي يختص بها الإله.
وما بقي لنا إلا المثال الأخير الذي قرَّر طه عبد الرحمن مناقشته، إنه الفيلسوف الفرنسي المُعاصِر لوك فيري، الذي يسمي صيغته في الدهرانية بالناسوتية عوضاً عن الترجمة الشائعة وهي النزعة الإنسانية، فقد وضع فيري مصطلحاً مركباً وهو الإنسان الإله ليدل به على الآمر الآدمي، ويستبدله مكان الآمر الإلهي، جاعلاً منه شاهداً على التخلق الدهري الذي يحققه البشر.
يبدو جلياً إذن أن اختيار طه عبد الرحمن لهذا الرباعي من المفكرين الغربيين، يخدم مشروعه النقدي بشكلٍ جيد. فهم يشتركون في الخلفية الذهنية الموجهة للرؤية الحداثية، التي عرفت طغياناً لنزعة إنسانية مُفرِطة إلى حد إبعاد الله عن مشهد الوجود. وبعد أن يرُد إنكار هذه الصيغ الأربعة للآمرية الإلهية إلى الجهل بالقدر الإلهي (وما قدروا الله حق قدره) لجهة أنها تنبني على تصوُّرات عن علاقة الإله بالإنسان تنمُّ عن بؤس فكري شديد.. يجتهد لوضع أنموذج بديل يجتنب الشبهات والأخطاء التي وقع فيها الأنموذج الدهراني اصطلح عليه اسم الأنموذج الائتماني الذي يتأسس على مبادئ محورية في الثقافة الإسلامية كما يقترح مسلمات ينبغي العودة إليها، ولعل أبرزها هي مسلمة الآمرية الإلهية: التي تعني عنده باختصار، أن ما أمر به الله فهو خير وعدل، سواء فهم المؤمن عِلل ومقاصد ذلك أم لا. وفي الوقت نفسه، ما نهى الله عنه فهو شر وظلم، سواء فهم المؤمن علل ومقاصد ذلك أم لم يفهم .
ونواصل .

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

975 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search