عصام الحسين

سؤال التجديِّد .. لماذا التراث بالتحديِّد

مازالت الأسئلة الرافضة لتسيُّد (التقليِّد) وجمود (التجديِّد) مُلحة ومُتدفِقة .. فهل ما زلنا ـ وفقاً للدكتور حسن حنفي ـ نتنفس الغزالي ونعيش مع ابن تيمية ؟! وهل إلى ركود واجترار خُلقنا كما يتساءل آخرون ؟ ومتى نُحطِّم مقولة الأول لم يترك للآخر شيئاً فأضحت هذه المقولة قيداً على تفكيرنا ؟ وكيف يُعاد النظر في المُسلمات الفِكرية والعقدية التي ينطلق منها الخطاب المُقدس للتراث الإسلامي ؟ كل ما يُمكن قوله إن الذين وقفوا خلف هذه الأسئلة إنما طلبوا إحلال (التجديِّد) محل (التقليِّد) والحركة محل السكون .. وتأتي الدعوة للتجديِّد ـ كما يتصورها شيخ المجددين الدكتور حسن عبد الله الترابي ـ لتجديد الدين الذي هو تأويل الإنسان ، لا الدين الذي هو تنزيل الرحمن .
من هُنا تبدو العودة لقراءة التراث ضرورة مُلحَّة لبحث جذور الأزمة ، وليس لمُجرد إعادة التأويل مع أهمية دراسة الماضي من واقع هموم الحاضر الراهنة كما يقول بذلك الدكتور نصر حامد أبو زيد.. ودفاعاً عن (التجديِّد) يؤكد الدكتور نصر في كتابه (التجديد والتحريم والتأويل، بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير) أن الإسلام تجربة تاريخية علينا الاستفادة منها لأنها تعلمنا أن التمسُّك به كدين دون العمل على تجديده من شأنه أن يؤدي إلى الاختزال المسؤول عن الاستفحال السرطاني لسلطة الخطاب الديني الذي يسجن الفرد باسم دين الحُرية في سلاسل من القهر والامتثال والإذعان، تحت زعم طاعة الله الذي يمثله خليفة أو سلطان أو أمير أو جماعة تحتكر الإسلام ومغفرة الرحمن .
 في ذات الإطار أعاد الدكتور طه عبد الرحمن قراءته للتراث الإسلامي قراءة تقييمية وتقويمية وتجلى ذلك في كتابه (تجديد المنهج في تقويم التراث) إذ خلُص إلى أن القراءة الحالية للتراث اختزالية وتفاضلية، بينما نحتاج لقراءة (تكامُلِية) بحيث لا يقرأ التراث بعضه بعضاً، إنما يجب أن يُكتشَف المنظور الذي أُنتِج من خلاله، مؤكداً ضرورة عدم التركيز على المضمون والتركيز بدلاً عن ذلك على المنهج الذي أنتج التراث.. لأن بعض المضامين التي أنتجها التراث مُرتبِطة بزمانها ومكانها وبسقف المعرفة.. لكن لما نكتشف المنهج والأدوات التي أُنتِج بها التراث نستطيع تفعيل كثير من هذه الأدوات لإنتاج معرفة لا تكون بالضرورة معرفة ماضوية.
 الدكتور الترابي من الذين دعوا إلى مُراجعات عميقة ودقيقة في الفقه الإسلامي الدارج بين الناس بقصد تجديده وتفعيل أثره في الحياة.. قال بذلك الدكتور أمين حسن عمر في مقالة له بعنوان (مفهوم تجديد الفقه وأصوله لدى د. الترابي) وأضاف الدكتور أمين أن هذه الدعوة أثارت جدلاً كثيفاً مرده سوء الفهم لمعنى الدعوة ومغزاها، إذ انطلقت من الحاجة لإحياء أثر الفقه في حياة المسلمين المُعاصرة، وإعادة صياغة الخطاب الفقهي ليأخذ بالاعتبار كل مشغولات السياق الاجتماعي والحضاري المُعاصر .. بمعنى أن يُخاطَب الناس بمفردات الأشياء والأحداث التي يعهدونها فيعرفون مغزاها .
هناك مُفكرون كثر ـ منهم على سبيل المثال الشيخ الدكتور حسن الترابي رحمه الله، المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد رحمه الله، المفكر المصري نصر حامد أبوزيد رحمه الله، المفكر المصري الدكتور محمد سليم العوا، المفكر المصري الدكتور حسن حنفي، المفكر المغربي الدكتور طه عبدالرحمن، المفكر المغربي محمد عابد الجابري رحمه الله، المفكر الجزائري محمد أركون رحمه الله، المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي، المفكر السوري جورج طرابيشي رحمه الله، المفكر السوري الدكتور محمد شحرور ـ كل هؤلاء قبِلوا الدين ووعوا رسالته في بناء الحياة الروحية وتطهير الأخلاق، لذلك كانوا أكثر وعياً بضرورة عبور أُسس ومناهج التفكير والأدوات الموروثة المُنتِجة للتفكير الديني في الإسلام والتي يكرِّر العقل الإسلامي فيها ذاته باستمرار، فعملوا على حماية الناس من الاغتراب الكوني والقلق الوجودي والعبثية واللا معنى والتطرُّف، من خلال اكتشاف مواطن القصور وتلافي العجز عن متطلبات روح وقلب وعقل وجسد المسلم المعاصر، والتعرف على آفاق جديدة تستبصر مديات المستقبل بإعادة بناء تفكير ديني يتخطى الاتباع والتقليد الأعمى ويقتحم المناطق (اللا مُفكر فيها) .
 ربما نتفق أو لا نتفق في كلُّ ما يقوله هؤلاء المفكرون، لكن .. يبقى كلامهم جدير بالنظر والمراجعة، فهم لا ينشدون هدم التراث ونفي أثر الدين في الحياة من واقع ما تكشفه مُخرجاتهم، إنما يرومون ـ بمُحاججتهم لقدماء المتكلمين ـ هدم المُسلمات الموروثة الراسخة والمرتكزات القديمة لقراءة النص الديني دون التوكؤ على أصول ناسبت عصوراً ماضية وقد لا تناسب عصوراً تالية.. وفي هذا الصدد نواصل إن أجرى الله القلم على الوجه الذي نرغب.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search