عبدالمحمود الكرنكي

جوعاً يجنن

قال المرغومابي لناقته (ويبقن ساكوبيس أيَامِك ) . أي بيضاء سعيدة .السّاكوبيس نوع من القماش خفيف . قال الهنباتي (يوماً لابس ساكوبيس متقيِّف) .من التياب السودانية (توب السُّرَّتي) وهناك (توب الساكوبيس).  وقد كتب عبقري الكوميديا شارلي شابلن مذكراته التي حملت عنوان (مذكرات مليونير متشرد ). حيث تحدًّث عن أمِّه التي بعد أيَّامها السّاكوبيس (البيضاء السعيدة ) والنجومية والشهرة والثراء، ضربها الفقر المذلّ على أمِّ رأسها وأذاقها الجوع المستدام حتى أصيبت باختلال عقلي . وفي آخر ثوانٍ من الوعي قبل غربتها العقلية وغيابها الذهني الكامل ، قالت أمّ شابلن تخاطب ولدها (لو في ذلك اليوم وجدت قطعة خبز آكلها مع كوب شاي «أحمر») . تعني أنها في ذلك اليوم الذي شهد شعورها ببدايات اختلالها الذهني، لو وجدت قطعة خبز حافية تأكلها مع كوب شاي لما انهارت صحتها «العقلية» ، وحدث ما حدث . مي زيادة في (العصفورية ) في (لحظات باقية) من (عودة الوعي) و (السَّرحان) ، ربما قالت كلمات في هذا المعنى . الجوع المتمادي يفعل الأفاعيل . إذا كان الليل الطويل يصفه المرهفون بـ( طويل طولاً يجنن) . كذلك الجوع الطويل المستدام أجدر بذلك الوصف (جوعاً يجنن) وقد نشرت الصحف الصادرة في الخرطوم بتاريخ الخميس 19/يوليو 2018م بيان وزارة الصحة الاتحاديَّة بأن ثلث أطفال السّودان يعانون من سوء التغذية . هذا (جوعاً يجنِّن) . تسرّب آلاف الأطفال من المدارس بسبب الجوع ، بسبب افتقاد وجبة الإفطار افتقاداً سرمديَّاً . هذا (جوعاً يجنِّن.)   لقد جاع الأطفال (جوعاً يجنِّن) فهربوا من مقاعد الدراسة إلى المجهول . هربوا ولا عزاء . فلا أحد يستقبل الجائعين الهاربين العراة بـ(تي شيرت) مكتوب عليه ما قال المرغومابي (ويبقن ساكوبيس أيَّامك) . أيضاً رغم أن (الجوع كافر ) ومن (قتل كافراً دخل الجنة ) ، لا يوجد خطباء في المنابر  يقرعون أجراس الإنذار . هؤلاء لا يزالون يتمرّغون ويتمعُّكون في تراب الماضي ولم يفرغوا  بعد  للتعاطف مع  الجوعى ، من كلّ حافٍ نصف عارٍ ، ما زال هؤلاء (يتدردقون) على (ذخائرهم ) الاستعراضية من علمٍ لا ينفع .
وقد كشفت يوم الأربعاء 25/7/2018م جولة صحيفة (الجريدة) بمدينة (الصفوة ) في السكن الشعبي بمحلية أم درمان ، بكاء تلاميذ الصف الأول من الجوع، في مدرسة الصفوة بنين (مرحلة الأساس) . قهرهم الجوع (جوعاً يجنّن) . هؤلاء الصغار يبحثون عن (قشاش الدموع ) الذي (يسند) الجوع . ضمن منظومة من مئات المدارس السودانية هناك (650) تلميذاً بمدارس (الصفوة ) بأم درمان لا يحصلون على إفطار . وفي مدرسة الصفوة بنات (مرحلة الأساس) توجد (400) تلميذة لا يتناولن وجبة الإفطار يومياً بسبب الفقر .في مدرسة الصفوة بنين التلاميذ الذين لا يحصلون على إفطار (250) تلميذاً .هؤلاء هم تلاميذ الصفوف الصغيرة الذين يذهبون إلى معلميهم يشكون الجوع . تلاميذ الصفوف الكبيرة يتعففون ومجموعة كبيرة منهم ليس لديهم (حق الفطور) . من يكتب نهاية الجوع في المدارس ، لتبقى أيّام هؤلاء التلاميذ سعيدة . لا أحد اليوم في ولاية الخرطوم كمثل هؤلاء الصغار الباكين يذرفون الدموع من الجوع . لا أحد كمثل تلاميذ الصفوف الأولى بمدرسة الصفوة الذين يعانون (جوعاً يجنّن ) لا قمراً ظهر في سماهو  لا نجمات يضوِّن . 
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search