عبدالمحمود الكرنكي

الدعاء في مقبرة الأحزاب

اشتهرت محاورات (أفلاطون) كما اشتهرت محاورات (ألفرد نورث هوايتهد) وهي عبارة عن مذكِّرات الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطانيّ. وربما تشتهر في المستقبل محاورات (غنم إبليس). حيث شهدت السّاحة السياسية السودانية حوارات غير متناهية مع عدد لا يحصى من (الأحزاب ) السودانية. تلك هي حوارات المؤتمر الوطني التي أجراها مع ما تسمَّى (الأحزاب) السودانية. وما هي بـ (أحزاب) ولا تلك بـ (محاورات). الأحزاب السياسية السودانية الحقيقيَّة ماتت وعظامها النًّخِرة صارت هباءً منثوراً، وتطايرت إلى شظايا وذرًّات، وما تزال .
 أصبح المشهد السياسي اليوم حالة فريدة في تاريخ السياسة السودانية، حيث كلّ حزب انشطر إلى جزءين.
وكلّ جزء يتململ من ذرَّاته.
وكلّ ذرّة غير سعيدة بِجُزَيْئاتها.
تلك هي (القنبلة الذريَّة الحزبيَّة)!! كانت (الأحزاب) السودانية مطلع الاستقلال في عدد أصابع اليد، أو تقل. ثم تكاثرت لتصبح (38) حزباً. ثمّ صارت (78) حزباً. ثمّ ضربها (ڤيروس) الانقسام حتى أصبحت من الذين انحصدوا في ساحة المجد فزدنا عدداً !. ومازالت متوالية الانقسامات الحزبيَّة (الأميبية) نشطة، حتى أصبحت الأحزاب السودانية كتلة من الذرَّات السابحة في فضاء السياسة، لا فرق بينها وبين (غنم إبليس) وهي تسبح في خيط الضوء.
حزب الأمة بِجُزَيْئاته العَشر والحزب الاتحادي بِجُزَيْئاته الثماني والحزب الشيوعي بمومياءاته المتحرِّكة التي تمشي على أربع والشعبيّ الذي يمشي على بطنه، كلها تفترسها الانقسامات،. وعلى نهجها سارت الأحزاب الدينية أو الجماعات الدينية، حتى (أهل الله) انقسموا وهم في عذاب الخلاف مشتركون، حيث لحقوا بالرَّكب واقتحموا النار فصاروا في يد الشعب مشاعل! حيث جاءت تصريحات أحدهم من الذين احتقروا الموت فعاشوا أبداً بأن اللقاء مع إخوتهم (السابقين) سيكون (أمام المولى عزّ وجل يوم الموقف العظيم). لكن يوم الموقف العظيم، سيتلاقى الجميع بلا استثناء حفاة عراة، سيتلاقى الجميع في الموقف العظيم، سياسيين وغير سياسيين. سيتلاقى الصادق وأحمد الصادق ومنصور خالد وخالد الصحافة، ومحمود شريف وشريف الفحيل والميرغني وميرغني النجار والشفيع خضر وصديق يوسف في عزفه الكئيب المنفرد. 
تطايرت (الأحزاب) السودانية، السياسية والدينية، إلى شظايا ثمًّ إلى ذرَّات.. تطايرت في الفضاء الوطني، لا فرق بينها وبين (غنم إبليس). التحاور السياسي مع تلك الذرَّات عملية مستحيلة. كيف تتحاور مع تلك (السنابل)، وفي كلّ (سنبلة) مائة حبَّة، والله يضاعف لمن يشاء!! كيف تتحاور مع تلك الأصفار السابحة في الهواء تلك الذرَّات السَّابحة في العدم. إذ داخل كل حزب منشطر غِيرة سياسية بين هذه الشخصية وتلك، وهذا الجناح وذاك. الجميع فاشلون في تحقيق الوحدة الحزبية. من عجز في تحقيق الوحدة الحزبية، كيف يحقق الوحدة الوطنية. الجميع في تلك (الأحزاب) الذريَّة من ذرَّات، يشتركون في شعور يزيد ولا ينقص بـ (الأهمية). من البديهيات السياسية أن تتمخض (المحاورات) مع تلك الأحزاب عن حكومة (وفاق وطني) وهمية قصيرة القامة جداً ليست بقامة السودان. وهي جزء لا يتجزأ من انتكاسة السودان .
كلهم زعماء ولا رعايا.
كلهم زعماء قبائل ولا قبائل. 
الجميع يشتركون في إرث من الخصام مع بعضهم البعض، وفي خلاف مماثل مع كلّ الآخرين في كلّ الاتجاهات السياسية الأخرى. شعارهم شعار (جان بول سارتر) (الجحيم هو الآخرون). أولئك الفاشلون الخاسرون مَن أشرف على (تدريبهم ) في إتقان ذلك الشقاق والنزاع، كل ذلك الإتقان.! تلك الأحزاب شركات سياسية مفلسة، بحاجة إلى مصفِّى أحزاب سياسية. بحاجة إلى طبيب سياسي شجاع يستخرج لها شهادة الوفاة، ثم يرفع يديه بالدعاء وينادي في الظلمات يا من لا يزول ملكه ارحم مَن زال ملكه  .
> نواصل

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

1020 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search