عبدالمحمود الكرنكي

الخداع العظيم 2

وفقاً لـ (مارك كيرتس)، في كتابه (الخداع العظيم: القوّة البريطانية ــ الأمريكية والنظام العالمي)، نجد أن السياسة الخارجية البريطانية قد أُسست على هدفين. يختصّ الهدف الثاني بإبقاء الدّول ذات الأهمية الاقتصادية، تحت سيطرة غريبة متفوِّقة.
وذلك يعني عمليّاً سيطرة أمريكية ــ بريطانية.
الدّول ذات الأهمية الاقتصادية، هي عبارة عن منظومة الدّول النامية، وقد دفعت تلك الدّول ثمناً باهظاً بسبب المحاولات الأمريكية ــ البريطانية، لوضعها تحت السيطرة.
وأدّت تلك المحاولات إلى ارتكاب سلسلة طويلة من الانتهاكات، غير الإنسانية وغير الأخلاقية وغير القانونية، قامت بها تدخلات الاتحاد الأنجلو ــ أمريكيّ السّاعي للهيمنة. وفي ذلك السِّياق تم إسقاط الرئيس الزعيم أحمد بن بيللا في الجزائر عام 1966م، بمباركة أمريكيَّة، بهدف قصقصة أجنحة الرئيس الزعيم جمال عبد الناصر، وذلك بحسب إفادة الزعيم بن بيللا.
 وكان اعتقال نيلسون مانديلا، كذلك خلال رئاسة جون كنيدي، بمساعدة (سي. أي. إيه) وسجنه لأكثر من ربع قرن قد تمّ باعتباره شيوعياً. وكانت ذرائع التدخّل الأمريكي ــ البريطاني في الشؤون الداخلية لتلك البلاد، دائماً هي مواجهة الخطر السوڤييتي.
ولكن (مارك كيرتس) كشف في كتابه أن استخدامات ذلك الحظر السوڤييتي، كانت ذرائع مزيَّفة. حيث أبان استناداً إلى وثائق الحكومتين الأمريكية والبريطانية السرّية، والتي أُفرج عنها أخيراً، وكذلك السِّجلات التاريخيَّة المختلفة، أنّها كلَّها تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكيَّة في واقع الأمر، اعتبرت القوى الوطنية المحليَّة في تلك الدول الخطر الرئيسي والذي سيحُول دون سيطرتها، وحليفتها بريطانيا، على المصادر والثروات الاقتصادية، ولذلك كان لا بد من إخضاع تلك القوى المحليَّة لضمان تبعيَّتها السياسيَّة.
أما المشكلة التي واجهت التحالف الثنائي الأمريكي ــ البريطاني، في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة فهي سقوط تلك الذريعة القويَّة بسقوط الاتحاد السوڤييتي حيث كانت ذريعة الخطر الشيوعي، هي التي سيقت كمبرِّر في كلِّ التدخُّلات.
لكن عقب انتهاء الحرب الباردة، سرعان ما ابتكرت الولايات المتحدة الأمريكية ذرائع جديدة، تتستَّر خلفها للحفاظ على النظام العالمي لحماية مصالحها.
قائمة تلك الذرائع الجديدة المزيَّفة تتضمَّن الأصوليَّة الإسلاميَّة والإرهاب ومكافحة المخدِّرات، وإنتاج السِّلاح الكيميائي وتجارة الرّقيق واضطهاد المسيحيين، وغيرها.
تحت مظلّة تلك الذرائع الجديدة، نشطت التدخُّلات الأمريكيَّة ضدّ الأنظمة الوطنيَّة في إيران ونيكاراغو وكوبا وسوريا والسودان والعراق سابقاً، وليبيا سابقاً وأفغانستان سابقاً، سواءً كانت ذات أيديولوجيات يساريَّة أم يمينيَّة، فهذا غير مهم، المهم أنَّها أنظمة وطنيَّة ذات نزعة استقلاليَّة قويَّة.
انتهت التدخُّلات السياسيَّة الأمريكيَّة ــ البريطانيَّة في أفغانستان والعراق، بقيام التحالف الثنائي الأنجلو ــ أمريكي بالاحتلال العسكريّ للبلدين. وكان من أولى نتائج احتلال العراق أن غيَّرت ليبيا (القذافي) سياستها، بما يؤمِّنها ضد الاحتلال العسكري الأمريكي ـ البريطاني.
وقد تعرَّض السُّودان خلال التسعينيات، ولم يزل، إلى أعاصير جهنمية من الذرائع الجديدة، كما سماها (كيرتس)، لتبرير التدخُّل الأمريكي ــ البريطاني في شؤونه، عبر إشعال الحرب الأهليَّة في الجنوب، وتفجير حدوده الشرقيَّة، وإشعال نار جنوب النيل الأزرق، وإشعال نار جبال النوبة، وإشعال حريق دارفور، وإشعال الحرب الباردة والدعاية العدائية الكثيفة ضد السودان. كما ظلَّ التحالف الأمريكي ــ البريطاني يسعى لخلق تحالف جنوبي ــ دارفوري لخلخلة توازن  الحكم في السودان، وإقامة (السودان الجديد) العلماني، عبر التطهير العرقي وأنهار الدماء ودفع كلّ ما هو إسلامي وعربيّ الثقافة إلى التهميش وخانة (البدون)، ليصبح (غجر إفريقيا السمراء) ضائعين منسيين فقراء في السهول الجافة والوديان والصحاري السودانية. 
بدرجات متفاوتة من النجاح والتصميم ظلَّ السُّودان يستبسل في ميدان القتال العسكري ويقاوم في الميدان الديبلوماسي. ظلَّ يحمل بندقيَّة بيد، ويسد باليد الأخرى أبواب الذرائع  الأمريكية ــ البريطانية الجديدة، للتدخُّل في شؤونه.
ذرائع الإرهاب وتجارة الرقيق واضطهاد المسيحيين والأصوليَّة وغيرها.. ذرائع (كان وإخواتها).
التجربة السودانيَّة تفيد بأن منذ الفصل الأخير من حكم الرئيس جعفر نميري وحتى اليوم، ظلّ السُّودان في معركة متصلة ضد الذرائع الأمريكيَّة ــ البريطانيَّة، القديمة والجديدة، للتدخُّل في الشأن السُّوداني.
ما يجب أن يفهمه السياسيون في السُّودان أن التحالف الأمريكي ــ البريطاني يستهدف السُّودان لذاته، كدولة نامية ذات أهميَّة اقتصاديَّة، يجب أن توضع بصورة دائمة تحت سيطرة غربيَّة متفوِّقة، بغضِّ النظر عمَّن يتسنَّم نظام الحكم في السُّودان، سواء المشير نميري أو المشير سوار الذهب أو السيد الصادق المهدي أو المشير عمر البشير، مهما كان وتحت أي ظرف يجب على المعارضين السياسيين ألاّ يُستدرجوا إلى التحالف مع الأجنبي ضدّ الحكم الوطني في الخرطوم... يجب ألا يُستدرجوا لخدمة أجندة التحالف الثنائي الأنجلو ــ أمريكي!
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search