عبدالمحمود الكرنكي

التلاعب بالعدالة الدولية

أحال مجلس الأمن ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في30/ مارس2005 م. وتمّ ذلك في جلسة مفتوحة عقدها المجلس في العاشرة والنصف مساءً. وصوّتت لصالح قرار الإحالة إحدى عشرة دولة بريطانيا، فرنسا، روسيا، الدنمارك، رومانيا، اليونان، اليابان، الفيلبين، الأرجنتين، تنزانيا وبنين. وامتنعت أربع دول عن التصويت هي أمريكا، الصيّن، الجزائر والبرازيل. لماذا تنقلب اليوم وزارة الخارجية الأمريكية على ما حدث في اجتماع مجلس الأمن بتاريخ 30/ مارس/2005م؟ حيث شرحت أمريكا في ذلك الاجتماع أسباب عدم تصويتها لصالح القرار. فقال المندوب الأمريكي إن أمريكا مازالت ترى أن (ميثاق المحكمة الجنائية الدولية يمسّ جوهر سيادة الدول). ووفقاً لذلك الموقف كان يُفترض أن يكون الموقف الأمريكي هو الاعتراض على قرار الإحالة. خاصة أن موقف واشنطون الرسمي المعلن، يرى أن الآلية الأفضل في مسألة دارفور هي تشكيل محكمة خاصة مختلطة في إفريقيا، وذلك بدلاً من المحكمة الجنائية. وأيضاً تعتبر أمريكا مساهماً رئيساً في كل بعثات السلام التي تنشئها الأمم المتحدة. وهي ــ أى أمريكا ــ ترى من غير المقبول إجراء أي تحقيق أو ملاحقة لمواطن دولة تنهض بمسؤوليات بعثة سلام دوليَّة. وهذا ينطبق على السودان الذي أشاد بتعاونه مرات عديدة الأمين العام للأمم المتحدة، كما أن السودان دولة ليست طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية.
في جلسة مجلس الأمن مساء 30/ مارس 2005م أكدت أمريكا أنها تعترض على المحكمة الجنائية الدولية. وأعلنت أن نظام روما الأساسي لا يمثل إطاراً مقبولاً لمساءلة المتهمين، إذا كانت الدولة غير طرف في الميثاق.
لكن الموقف الأمريكي الرسميّ المسجِّل في مجلس الأمن والمناهض للمحكمة الجنائية الدولية، يختلف كليَّاً عن سياسة البيت الأبيض الذي يستخدم (الجنائية) التي يعارضها، كآلية لإزاحة نظام الحكم في السودان. كما اعترف المبعوث الأمريكي الخاص للسودان السيد/ ناتسيوس بأن(الجنائية) سياسية وليست (انونية). وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن مذكرة (الجنائية) ضد رمز السيادة الوطنية السودانية، قبل يومين من إعلانها بواسطة المحكمة الجنائية. وذلك أسقط عن أمريكا كلّ احترام ومصداقية. وهي تنشر بصورة متعمدة دعاوى (الجنائية) المزيّفة ضد السودان وزعامته الوطنيَّة.
وبنفس سياسة البيت الأبيض ومنطق السياسة الأمريكية الراهنة ضد السودان، كانت صحيفة نيويورك تايمز قد كتبت قبل (134) عاماً في افتتاحيتها في يناير1884م: (من المعلوم أن المهدي كان من أكبر تجار الرقيق. ولحماية مصالحه الخاصة فقد شقّ عصا الطاعة بغرض إحباط محاولات الجنرال غردون لإبطال تجارة الرقيق)!. ثمَّ تستطرد الافتتاحية: (لقد أصبح الأمر في السودان في أيدي عصابات تجار الرقيق المسلّحة)!. كانت تلك هي كذبة (تاجر الرقيق) ضد رئيس السودان وزعيم السودان الإمام المهديّ. حيث استخدمت في إطار اجتياح السودان عسكريَّاً بغزو خارجيّ. واعترف الرئيس بوش بكذبة (أسلحة الدمار الشامل) قبل أن يغادر البيت الابيض. لكنه غادره ولم يعترف بكذبة (الجنائية) ضد السودان. هل تظلّ كذبة (الجنائية) مثل كذبة (تاجر الرقيق)...  كذبة غامضة لا يعترف بها أحد.

تواصل معنا

Who's Online

877 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search