عبدالرحمن الزومة

هذه ليست أزمة.. إنها كارثة

إن أبسط تعريف لكلمة (أزمة) هو أنها, أي الأزمة أمر عابر وينتهي في يوم, يومين, ثلاثة, أسبوع! لذلك فانه يمكننا وحتى ننتهي من (تعريف) ما يحدث أمامنا اليوم من (أزمات), أن نتفق على أن ما يجري الآن ليس أزمة بل هو (كارثة) حقيقية تستدعي التعامل معها على هذا الأساس, نقول هذا ونحن نستدعي (بديهة) من البديهيات وهي ان عملية (التشخيص) الصحيحة لأي مرض هي امر ضروري لكتابة (وصفة العلاج). و نقول هذا ونحن نستدعي أيضاً بديهة أخرى وهي أن التعامل مع الأزمة يختلف عن التعامل مع الكارثة, تماماً مثل الفرق في التعامل الصحي مثلاً مع حالة مرضية واحدة والتعامل مع (وباء) متفشي! هنالك تعريف آخر لكلمة ازمة وهو (الوحدانية) بمعنى أنه لا مجال لوجود اكثر من (أزمة واحدة). بمعنى آخر فان الناس يقبلون ويتحملون ازمة واحدة: أزمة مواصلات مثلاً, أكثر من ذلك يخرج من مفهوم الأزمة الى الكارثة. هذا أمر مهم و ذلك حتى لا نرجع لنتحدث عن أزمة الخبز وصفوفه وازمة المواصلات و تدافعها وأزمة المحروقات وصفوفها وازمة الغاز بل وقد دخل قاموسنا الاجتماعي و المصرفي مصطلح جديد هو (صفوف البنوك) والذي هو عنوان لواحد من أروع و آخر (الاختراعات) وهو المسمى (تجفيف السيولة), ذلك الاختراع الذي اخترعه احد (العباقرة) والعجيب أننا لا نعرف حتى الآن اسم هذا (العبقري) ونحن نطالبه بأن (يظهر ويبان) ويعلن عن اسمه حتى نقدم له (جائزة) على اختراعه المدهش الذي نجح فقط في (شفط) وتجفيف السيولة, لكنه جفف معها (حلوق الخلق) و جيوبهم! لكن الأهم من ذلك كله هو ضرورة معرفة اسم هذا (العبقري) حتى نحرر له صك (براءة الاختراع) باسمه حتى نحفظ له حقوقه في قانون (الملكية الفكرية)! شهد سكان العاصمة ابان ايام العيد (كارثة) غير مسبوقة في مسألة انعدام الخبز وأصاب الناس الهلع فمن وجد فرصة للوصول الى (الفران) يشتري كمية من الخبز تزيد عن حاجته من سلعة لا تقبل (التخزين)! ان بعض ربات البيوت لجأن الى حيلة تخزين الخبز في (الديب فريزر) ثم تسخينه في فرن (المايكرويف), لكن كم من بيت به ديب فريزر و مايكرويف؟! من القصص الطريفة ما يحكي ان امرأة طلبت من الخباز ان يعطيها خبزاً بـ (خمسة وعشرين) فما كان من صاحبتها الا ان قالت لها مستنكرة ومعنفة: ليه تشتري بخمسة وعشرين؟ اشتري بخمسين, بيتكم هين؟!  لكن بربكم لماذا كل هذا؟ لماذا تكون أصلاً أزمة في الخبز؟ بل لماذا تكون هناك أزمة في أي شيء؟! أين الخلل الذي يجعل هذه الظواهر تعود من جديد وبقوة و ببشاعة و ذلك بعد ان نسيها الناس؟! ان أخطر ما في هذا الوضع هو عدم قدرة السلطات أولاً على (التنبؤ) بحدوث تلك الأزمات المتلاحقة والتي يأخذ بعضها برقاب بعض وكذلك عدم القدرة على التعامل معها عند حدوثها. لنأخذ مثلاً قضية انعدام الخبز. أعلنت السلطات أكثر من مرة ان الخرطوم أخذت حصتها من الدقيق كاملة. حسناً هذا لا يحمل سوى معنى واحد وهو أن المشكلة قد حلت. لكن الذي حدث ويحدث هو ان ازمة الخبز قد تضاعفت و وصلت حداً خطيراً. أصبحت ظاهرة الصفوف الطويلة من المواطنين امام المخابز من المظاهر التي لونت أيام العيد بلون قاتم. الكثير من المخابز اقفلت ابوابها! بدأ الناس يتناولون القصص و النوادر عن ذلك الشاب الذي قابل (فتاة أحلامه) في صف الخبز و (حصل المرام) وتم الفرح! نشرت الصحف خبراً عن تعرض مواطن للطعن بالسكين في صف الخبز. وكل ذلك سواء النوادر المضحكة او قصة الطعن, كل ذلك من شأنه ان يسحب من (رصيد) النظام. هذا الرصيد الذي بناه النظام على مدى ثلاثين عاماً, وهي ليست ثلاثين عاماً عادية. انها عمر طويل قدم فيه البعض أرواحهم فداءً لهذا المشروع. هذا النظام جاء من أجل الانقاذ. هذا النظام جاء من اجل الاصلاح الاقتصادي ومن اجل جلب الرفاهية لهذا الشعب الصابر والذي وقف مع النظام في (وقت الشدة)! لقد مر على شعب السودان زمان لم تكن توجد في البلد (حبة سكر) واحدة. الشعب الذي عرف بحبه للشاي استقبل الأمر بشجاعة وشرب الناس (البنجقلي) وهو لمصلحة الأجيال الجديدة يعني الشاي بدون سكر! نام الناس في صفوف البنزين حتى الصباح ليحصل الواحد على (جالون بنزين) يكفي فقط لايصال السائق الى بيته! حدث ذلك عندما رأى الناس حكامهم يعيشون معهم (المر) ويتقدمون الصفوف. وقام النظام بمجهودات ضخمة قضت على كل ذلك. فما الذي حدث؟ ما هي أسباب هذه (الانتكاسة) الخطيرة؟ أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة. انني أؤمن بنظرية واحدة وهي ان هنالك خللاً ما في مكان ما وان ذلك الخلل يجب أن يزال وبسرعة حتى تعود ثقة الناس في نظام الانقاذ.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

909 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search