عبدالرحمن الزومة

كتاب جدير بالقراءة: الشايقية وموقفهم من المهدية

هذا كتاب جدير ليس بالقراءة فحسب, بل جدير بأن تسلط عليه الأضواء بكثافة وذلك لعدة أسباب من أهمها أنه دراسة علمية نالت به مؤلفته الدكتورة فاطمة أحمد علي عمر درجة الدكتوراه, ثانيا لأنه يتناول فترة هامة وخطيرة ومفصلية من تاريخ السودان الحديث ألا وهي فترة الثورة المهدية, ثالثا لأنه يتحدث عن علاقة واحدة من أهم القبائل السودانية (وهي الشايقية) بتلك الثورة, لكن الأهم انه يحرر (صك براءة) لتلك القبيلة من تهمة ظل العديد من الناس يلصقونها بها من أنها وقفت ضد الثورة المهدية. ليس هذا فحسب بل انني أعتقد أن ما يلصق بالشايقية هذه الأيام من تهم هو جزء من (عقابيل) تلك التهمة التاريخية. يقع الكتاب فى (270) صفحة وقد قامت بنشره دار (واحة الكتب للنشر والتوزيع) بالقاهرة. الكتاب يحتوى على حواش وصور تاريخية نادرة. لكن وبالرغم من أن عنوان الكتاب يوحي بأنه فقط عن علاقة الشايقية بالثورة المهدية الا أن الكتاب يعتبر (وثيقة) هامة عن قبيلة الشايقية من حيث الأصل والتاريخ والموروث الثقافي والاجتماعي, مع التركيز على الدور البارز الذي لعبته القبيلة في تاريخ السودان الحديث. ينقسم الكتاب الى خمسة فصول الأول يتعرض الى طبيعة منطقة الشايقية من حيث الجغرافيا . أما الفصل الثاني فيفصل البيئة الاجتماعية للقبيلة. القسم الثالث يتناول علاقة القبيلة بالثورة المهدية منذ (اندلاع) الأحداث والإرهاصات الأولى للثورة أى ابتداء من العام 1881, أما الفصلان الرابع والخامس فيركزان على العلاقة بين القبيلة وحكم الخليفة عبد الله التعايشي. يؤكد الكتاب بصفة مطلقة أن قبيلة الشايقية قد أيدت الثورة المهدية تأييدا مطلقا وصادقا ونشطا وذلك لسببين رئيسيين الأول انهم اعتبروها ثورة (وطنية ودينية). السبب الثاني هو علاقة (الرحم) التي كانت تربط الامام المهدي بالقبيلة. الكتاب لا يفصل علاقة (الرحم) هذه غير أنه يحتوى على صورة للامام المهدي وهو (مشلخ شايقي)*! ومن الغريب أن هذه (الفرضية) أي علاقة الرحم التى تربط الامام المهدى بالشايقية ظلت أمراً يغطيه نوع من (التكتم) المقصود. لكن بعض الباحثين يؤكدون حقيقة صورة الامام المهدي (الشايقية) ويؤكد العديدون منهم أن هذه الصورة موجودة في وثائق وزارة الخارجية البريطانية في المتحف البريطانى بلندن, ليس هذا فحسب بل يقال إن هنالك أقوالاً أن السيد الصادق المهدي قد اعترف أن للامام المهدي (جذوراً شايقية). غير أن المؤكد أن الشايقية قد أيدوا ثورة الامام المهدي تأييدا واضحا لا لبس فيه ولا غموض, ومن المؤكد أن العلاقة الطيبة بين الثورة المهدية والشايقية ظلت هكذا طيلة حياة الامام المهدى (القصيرة). لكن هذه العلاقة اعتراها تغيير كبير بعد أن تولى الحكم الخليفة عبد الله التعايشي. الكتاب لا يفصل كيف حدث ذلك التغيير فى علاقة الشايقية مع حكم الخليفة ومن الذي بدأ بالعداء. لكن بعض الدلائل ترجح أن الخليفة عبد الله هو الذي بدأ بالعداء و ذلك لعدة أسباب وشواهد. أرسل الخليفة عبد الله صنفا من (عماله) يتسمون بالجهل والغباء والجلافة حيث عاملوا الناس بمنتهى القسوة والجبروت. ولقد تعامل الشايقية مع أولئك العمال بشيء من الحكمة وهذا يؤكد أن الشايقية لم يكونوا هم البادئين بالعداء مع الخليفة عبد الله. يحكى أن أحد عمال الخليفة فى قرية (مقاشي) ويدعى (خميس) صلى بالناس المغرب (أربعة ركعات) فلما سلم سأل الناس عن صلاته فقال له (جدي لأمي)الحاج حامد محمد أحمد: يا سيدي صلاتك من سماحتها انك (زدتها لينا) هي تلاتة انت سويتها لينا أربعة! الشاهد الثاني الذي يرجح أن الخليفة عبد الله هو الذي بدأ بالعداء هو أن الرجل لم يترك قبيلة ولا مجموعة عرقية أو عشائرية الا ولحقها منه الأذى والعداء. لم يسلم من ذلك حتى الأشراف من أهل الامام المهدي وأعمامه, وما حدث للشيخ (حمد النيل) من الخليفة عبد الله تحفظه الذاكرة, بل ان الخليفة عبد الله قد قتل العديد من قادة المهدية العظام الذين وطنوا لسلطان الدولة و ثبتوا أركانها وما فعله الخليفة بأحد قادة المهدية العظام, لعله القائد الزاكي طمل تؤكده ما أرسله (قنصل) بريطانيا لحكومته. قال القنصل فى رسالة محفوظة فى وثائق وزارة الخاررجية البريطانية ونشرتها صحيفة سودانية قبل سنوات ان الخليفة أمر بهذا القائد أن (يطوب) ثم أرسل جنوده ليجمعوا له (العقارب) والتي تم وضعها للرجل في (سرواله)! قال القنصل ان الرجل ظل (يئن) لمدة ثلاثة ليال وفي الليلة الرابعة سكت صوته. فى ضوء هذا السلوك من الخليفة عبد الله فان الشايقية ليسوا فى حاجة الى كبير عناء ليثبتوا أن الخليفة عبد الله هو من بدأهم بالعداء. وهنالك نقطة هامة وهى أنه لا أحد يستطيع أن (يزايد) على القبيلة فى (وطنيتها) و في أنها وقفت ضد الثورة المهدية فمن المؤكد أن الشايقية وبالرغم مما لحقهم من أذى الخليفة فانهم لم يرفعوا السلاح في وجه الدولة بالرغم من أنهم رفعوا السلاح في وجه الغزو التركى فى (معركة كورتي) الشهيرة فى العام 1821. أما حكاية أن الشايقية قد صفقوا لـ (سفن كتشنر) فكل أهل السودان فعلوا ذلك, (بكل أسف), لكن الذى يريد أن يحاكم أولئك (المصفقين) عليه أولاً أن يحاكم من جعل الناس يصفقون لعدوهم!
 
(*)حاشية: أما عن الصورة المتداولة للامام المهدي فيقال انها (مزورة)! والتزوير سيكون مؤكدا إذا ثبت أن صورة المتحف البريطاني حقيقية.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

655 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search