عبدالرحمن الزومة

كارثة البحيرة وحديث قديم وجديد عن الخيار المحلي

عيد الأضحى عندنا هذ العام جاء بمذاق (مر), جاء بطعم العلقم. مر علينا عيد الفداء تحت ظلال من الألم والحزن الذي بدأت نذره على سطح بحيرة (سد مروي) ولكن سرعان ما تمددت سحابته السوداء الداكنة فغطت كل سماء الوطن بغلالة من الحزن الدفين. النيل الذي وُلد أولئك (الأطفال) الرائعين على ضفتيه و أكلوا من ما يجود به جوفه من طعام وشربوا من مائه الزلال حتى كان (لحم أكتافهم من خيره), غدر بهم النيل وابتلعهم في ذلك الصباح الحزين. أكثر من عشرين من (فلذات أكبادنا) غيبهم النيل في لحظة من لحظات (عربدته) المجنونة. هؤلاء الأطفال ولدوا وترعرعوا حول النيل وحول بحيرته التي نشأت نتيجة لواحد من أضخم المشروعات التنموية في بلادنا في العصر الحديث. لعبوا على شاطئيه وحلموا بأن يكبروا هنالك ويكونوا يوماً ما من شبابه ثم من كهوله ثم من شيوخه, لكن القدر له قول آخر. هؤلاء الأطفال كان من الممكن أن يذهب أهلوهم الى واحدة من (الخيارات) الأخرى التي صممت لسكان المناطق التي تأثرت بقيام السد, لكن أهليهم اختاروا (الخيار المحلي) لأن مصير هؤلاء الأطفال رسم هنا بالتحديد. كانت الفاجعة كبيرة وقاسية حركت كل مفاصل المجتمع وحركت مؤسسة الرئاسة فخف السيد رئيس الجمهورية و وفده معزين ومواسين. جاء الرئيس ليرفع من (الروح المعنوية) للأهالي المكلومين فاذا بهم (يرفعون) من روحه المعنوية بصبرهم وجلدهم واحتسابهم وقبولهم بقضاء الله و قدره. لم يجد الرئيس نساء مولولات نائحات صائحات ضاربات للخدود وشاقات للجيوب. وجد الرئيس في استقباله (أمهات) صابرات. أمهات الشهداء استقبلن الرئيس وكأنه جاء مباركاً (عرس) الأبناء والبنات الذين رحلوا. لقد كان المشهد بالفعل أقرب الى (عرس الشهداء). و شعب تكون نساؤه على هذه الشاكلة من الصبر والرضا بالقضاء و القدر, فمن باب أولى أن يكون رجاله كذلك, وقد كان. استقبل الرئيس رجال اقوياء أشداء لم تهدهم الفاجعة وليس هذا بغريب على أهلنا (المناصير) فهم أهل صبر وايمان و شدة وجلد. لكل ذلك فقد كانت زيارة الرئيس وكأنها مراجعة لموقف الدولة بخصوص (الخيار المحلي) حيث اكتسب هذا الخيار دعماً قوياً و زخماً جديداً من رئاسة الجمهورية ومن كل مؤسسات الدولة. كل ذلك بفضل تلك الأرواح الطاهرة البريئة التي صعدت الى بارئها في ذلك الصباح الأليم. بالنسبة لي فهذه مناسبة لكي أعيد نشر رأي لي نشرته قبل سنوات حول (الخيار المحلي). كان ذلك ابان الاضطرابات التي قامت عند ترحيل أهلنا المناصير من القرى التي تأثرت بقيام السد وما صحب ذلك من جدل حول حجم (التعويضات) التي أعطيت للمتأثرين بقيام السد.  قلت حينها وأقول الآن ان الذين اختاروا الخيار المحلي هم (أناس شجعان) يستحقون المناصرة والتشجيع. ذلك لأنهم قد ضربوا المثل الأعلى في (حب الديار) وفي الوفاء لـ (عظام الأسلاف).  أذكر أنني كتبت مقالاً قلت فيه ان الواحد من هؤلاء لو طلب في (نخلته) خمسمائة جنيه فالواجب أن يعطى (مليون جنيه)! و ليس أن ينازع في الأمر ويقال له نعطيك (ثلاثمائة) فقط! أذكر أني قلت حينها ان بعض أشجار النخيل التي زرعها جدي (أحمد ود الننقة) رحمة الله عليه قد كبرت وشاخت و تقوست الآن ولم تعد تطرح بلحاً, لكني أقسم اني لن أبيعها ولو ( بعشرة ملايين جنيه)! أخليها كدا أنظر اليها  أشم فيها (ريحة جدي) الزكية. قلت ذلك قبل حدوث كارثة البحيرة. أقول الآن وأكرر على ذات المعاني بل (وبحرقة) هذه المرة على أرواح أولئك الفتيان الشجعان وتلك الزهرات الرائعات اليانعات اللواتي ذهبن. و أزيد الآن أنه على السلطات المحلية اتخاذ اجراءات عاجلة وذلك باستجلاب بنطون يكون تحت ادارة الولاية لنقل التلاميذ الى مدارسهم. أما الاجراءات الاخرى فقد تحدث عنها السيد الرئيس بشكل واضح. أقترح على السيد الرئيس وقد تفاعل مع قضية الخيار المحلي وتفاعل معه أصحاب الخيار المحلي, أقترح عليه اصدار مرسوم رئاسي بانشاء (الصندوق القومي لدعم الخيار المحلي) يكون تحت اشراف الرئيس مباشرة ويكون (الاكتتاب) فيه مفتوحاً للجميع من بنوك ومؤسسات خاصة وعامة الى جانب الاكتتاب العام من الشعب مع التركيز على شريحة المغتربين خاصة من أبناء المناصير وذلك (اضافة الى الميزانية الرسمية) من أجل انشاء (مدينة الشهداء) على أن تسمى المحلية نفسها (محلية الشهداء) وان تكون تلك المدينة (مدينة نموذجية) تخليداً لشهداء البحيرة.   
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search