عبدالرحمن الزومة

في لجان الحوار: (كل يغني على ليلاه)

كتبت الأحد الماضي مقالاً حول مطالبة وزارة الصحة الاتحادية بـ (أيلولة) مستشفيات وزارات الصحة الولائية الى سلطتها, ولقد أثار ذلك المقال ردود أفعال واسعة حيث تلقيت العديد من الاتصالات حول ما كتبت بعضها من مسؤولين أشادوا بالطرح الذي قدمته، بل إن البعض أمدني بالمزيد من الأفكار حول القضية. وفي اعتقادي فإن السبب  في هذا الاهتمام يعود الى أن القضية تتعلق بـ (صحة الناس) إذ أنه  في هذا الزمان الصعب فإن صحة الناس باتت مقدمة على (معاش الناس). وهذا هو السبب الذي حدا بي للعودة الى ذات القضية لأقدم المزيد من الإيضاحات حولها. وأولى النقاط المهمة التي ينبغي (الرجوع) إليها ونحن (نراجع) الأسباب التي دفعت وزارة الصحة الاتحادية لتقديم طلبها، ذاك هو أن الوزارة اعتمدت بشكل أساسي  في دعواها تلك على ما جاء  في توصيات لجان الحوار الوطني. وابتداء نقر أنه ليس هنالك من بأس  في أن تعتمد الوزارة  في طلبها على ما جاء  في توصيات الحوار الوطني, لكن شريطة أن يكون الاعتماد على حكاية الحوار الوطني باعتباره (عاملاً مساعداً) وليس أصل الحجة. بمعنى أن تقدم وزارة الصحة الاتحادية طلبها بناء على حجج (موضوعية) تتعلق بالهدف الأسمى من إنشاء المستشفيات وهو الاهتمام بصحة الناس وما تقدمه من خدمات صحية للجمهور. اذا أرادت وزارة الصحة الاتحادية منا أن نصدق دعواها ونقف معها، فإنه عليها أن تثبت لنا بالدليل القاطع أن عملية (نزع) هذه المستشفيات منها وإعادتها الى الوزارات الولائية كان (قراراً خاطئاً)! وهذه نقطة في غاية الأهمية ربما اعتمدت وزارة الصحة الاتحادية على فرضية أن (ذاكرة الناس) ضعيفة ولم تعد تذكر أن تلك المستشفيات كانت (في الأصل) تقع تحت سلطة وزارة الصحة الاتحادية منذ الاستقلال وما حدث لتلك المستشفيات من تردٍ رآه الناس وعاشوه مما جعل السيد الرئيس يصدر قراره التاريخي بـ (أيلولة) تلك المستشفيات الى وزارات الصحة الولائية, وهي التي (خاصة ولاية الخرطوم) اجتهدت وحولت تلك المستشفيات الى ما نراه عليها الآن. 
الأمر الثاني الذي يجعل ذلك القرار (معيباً) وغير موفق وغير مدروس وجاء  في (توقيت) غير مناسب فهو أن الطلب يتعارض ليس فقط مع (قرار رئاسي)، بل يتعارض مع الدستور الذي  في جوهره هدف ويهدف الى إعطاء الولايات مزيداً من السلطات, فبربكم إذا نزعت هذه المستشفيات من وزارات الصحة الولائية فما الداعي (حينها) لوجود وزارات الصحة الولائية؟! إلا اللهم أن كان المقصود هي مستشفيات ولاية الخرطوم، وتحديداً البروفيسور مأمون حميدة!! هنا (مفارقتان) هامتان أذكرهما الأولى أن مأمون حميدة لو صار وزيراً للصحة الاتحادية وجاء الأستاذ بحر أبو قردة  في محله لكان مأمون حميدة أشد المدافعين عن بقاء ذات المستشفيات (التي بناها) تحت سلطة وزارة الصحة الولائية. المفارقة الثانية أن الأستاذ أبو قردة كان من الذين حملوا السلاح دفاعاً عن إعطاء المزيد من السلطة للولايات! أما حكاية (استصحاب) ما جاء  في ردهات الحوار الوطني و(التوسل) بتلك التوصيات لدعم حجة وزارة الصحة الاتحادية فتلك تحتاج الى وقفة. أن فكرة الحوار الوطني قامت أساساً لجذب مزيد من القوى المعارضة للانخراط والمشاركة في إدارة الشأن العام للدولة خاصة في ما يتعلق بالمستقبل، وبالخصوص ما يتعلق بوضع الدستور الدائم للبلاد. جاء الجميع بعضهم معارض من الداخل وبعضم جاء يحمل السلاح الذي حمله ضد الدولة وتحدثوا لشهور. كل شخص قال ما (عن له). كل عاشق كان (يغني على ليلاه)! وكانت (المنصة)  في منتهى (الأريحية)  في قبول كل ما قيل, لذلك كانت جلسات الحوار أشبه بمحاولة إخراج (الهواء الساخن) من الصدور! (Steam it out) . ولهذا السبب فإن بعض التوصيات جاءت مناقضة للبعض, وبعضها يستحيل تطبيقه من الناحية العملية, ذلك لأنها نابعة من الجو الذي ذكرت ثم إنها لم تصدر عن لجان فنية متخصصة طلب منها حل معضلة محددة الجوانب.توصيات الحوار الوطني هي  في جزأ منها أفكار (طوباوية) مثالية (Utopian) وهي  في جانب آخر أشبه بـ (المواد الخام) لا يمكن إدخالها مباشرة الى المصانع، بل لا بد لها من (معالجات) خاصة تعطيها (قمية مضافة) تجعلها صالحة لحل المشاكل والاعتداد بها. عليه فإن التحجج بها هو أمر غير مقبول إلا  في إطار مناقشة تنفيذ (مخرجات الحوار الوطني)! من أمثلة التوصيات غير القابلة للتطبيق توصية باختيار وتعيين مدراء الجامعات عن طريق (الانتخاب)! هل يمكن لأحد مهما كان غارقاً  في المثالية أن يقول بأمر كهذا؟! هذه التوصية لم تنفذ بالرغم من أن تنفيذها (أسهل) من توصية المستشفيات. لقد استغرق نقل المستشفيات الى وزارة الصحة الولائية خمس سنوات, فهل سننتظر خمس سنوات أخرى لاعادة (تموضعها)؟! ثم أن (آلاف) العاملين مرتبطون بهذه المستشفيات وهم (مسكنون) في ولاية الخرطوم! من القضايا المثالية التي لا يزال البعض يصر على أنها من توصيات الحوار الوطني مسألة اختيار الولاة عن طريق الانتخاب المباشر! هذه المسألة طبقت, لكنها أفرزت إشكالات خطيرة لحزب المؤتمر الوطني بالرغم من أن الولاة المنتخبين يتبعون له, ولكم أن تتخيلوا اذا ما تم انتخاب والٍ ليس من الحزب الحاكم! أنا هنا لا أتحدث عن المؤتمر الوطني فـ (تلك الأيام), لذلك فإن المؤتمر الوطني صرف النظر عنها و لا أعتقد أن هذه القضية يمكن العودة إليها  في رحاب (القرن الحادى والعشرين)! على ذلك قس. 
إن التحجج بتوصيات الحوار الوطني  في أمر معقد كهذا ينطوي على قدر كبير من التخبط و(عدم الاحترافية) وهو أمر لا يجوز  في حق مؤسسة حكومية محترمة يختص عملها بـ (أغلى) ما عند الناس وهو صحتهم.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search