عبدالرحمن الزومة

حرب البذور والتقاوي المحسنة

الزعيم الليبى معمر القذافى رحمه الله عرف بأحاديثه أو (محاضراته) التى كان يلقيها على مسامع المسؤولين فى الدول التى يزورها, وهى أحاديث اتسمت دائماً بالاستعلاء و (الأستاذية)، حيث كان الرجل يتصرف باعتباره قائداً عربياً وأممياً (يعرف كل شيء) ويبدو أن تلك الحالة قد أخذها من (معلمه) الرئيس المصرى جمال عبد الناصر الذى تنبأ له بذلك. وأحاديث القذافى كان طابعها اجمالاً أنها ذات طبيعة سياسية, غير أنه وفى حالات (نادرة) كان يقول كلاماً مفيداً، فالرجل لم يكن (شراً كله)! وأخبرنى أحد كبار الزعماء السياسيين السودانيين أن القذافى وفى احدى تلك المحاضرات التى ألقاها على مسامعهم ابان احدى زياراته للسودان تطرق لقضية فى غاية الأهمية والخطورة, بل يمكن اعتبارها قضية استراتيجية قليل من الناس (خاصة المسؤولين) يعيرها ما تستحقه من اهتمام. وتحدث الرجل وباستفاضة عن قضية (التقاوى المحسنة) واكثار البذور. والرجل أوصى أهل السودان بأن يحافظوا على بذورهم التى طوروها منذ آلاف السنين بما يناسب بيئتهم وطقسهم وطبيعة تربتهم. وحذر الرجل من الركون الى ما يروج له الغرب من (بذور محسنة) يقدمونها لنا، وقال الرجل ان هؤلاء الغربيين يقدمون لنا تلك البذور مصحوبة بدعايات مبالغ فيها عن مزاياها وفوائدها، ويستمرون فى ذلك البذل حتى اذا ما تخلينا عن بذورنا التى طورناها على مر السنين, أو بمعنى آخر تخلينا عن (سلاحنا) الوطنى سحبوا منا سلاحهم و (فكونا عكس الهوا)! وما قاله الرجل عن البذور المحسنة لا يخرج عن كونه صورة من صور (المقالب) التى يحيكها لنا الغرب ولا يخرج عن كونه جزءاً من الحرب التى يشنها علينا الاستعمار الحديث، وهى حرب صحيح أنها تخلت عن البوارج والمدافع لكنها استبدلت ذلك بأسلحة أشد فتكاً، وبالرغم من أن الراحل القذافى لم يذهب الى حد الاشارة الى طبيعة (الحرب القادمة)، الا أنه يمكننا أن نطور نظريته الى القول إن التحذير من أن تلك الحرب بأنها ستجرى تحت عنوان (حرب البذور والتقاوى المحسنة) مثل حرب المياه وغيرها من الحروب القادمة. وعندما يحدث ذلك بمعنى أننا عندما نتخلى عن طرقنا الوطنية لاستنباط بذورنا المحسنة ويقطع عنا الغرب بذورهم، فإننا عندما نرجع الى بذورنا الوطنية فلن نجد شيئاً، واذا ما رجعنا اليهم قالوا لنا (آسفين... شطبنا)! هذا بالتحديد ما يريده أعداؤنا. السودان بلد زراعى, وأهله طوروا (سلالات) من البذور أثبتت جدواها وفعاليتها على مر العصور، ثم عندما جاءت الطرق الحديثة فى طريقة استنباط طرق علمية لتطوير تلك البذور فإن علماء السودان سواء على مستوى القطاعين العام والخاص أو الجامعات ووزارة الزراعة التى أنشأت ومنذ ما يقرب من قرن هيئات تحت مسمى (هيئة البحوث الزراعية), فى العاصمة وكذلك فى الدامر, كل ذلك جعل من السودان (موطناً) لصناعة يمكن أن نسميها صناعة البذور المحسنة. وفى هذا الخصوص فإننى أذكر أحد علمائنا الأفذاذ فى مجال البذور المحسنة, ذلكم هو الدكتور عبد الله الطيب خلف الله (متعه الله بالعافية ورده سليماً معافى الى أهله ووطنه). الدكتور عبد الله الطيب نال دراساته العليا فى درجة الدكتوراة فى ذات التخصص النادر، ولم يكتف الرجل بأن يحصر عطاءه وعلمه فى غرف المختبرات ومراكز البحوث, بل مد (عمله وعلمه) ليشمل الحقل. ولكن السؤال الذى يجب أن يسأله أهل السودان وعلى علماء السودان أن يقدموا اجابة شافية له هو: هل كل تلك الجهود التى ذكرتها والتى يقوم بها علماء السودان فى الجامعات وفى مراكز البحوث والهيئات العلمية الزراعية تلك هل يجرى العمل فيها فى (بوتقة واحدة) ذات أهداف استراتيجية واحدة؟ أو بمعنى آخر ما هى الفائدة التى جناها المواطن فى رزقه و (قفة ملاحه)؟! فليس كافياً أن نعلم أن العالم الفلانى قد طور السلالة الفلانية من الذرة أو القمح أو القطن، بل السؤال هو ما فائدة ذلك الاختراع على (سعر) السلعة المعنية التى يذهب المواطن الى السوق ليشتريها طعاماً لعياله؟ هذا هو (المعيار) الذى يمكن أن يقاس به نجاح ذلك الاختراع من فشله. ان الأمر الوحيد الذى يمكن أن (نباهي) به هو أثر تلك الاختراعات على السوق وليس نجاح تلك الاختراعات التى تتم فى قاعات الجامعات. ومطلوب أن يتم تجميع كل تلك الجهود تحت مظلة وطنية واحدة, فلتكن (النهضة الزراعية) ويكون هدفها احداث ثورة واسعة فى مجال انتاج البذور المحسنة وصولاً الى (توطين) تلك الصناعة فى السودان. وحينها يمكن للحديث عن أن (السودان سلة غذاء العالم) أن يكون له طعم ومعنى. لكن وللاجابة على تلك الأسئلة وللوصول لتلك الغايات فإنه لا بد من طرح سؤال أكثر أهمية وأكثر (حراجة) وهو: كم من الأموال ننفقها على مجالات انتاج التقاوي والبذور المحسنة؟ لأنه بدون الصرف على تلك الأبواب فإن الحديث عن الخروج من (ربقة) استعمار البذور الغربية أو الاستعمارية يكون ضرباً من الخيال.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search