عبدالرحمن الزومة

السر فى جوبا مالك علي

لقد كانت من أعجب المشاهد التي شغلت العالم إبان محادثات السلام التى طالت و استطالت في نيفاشا, كينيا هي تلك التي كان العالم يرى فيها طرفي النزاع وهما طرفان كانا يحملان السلاح ضد بعضهما البعض, كان العالم يشاهد (الأعداء) و هم يتبادلون الحديث والنكات ويضاحك بعضهم بعضاً و لا ينسى العالم علماء السودان وقد تم استدعاؤهم الى نيفاشا ليلتقوا بزعيم التمرد جون قرنق يخاطبهم ويخاطبونه, كما أن ذاكرة (الكاميرا) حفظت تلك الصورة لجون قرنق وهو يربت بيده على رأس الطفل حينها (مصعب) وهو نجل (غريم قرنق حينها) الشيخ علي عثمان محمد طه, بينما كان الشيخ علي عثمان ينظر في سعادة ليست مصطنعة. ويستدير الزمان دورة كاملة حيث نال الجنوبيون حقهم في تقرير مصيرهم واستخدموا ذلك الحق وانفصلوا وأقاموا دولتهم وتحدث بينهم مشاكل يحار العالم فيها وفي طريقة حلها وفي نهاية الأمر يوكل قادة (الايقاد) الأمر للسودان ولرئيسه عمر البشير لحل المشكل، و ربما كان (لسان حال) العالم يقول ماذا يمكن للسودان أن يفعل في هذه القضية الشائكة! وتحدث ذات المشاهد ولا اعني هنا نجاح السودان في إحداث (اختراقات) مهمة فى قضية السلام فى جنوب السودان، حيث تم الاتفاق على الإطار الذي يمكن من حل القضية وتم الاتفاق على وقف دائم لإطلاق النار يبدو حتى الآن أنه تم تطبيقه ومتماسك بشكل عام, كما تم الاتفاق على أن يتولى الدكتور رياك مشار منصب النائب الأول للرئيس سلفا كير، وهو أمر كان أشد المتفائلين تفاؤلا يستبعدونه, كما لا أعني السرعة التي تم بها تحقيق تلك الاختراقات وانما أعني (الروح) الطيبة التي سادت أجواء المفاوضات حيث بدا الجميع وكأنهم فريق واحد. شاهد العالم كله المفاوضين في ذلك اللقاء الذي نظمه (المضيف السوداني) حيث ارتفع صوت (أنا سوداني أنا) ورقص الجميع طربا وحق لهم أن يتفاعلوا مع تلك الأغنية الوطنية، فقد كانوا قبل سبع سنوات كلهم (أنا سودانى)! كما طرب الجميع وتمايلوا مع أغنية عاطفية هي (جوبا مالك علي أنا جوبا شلت عيني أنا)! وحق لهم أن ينزلوا جميعا و(يكشفوا) فى الدارة . فالأغنية أصلا نظمها شاعر شمالي أو سوداني في (جملية جنوبية). ولقد كان لافتا منظر (عراب) هذه الاختراقات و(مهندس) هذه المفاوضات ومضيفها في قلعته الأمنية الجميلة على ضفاف النيل الأزرق الفريق (مهندس) صلاح قوش المدير العام لجهاز الأمن و المخابرات الوطني, كان لافتا أن يتفاعل الرجل الصارم القسمات وهو يوزع ابتساماته (الشحيحة أصلاً) في الحفل. وربما كان الذين شهدوا المنظر يبحثون عن (السر) في كل ذلك. الذين يعرفون الشخصية السودانية ومرتكزاتها لن يتعجبوا كثيرا. الذين سيدهشون لتلك المشاهد هم الذين لا يعرفون السودان و أهل السودان. الذين يعرفون الشخصية السودانية يدركون أن الذي صاغ تلك المشاهد الحميمة هو (الكيمياء) السودانية وربما يقول قائل هذا عن حال السودانيين فما بال الجنوبيون؟ السؤال في محله وليس في محله. بالفعل هو في محله لأن الجنوبيين ساروا في طريقهم وربما يقول قائل انهم أصلا لم يكونوا سودانيين وإلا لما انفصلوا. تلك وجهة نظر وجيهة, لكن (الوجيه) أيضاً هو أن الجنوبيين كانوا بالفعل سودانيين، ولقد حملوا هذه الجنسية منذ ان عرفوا معنى الجنسية. كل القادة الجنوبيون يعرفون اخوانهم في الشمال ويعرفون الرئيس البشير ويعرفون صلاح قوش ويعرفون الدرديري. ذلك هو السودان وذلك هو (السر) و هو (السر) في نجاح المفاوضات.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search