عبدالرحمن الزومة

احتفال فوق العادة بالحج..الكعبة بين هاجر وبلال

وكعادته فى الاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية وكعادة الشيخ المهندس الصافى جعفر فى التأمل و(فلفلة) المعانى, وقراءة ما (بين السطور), سطور التاريخ هذه المرة, أقام (منتدى النفائس) محاضرة فى (دار الصافى) بالفردوس، وذلك مساء الأربعاء الماضى. والمحاضرة كانت (جديدة) فى عدة جوانب, ذلك لأنها تعتبر نمطاً جديداً فى (تحليل التاريخ) وذلك عن طريق (الربط) بين الشخوص والأمكنة وبناء علاقة حميمة بينها بهدف الوصول الى فهم صحيح للأحداث والدين. والمحاضرة بعنوان (الكعبة بين هاجر وبلال). ثلاثة (أصول) ثابتة فى وجدان المسلمين هى الكعبة وهاجر وبلال, يجعل منها المحاضر (موضوعاً واحداً): منذ أن كان (أول بيت وضع للناس للذى ببكة), ثم تنتقل (ريشة) المحاضر لتقدم لنا هاجر (أم العرب) وهى تسعى بين (الصفا والمروة) بحثاً عن الماء لرضيعها، وذلك بعد تلك (المواجهة) بينها وبين زوجها ابراهيم عليه السلام الذى (استودعها) الله وتركها هى وابنها فى ذلك الـ (وادى غير ذى زرع), ثم يقفز المحاضر بسامعيه ومشاهديه الى القرن السادس الميلادى، حيث سطع (نور النبوة) وتسوق الأقدار بلالاً الحبشى وهو يرعى غنماً لسيده ابن جدعان, تسوقه الأقدار الى حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ابى بكر (وهما مختبئان) اذ الوحى كان مازال (غضاً طرياً) فيسأل الرسول صلى الله عليه وسلم بلالاً ان كان عنده شيء من اللبن. وحق للزمان أن يتوقف هنا للتعرف على هذا (العبد الحبشى) الذى كان منذ تلك اللحظة على موعد مع التاريخ. قال لرسول الله ان الغنم التى بها اللبن هى لسيده, لكن حقه من القطيع شاة ليس بها لبن. وبقية القصة معروفة حيث مسها الرسول بيده الشريفة فدرت اللبن. ولم يكن لهذا الرجل الذى سيكون له شأن فى تاريخ الاسلام والمسلمين, لم يكن له أن يكذب. وأثبت أنه (أمين)، وهل يعقل أن يكون (مؤذن الرسول) سوى ذلك؟ لكن الرسول يقدم دعوته لذلك العبد الحبشى الذى صار المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها ومنذ تلك اللحظة يلقبونه بـ (سيدنا بلال). والمحاضرة لا تتبع الطرق (التقليدية) فى سرد السيرة النبوية مما يعرفه الناس جميعاً, لكنها تتخذ منحى جديداً يتمثل فى القاء الضوء على (نقاط الاتفاق) والتلاقى بين (الأبطال) الثلاثة، فهم متفقون فى (اللون). الكعبة سوداء وحجارتها سوداء وبها (الحجر الأسود) وهاجر سوداء, فأغلب الروايات تؤكد ذلك بل يقال انها (نوبية) وبلال أسود، ونحن فى السودان سود أو سمر او ملونون. الثلاثة يتفقون فى أنهم (متواضعون) ومن خلفيات (منخفضة), الكعبة فى وادٍ عميق، فهى فى انخفاض من الأرض و (تواضع) الكعبة هو تواضع (لوجستى) بحت، لكن المحاضر ينجح فى الربط بين الشخوص الثلاثة وجعلهم يتفقون فى (التواضع)، حيث هاجر (أمة سوداء) وبلال عبد حبشى أسود, ثم يرفع من شأن (السواد), فيذكر أن أهل الفن لهم رأي ايجابى في اللون الأسود، والدليل على ذلك (نحن) اهل السودان سود, وبلدنا اسمه يحمل (معنى السواد), لكننا من أشرف أهل الأرض (قوة وعزة وألقاً). هذه النقطة بالذات أثارت نقاشاً ثراً وعميقاً, خاصة فى المداخلة القيمة التى قدمها (مبتدر النقاش) وشيخ المؤرخين السودانيين البروفيسور يوسف فضل الذى أبدع الشيخ الصافى اذ دعاه لكى (يفرع النقاش) فى أمر ينطوى الى حد كبير على أحداث ومواقف تاريخية. لقد اتفق البروفيسور يوسف فضل مع المحاضر فى كثير مما سرده من أحداث تاريخية. كما ان البروف يوسف فضل اقترح طباعة تلك الرسالة وهو أمر وعد (صاحب النفائس) بتحقيقه. والكعبة وهاجر وبلال أيضاً يتفقون فى كونهم (أول من), أى هم الثلاثة (أوائل) كل فى مجاله، فهم يتقدمون على (رصفائهم) من الأماكن والناس.الكعبة هى (أول بيت) لله بناه رب العزة للناس على سطح الأرض. وهاجر هى (أول سادن) لذلك البيت. لقد شرفها الله أن جعلها مدبرة ومديرة و (ربة بيته) والقائم على أمره. هى التي شرفها الله وشرف وليدها بـ (بئر زمزم), تلك المعجزة الخالدة التى لا يجف ماؤها الى يوم القيامة، وهى فى أرض جرداء فقيرة فى مصادر المياه, بل هى من أفقر بلاد الله فى عنصر الماء حتى مصدر (المياه الجوفية) ومياه الأمطار. بلال هو (أول مسلم) من فئة العبيد، وهى فئة كان مجتمع مكة يعج بها. كانت ومازالت محاضرة قيمة امتد النقاش فيها حتى وقت متأخر من الليل، والمكتبة السودانية فى انتظار كتاب بعنوان (مكة بين هاجر وبلال).
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

753 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search