mlogo

صلاح الدين عووضة

وخوذة لبلال !!

>  كان يأتينا ظهر كل يوم بالجريدة..
>  يحمل في يده خوذة بيضاء يضعها على مائدة الاستقبال ثم يصيح (تشتروا وهم؟)..
>  وكنا نضحك... ويضحك هو... ثم يحمل (وهمه) ويرحل..
>  وفي يوم خطر ببال أحدنا أن يسأله: ولماذا نشتري وهمك هذا ما دام وهماً باعترافك؟..
>  فضحك من أعماقه ضحكةً ارتج لها جسده النحيل..
>  ثم قال: ولماذا يشتري الناس وهمكم هذا الذي تكتبونه في جريدتكم كل يوم؟..
>  ولما سكت عنه الضحك ارتسمت الجدية على ملامح وجهه..
>  وواصل قائلاً: هذا الوهم من أجل أن تضمنوا لجريدتكم البقاء... يا (وهم)..
>  ولم ندر وقتها: أفيلسوف هو... أم مجنون؟..
> فإفادته الأولى تنم عن تفلسف ساخر... بينما الأخرى لا تُفهم إلا كمحض جنون..
>  والفرق بين الفلسفة والجنون أصلاً كالذي بين الحياة والموت..
>  هو فارق أرفع من الخيط؛ ولكن أغلب الناس لا يحسونه إزاء المثال الثاني..
>  بل ومنهم من يتعامى عنه... ويمني النفس بوهم الخلود..
>  وفي بلدتنا ــ قديماً ــ كانت هنالك امرأة اسمها خالدة... أسقطت الموت من حساباتها..
>  وظنت أنها اسم على مسمى؛ خالدة... وسيُكتب لها الخلود..
>  سيما وقد تجاوزت التسعين من العمر... ومازالت ترى ليل عمرها طفلاً يحبو..
>  فلما حضرتها الوفاة ــ أخيراً ــ أنكرت... ولم تصدق..
>  وظلت تنتهر ــ بنوبية واهنة ــ من أحاطوا بسريرها يترجونها ترديد الشهادة..
>  وتقول ما ترجمته إلى العربية (أنا ما حصلت ده كلو)..
>  ومازالت كذلك ــ تنكر وتنهر ــ إلى أن فاضت روحها.... ولم تتشهد..  
>  و(الرأي الآخر) كانت تتعرض ــ آنذاك ــ إلى توقف مستمر..
>  وكانت بحاجة فعلاً إلى ضمان البقاء... والخلود؛ ولكن ليس عن طريق الوهم..
>  ليس عن طريق خوذة بيضاء... كالتي يعتمرها رجال المرور..
>  وحان وقتٌ شعرنا فيه أن جريدتنا ــ الرأي الآخر ــ قد (حصَّلت ده كله)... وزيادة..
>  وحدث فعلاً ما تخوفنا منه ؛ فلا رأي... ولا آخر..
>  والعاقل من تعامل بواقعية مع سنن الوجود؛ فلا بقاء... ولا دوام... ولا خلود..
>  لا النعمة تبقى... ولا الصحة... ولا العمر... ولا السلطة..
>  ومن أهل السلطة هذه ــ تحديداً ــ من يتمنى أنْ لو يشتري ترياقاً ضد الزوال..
>  وإن كان وهماً يخادع نفسه به ؛ مثل الخوذة البيضاء..
>  ثم يطمئن إلى خلودٍ كالذي آمنت به خالدة...لا يُوصل أبداً لمرحلة (ده كلو)..
>  ويجنبه حالة الجذع عند فقدان الكرسي..
>  بل هو جذعٌ قد لا يقل عن جذع حاجة خالدة... لحظة شعورها بفقدان الحياة..
>  ويا عزيزي أحمد بلال:
>  تشتري (وهم) ؟!

Who's Online

651 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search